تشهد الساحة الفلسطينية تطورات متسارعة تجمع بين محاولات إعادة ترتيب إدارة قطاع غزة من جهة، واستمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية والانتهاكات الميدانية في القطاع والضفة الغربية من جهة أخرى، في مشهد يعكس تعقيد المرحلة المقبلة وصعوبة الفصل بين المسار السياسي والواقع الإنساني والأمني المتدهور.
ففي الوقت الذي أُعلن فيه حل لجنة الطوارئ الحكومية في قطاع غزة تمهيدًا لنقل المهام الإدارية إلى اللجنة الوطنية لإدارة غزة، استمر الاحتلال الإسرائيلي في عمليات القصف وإطلاق النار والاعتقال وهدم المنازل، ما جعل الحديث عن انتقال إداري أو بدء مرحلة جديدة يصطدم بواقع ميداني لا يزال محفوفًا بالقتل والدمار والقيود.
وبين تفاؤل حذر داخل الشارع الفلسطيني بشأن إمكانية نجاح اللجنة الوطنية في إدارة القطاع، ومخاوف من أن تتحول الشروط السياسية والأمنية إلى عقبات جديدة، تتواصل الدعوات للوسطاء والدول الضامنة من أجل الإسراع في تنفيذ التفاهمات وتمكين الإدارة الجديدة من مباشرة مهامها.
حل اللجنة الحكومية وبدء مرحلة انتقالية
لم يكن إعلان حل لجنة متابعة العمل الحكومي في قطاع غزة مجرد إجراء إداري، بل جاء باعتباره تطورًا سياسيًا لافتًا يفتح الباب أمام مرحلة جديدة في إدارة القطاع.
وأعلن المكتب الإعلامي الحكومي في غزة استقالة رئيس لجنة الطوارئ الحكومية ورئيس متابعة العمل الحكومي بالإنابة محمد الفرا، وحل اللجنة رسميًا، في إطار ترتيبات تهدف إلى نقل المهام الإدارية وإدارة الشأن الحكومي إلى اللجنة الوطنية لإدارة غزة برئاسة علي شعث.
وأوضح المكتب أن هذه الخطوة جاءت لتأكيد الجدية وتسهيل عملية الانتقال الإداري وتنفيذ الاتفاقيات الوطنية، مع الحرص في الوقت نفسه على عدم حدوث فراغ في المؤسسات أو توقف الخدمات الأساسية.
وبحسب ما أُعلن، فإن الموظفين الذين سيبقون في مواقعهم هم من المستويات الفنية والمهنية، وسيواصلون عملهم في المستشفيات والشرطة والتعليم والوزارات والمؤسسات المختلفة، إلى حين مباشرة اللجنة الوطنية مهامها.
وأكد المكتب الإعلامي أن العاملين في تقديم الخدمات هم موظفو دولة، وأنهم على استعداد للعمل تحت مسؤولية اللجنة الوطنية والالتزام بتوجيهاتها وقراراتها.
اللجنة الوطنية تعلن جاهزيتها بشروط
من جانبها، أعلنت اللجنة الوطنية لإدارة غزة جاهزيتها لتحمل مسؤولياتها الوطنية فور توافر الإمكانات والممكنات اللازمة لبدء عملها داخل القطاع.
وقال رئيس اللجنة علي شعث إن نجاح عمل اللجنة يتطلب وجود سلطة واحدة وقانون واحد ذي مرجعية واضحة وسلاح واحد خاضع لهذه السلطة، معتبرًا أن هذه المتطلبات ضرورية لتوفير البيئة السياسية والإدارية والأمنية التي تسمح للجنة بأداء مهامها بفاعلية.
إلا أن هذه الشروط أثارت ردود فعل متباينة في الأوساط الفلسطينية، إذ رأى بعض المحللين أنها قد تتحول إلى عقبة أمام بدء عمل اللجنة، بينما اعتبر آخرون أن توفير بيئة مستقرة شرط ضروري لنجاح أي إدارة جديدة.
ورأى المحلل السياسي ياسين عز الدين أن ربط مباشرة اللجنة مهامها بشرط تسليم السلاح وتوفير الإمكانات قد يضع عراقيل أمام بدء عملها، معتبرًا أن هذه الشروط تتقاطع، بحسب رأيه، مع مطالب إسرائيلية مطروحة بشأن مستقبل القطاع.
كما انتقد رئيس المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان رامي عبده مسار التطورات، ورأى أن خطوة حل اللجنة الحكومية كان يجب أن تقابل بتعامل بنّاء يتيح للجنة الوطنية مباشرة عملها.
حماس تحذر من الفراغ الإداري
في المقابل، حذرت حركة حماس من محاولات الاحتلال الإسرائيلي عرقلة تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار من خلال فرض واقع من الفراغ الإداري في قطاع غزة.
وقالت الحركة إن الاحتلال يواصل، بحسب موقفها، محاولاته لإعاقة تنفيذ الاتفاق وتخريب مساره، مطالبة الوسطاء والدول الضامنة بالتحرك والضغط من أجل تمكين اللجنة الوطنية من دخول القطاع ومباشرة مسؤولياتها.
وأكدت حماس التزامها بتنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار بجميع بنوده، ومواصلة العمل بمقتضاه إلى حين انتقال إدارة قطاع غزة بالكامل إلى اللجنة الوطنية.
وشددت الحركة على أن حل لجنة الطوارئ الحكومية واستقالة رئيسها يأتيان في إطار استكمال الترتيبات الإدارية والقانونية المطلوبة لنقل المسؤوليات.
وترى الحركة أن تمكين اللجنة الوطنية من العمل قد يمنع استغلال أي فراغ إداري، ويساعد على استمرار الخدمات ودعم صمود الفلسطينيين في ظل الظروف الإنسانية القاسية.
انقسام في قراءة الخطوة
أثارت التطورات الجديدة نقاشًا واسعًا بين المحللين والكتاب الفلسطينيين، ورأى الكاتب والمحلل السياسي وسام عفيفة أن استقالة رئيس لجنة متابعة العمل الحكومي تتجاوز كونها إجراء إداريًا، وتمثل انتقالًا من مرحلة التفاهمات إلى محاولة التنفيذ العملي.
واعتبر أن الكرة أصبحت في ملعب الوسطاء والجهات الراعية من أجل إثبات الالتزام بما تم الاتفاق عليه.
أما الكاتب والباحث الفلسطيني محمد حامد العيلة، فرأى أن قرار حل لجنة الطوارئ الحكومية جاء لإزالة العقبات والذرائع أمام دخول اللجنة الوطنية ومباشرة مهامها.
وقال إن اللجنة الوطنية موجودة وجاهزة، وإن القرار يهدف إلى تسهيل انتقال الإدارة ومنع استخدام وجود اللجنة الحكومية ذريعة لتعطيل الترتيبات الجديدة.
من جهته، أكد الكاتب والأكاديمي فايز أبو شمالة أن استقالة اللجنة لا تعني وجود فراغ أمني أو إداري، موضحًا أن التغيير يقتصر على المستويات القيادية العليا، بينما تستمر مؤسسات الخدمات في أداء وظائفها.
القصف مستمر رغم وقف إطلاق النار
بالتوازي مع هذه التحركات السياسية، تواصلت العمليات العسكرية الإسرائيلية في قطاع غزة.
فقد استشهد فلسطيني وأصيب آخرون، بينهم حالات خطيرة، إثر قصف نفذته طائرة مسيرة إسرائيلية استهدف مجموعة من الفلسطينيين في منطقة المواصي غربي خان يونس.
وأفاد مصدر طبي في مستشفى ناصر بوصول شهيد وعدد من المصابين إلى المستشفى نتيجة القصف.
كما واصل الجيش الإسرائيلي عمليات القصف المدفعي وإطلاق النار في مناطق متفرقة من القطاع.
وفي جنوب غزة، قصفت المدفعية الإسرائيلية مناطق غربي رفح، بينما أطلقت الزوارق الحربية النار بكثافة قبالة ساحل خان يونس، بالتزامن مع تحليق منخفض للطائرات المسيرة.
وفي شمال القطاع، أطلقت القوات الإسرائيلية النار باتجاه مراكز إيواء قرب بركة أبو راشد غربي جباليا.
كما تعرض محيط بنك القدس في شارع صلاح الدين بحي الزيتون شرقي مدينة غزة لقصف مدفعي.
وتستمر هذه العمليات رغم دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في أكتوبر 2025، وسط اتهامات متواصلة لإسرائيل بخرق الاتفاق عبر القصف والقتل وعمليات النسف والتدمير، إلى جانب القيود المفروضة على حركة البضائع والمساعدات والسفر.
وبحسب الأرقام الواردة في المواد، ارتفع عدد الشهداء منذ بدء وقف إطلاق النار إلى 1072 شهيدًا، إضافة إلى 3463 مصابًا، فضلًا عن تسجيل 799 حالة انتشال.
كما بلغت الحصيلة الإجمالية منذ السابع من أكتوبر 2023 نحو 73 ألف شهيد وأكثر من 173 ألف مصاب، مع دمار واسع طال معظم البنية التحتية المدنية.
ضابط إسرائيلي يتحدث عن تدهور أخلاقي
وفي تطور لافت، كشف ضابط إسرائيلي مشارك في العمليات العسكرية بقطاع غزة عن وجود ما وصفه بـ"التدهور الأخلاقي" داخل الجيش.
وقال الضابط، الذي نشر رسالة دون الكشف عن هويته، إنه أمضى أكثر من 300 يوم في خدمة الاحتياط منذ أكتوبر 2023، وإنه يشهد تراجعًا في المعايير الأخلاقية داخل القوات.
وأضاف أن الجنود يخوضون مهمة مستمرة لم تعد أهدافها واضحة، وأن حالة الخوف والتأهب الدائم تؤدي إلى معضلات أخلاقية متزايدة.
واعترف بأن الجنود يطلقون النار على سكان غزة الذين يقتربون من مواقعهم، وأن بعض حالات إطلاق النار تكون أقل تبريرًا من غيرها.
وقال إن "كل شيء أصبح مباحًا" وإن أصابع الجنود أصبحت خفيفة على الزناد، معتبرًا أن هذا الواقع يؤثر سلبًا في معنويات الجنود.
كما تحدثت المواد عن تقارير إسرائيلية تشير إلى تراجع معنويات الجنود، وارتفاع عدد حالات الانتحار بين العسكريين خلال عام 2025.
الصيادون تحت الاستهداف
وامتدت الانتهاكات الإسرائيلية إلى البحر، حيث اعتقلت القوات البحرية الإسرائيلية سبعة صيادين فلسطينيين بعد مهاجمة مراكبهم قبالة ساحل بلدة الزوايدة وسط قطاع غزة.
وبحسب منسق اتحاد لجان الصيادين، فإن المعتقلين بينهم خمسة من عائلة واحدة.
ويواجه صيادو غزة، وفق المواد الواردة، عمليات إطلاق نار واعتقال متواصلة، في وقت تمنعهم فيه إسرائيل من النزول إلى البحر منذ اندلاع الحرب، رغم أن بعضهم يواصلون الصيد بحثًا عن مصدر للرزق.
كما تعرضت مراكب الصيد للتدمير خلال الحرب، ما دفع العديد من الصيادين إلى استخدام قوارب صغيرة بدائية.
تصعيد واسع في الضفة الغربية
ولم تقتصر التطورات على قطاع غزة، إذ شهدت الضفة الغربية حملة من الاقتحامات والاعتقالات وعمليات هدم وتفجير المنازل.
واعتقلت القوات الإسرائيلية نحو 20 فلسطينيًا، وهدمت ثلاثة منازل في محافظتي رام الله والبيرة وقلقيلية، كما فجرت منزلًا في مدينة نابلس.
وفي قرية شقبا غرب رام الله، هدمت القوات منزلين قيد الإنشاء بعد اقتحام المنطقة ترافقها جرافات عسكرية، وفي قرية جيت شرق قلقيلية، هدمت القوات منزلًا آخر.
أما في نابلس، ففجرت القوات منزلًا بعد محاصرته لساعات خلال عملية اقتحام واسعة.
كما اقتحمت القوات منطقة برك سليمان السياحية الواقعة بين بلدة الخضر وقرية أرطاس جنوب بيت لحم، في ظل تكرار الاقتحامات والاعتداءات على المواطنين.
تحذيرات دولية من تدهور الوضع
وعلى الصعيد الدولي، أعربت الأمم المتحدة عن قلقها من تراجع المساعدات الإنسانية ومن استمرار قتل الفلسطينيين، ولا سيما الأطفال.
وأكد المتحدث باسم الأمم المتحدة ستيفان دوجاريك أن الفلسطينيين في الأراضي المحتلة يجب أن يحظوا بالحماية، وأن مرتكبي الانتهاكات يجب أن يخضعوا للمحاسبة.
وفي سياق متصل، حذر وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول من أن إضعاف السلطة الفلسطينية لا يخدم أمن إسرائيل، بل قد يؤدي إلى فراغ تستفيد منه قوى أكثر تطرفًا.
وطالب بالإفراج عن العوائد الضريبية والجمركية المستحقة للسلطة الفلسطينية، مؤكدًا حاجتها إلى هذه الأموال لتقديم الخدمات الأساسية.
كما شدد على ضرورة زيادة المساعدات الإنسانية إلى غزة، وحذر من أن المشاريع الاستيطانية الإسرائيلية في الضفة الغربية تقوض فرص السلام.
مرحلة جديدة يحيط بها الغموض
تكشف التطورات الأخيرة أن القضية الفلسطينية تدخل مرحلة شديدة التعقيد، إذ تتحرك ترتيبات إدارة غزة في ظل استمرار القصف والاعتقالات والهدم والقيود الإنسانية.
فحل اللجنة الحكومية يزيل، من الناحية الإدارية، عقبة أمام اللجنة الوطنية، لكنه لا يضمن وحده بداية انتقال سلس، خصوصًا مع استمرار الخلاف حول شروط مباشرة العمل ومستقبل السلاح والسلطة والمرجعية.
وفي الوقت نفسه، فإن استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية يهدد بتقويض أي محاولة لإعادة الاستقرار أو بدء الإعمار أو استعادة الخدمات.
وبين الاستعداد المعلن من اللجنة الوطنية، وتحذيرات حماس من الفراغ الإداري، والانقسام حول الشروط السياسية، يبقى مستقبل إدارة القطاع مرتبطًا بقدرة الأطراف على تنفيذ التفاهمات، وبوقف الانتهاكات الميدانية التي لا تزال تفرض نفسها على حياة الفلسطينيين في غزة والضفة الغربية.
وبذلك يبقى التفاؤل الفلسطيني مشوبًا بالحذر، إذ ينتظر السكان انتقالًا إداريًا قد يفتح بابًا أمام مرحلة جديدة، بينما يستمر القصف والقتل والهدم في إبقاء المشهد كله على حافة أزمة مفتوحة.

