يقضي الدكتور محمد علي بشر، وزير التنمية المحلية الأسبق والقيادي البارز في جماعة الإخوان المسلمين، سنوات متواصلة خلف القضبان منذ اعتقاله في نوفمبر 2014، رغم تجاوزه الحد الأقصى للحبس الاحتياطي في إحدى القضايا، وسط تدهور خطير في حالته الصحية وحرمان ممتد من الزيارة والتواصل المنتظم مع أسرته ومحاميه، بينما تتصاعد المخاوف من أن تتحول سنوات السجن والإهمال الطبي إلى حكم بالموت البطيء على رجل بلغ من العمر 74 عاما، وتولى في وقت سابق مناصب وزارية وأكاديمية ونقابية وسياسية بارزة.
من التفاوض إلى السجن
لم يكن د.محمد علي بشر شخصية هامشية في المشهد السياسي الذي أعقب الإطاحة بالرئيس الراحل محمد مرسي في 3 يوليو 2013، بل كان واحدا من أبرز الشخصيات التي اضطلعت بدور الوسيط بين جماعة الإخوان المسلمين والقوى الرافضة للانقلاب من جهة، والجهات الدولية والشخصيات السياسية التي حاولت فتح قنوات للحوار من جهة أخرى.
وخلال تلك المرحلة، لم يتعرض بشر للاعتقال مباشرة كما حدث مع عدد كبير من قيادات الجماعة وحزب الحرية والعدالة، إذ كان يمثل همزة وصل في الاتصالات السياسية التي جرت بمشاركة أطراف أوروبية ودولية، من بينها كاثرين أشتون، الممثلة العليا للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية آنذاك.
غير أن هذا الدور انتهى في نوفمبر 2014 باعتقاله، لتوجه إليه نيابة أمن الدولة العليا اتهامات من بينها التخابر مع الولايات المتحدة والنرويج بقصد الإضرار بمركز مصر السياسي والاقتصادي والاجتماعي، إلى جانب اتهامات بالانضمام إلى جماعة أسست على خلاف أحكام القانون.
وباعتقاله، طويت صفحة الوسيط الذي شارك في محاولات البحث عن مخرج سياسي، وبدأت مرحلة طويلة من السجن امتدت لأكثر من عقد، تحول خلالها الوزير السابق وأستاذ الهندسة إلى واحد من أبرز الحالات التي تثير تساؤلات بشأن طول فترات الاحتجاز والأوضاع الصحية للمعتقلين السياسيين.
ولد بشر في 14 نوفمبر 1951 بقرية كفر المنشى التابعة لمركز قويسنا بمحافظة المنوفية، وحصل على بكالوريوس الهندسة الكهربائية من جامعة المنوفية عام 1974 بتقدير ممتاز، وعين معيدا في العام نفسه، قبل أن يلتحق بالجيش المصري ضابط احتياط لمدة ثلاث سنوات.
وحصل لاحقا على درجة الدكتوراه من جامعة ولاية كولورادو في الولايات المتحدة عام 1984، ثم تدرج في السلك الأكاديمي بجامعة المنوفية حتى أصبح أستاذا، كما اختير أستاذا زائرا بجامعة ولاية كارولينا الشمالية، ليجمع في مسيرته بين العمل الأكاديمي والنقابي والسياسي.
وانضم بشر إلى جماعة الإخوان المسلمين عام 1979، وخاض منذ ذلك الوقت تجارب متعددة في العمل العام، خصوصا داخل نقابة المهندسين، حيث فاز في انتخابات شعبة الهندسة الكهربائية عام 1985، ثم أصبح أمينا مساعدا للصندوق، قبل انتخابه أمينا عاما للنقابة العامة للمهندسين من 1991 وحتى فرض الحراسة عليها عام 1995.
كما انتخب أمينا عاما لاتحاد المنظمات الهندسية في الدول الإسلامية بين عامي 1989 و1997، وشارك في مؤتمرات علمية ونقابية دولية تناولت قضايا التكنولوجيا والتعليم الهندسي والإسكان والبطالة والفجوة التكنولوجية بين الدول النامية والمتقدمة.
ولم تكن سنوات ما بعد 2014 هي تجربته الأولى مع السجن، إذ اعتقل في أكتوبر 1999 فيما عرف بقضية النقابيين، وأحيل مع عدد من النقابيين إلى محكمة عسكرية حكمت عليه بالسجن ثلاث سنوات، قبل الإفراج عنه في أكتوبر 2002.
ثم اعتقل مرة أخرى عام 2007، وقضى ثلاث سنوات بالسجن بتهمة الانضمام إلى جماعة الإخوان المسلمين، قبل أن يعود بعد ثورة يناير إلى المجال العام، ويتولى حقيبة التنمية المحلية في حكومة الدكتور هشام قنديل منذ يناير 2013.
مرض يتفاقم خلف القضبان
مع مرور سنوات الاحتجاز، تحولت قضية د.محمد علي بشر من ملف سياسي وقضائي إلى أزمة صحية وإنسانية متفاقمة، بعدما تحدثت أسرته ومصادر مقربة منه عن إصابته بعدد من الأمراض المزمنة والخطيرة، في ظل ما وصفته بحرمانه من الرعاية الطبية الملائمة.
وبحسب المعلومات التي أعلنتها أسرته، عانى بشر من فيروس الكبد والتليف وتضخم الطحال ودوالي المريء وتضخم البروستاتا والفتق الإربي، وهي أمراض تحتاج إلى متابعة منتظمة وعلاج مستمر لا يتوافق، بحسب الأسرة، مع ظروف الاحتجاز القاسية.
وكشفت مصادر في وقت سابق أنه تعرض لمضاعفات خطيرة بعد اختناق الفتق، ما استدعى نقله من محبسه إلى مستشفى ليمان طرة، ثم إلى مستشفى المنيل الجامعي لإجراء عملية جراحية، في وقت كانت حالته الصحية توصف بأنها بالغة السوء.
غير أن معاناته لم تنته بإجراء العملية، إذ قالت المصادر إنه أعيد إلى السجن قبل استكمال علاجه وإجراء العمليات الأخرى التي كان يحتاج إليها، وفي مقدمتها علاج تضخم البروستاتا وانسداد مجرى البول.
وأثارت واقعة نقله بعد الجراحة للعرض أمام المحكمة في أكاديمية الشرطة انتقادات واسعة، بعدما أكدت مصادر مقربة أنه نقل في مدرعة بدلا من سيارة إسعاف، رغم وجود جرح جراحي وحاجته إلى رعاية طبية خاصة.
ورأت الأسرة أن طريقة التعامل مع بشر تكشف حجم الخطر الذي قد يواجهه معتقلون آخرون لا يملكون شهرته أو تاريخه السياسي والأكاديمي، متسائلة عن أوضاع من لا تصل أخبارهم إلى الإعلام أو المنظمات الحقوقية.
وفي مايو 2022، تصاعدت المخاوف بصورة أكبر بعدما أعلنت الأسرة تلقيها معلومات عن إصابته بجلطة في المخ داخل محبسه، استدعت نقله إلى مستشفى خارج السجن لإجراء تدخل جراحي.
وقالت الأسرة إنها حاولت الحصول على معلومات دقيقة عن حالته الصحية عبر قنوات قانونية وشخصية، لكنها لم تتمكن من ذلك بسبب استمرار حرمانه من الزيارة منذ عام 2018 وانقطاع التواصل بينه وبين المحامين.
وأعلن رئيس حزب الوسط أبو العلا ماضي حينها أن بشر تعرض لجلطة بالمخ ونقل إلى مستشفى قصر العيني بالقاهرة، حيث أجريت له جراحة، قبل إعادته إلى مستشفى سجن استقبال طرة لاستكمال العلاج.
لكن غياب المعلومات الرسمية والتواصل الأسري أبقى مصير حالته الصحية محاطا بالغموض، وجعل الأسرة تعتمد على أخبار متفرقة تصل إليها من مصادر غير مباشرة لمعرفة ما إذا كان ما يزال يتلقى العلاج أو يواجه مضاعفات جديدة.
سنوات تتجاوز الحبس الاحتياطي
وتكمن المفارقة الأكثر قسوة في قضية د.محمد علي بشر في أنه تجاوز، بحسب أسرته ومصادر مقربة منه، الحد الأقصى للحبس الاحتياطي في إحدى القضايا منذ سنوات، لكن خروجه من السجن لم يتحقق، واستمر احتجازه على ذمة قضايا واتهامات أخرى.
وتحولت سنوات الحبس المتتابعة إلى ما يشبه عقوبة مفتوحة لا ترى الأسرة لها نهاية، بينما يتقدم الوزير السابق في العمر وتتزايد أزماته الصحية، من دون أن يتمكن من لقاء أحفاده الذين ولد عدد منهم بعد دخوله السجن.
وفي بيانها عقب أنباء إصابته بالجلطة، قالت الأسرة إن حرمانه من الزيارة المستمر منذ عام 2018 ضاعف مخاوفها، وطالبت بالحصول على حقوقه القانونية والإنسانية، وعلى رأسها الإفراج الصحي وإدراج اسمه ضمن قوائم العفو.
وأكدت أن الرجل الذي قضى عقودا في العمل الأكاديمي والنقابي والخيري والسياسي يستحق معاملة إنسانية تليق بعمره وظروفه الصحية، وأن عودته إلى منزله أصبحت ضرورة لإنقاذ حياته وتمكينه من استكمال العلاج.
كما حملت جماعة الإخوان المسلمين السلطات المصرية المسؤولية الكاملة عن صحة وحياة بشر، مطالبة المنظمات الحقوقية المحلية والإقليمية والدولية بالتدخل من أجل الكشف عن وضعه الصحي وضمان حصوله على العلاج.
وبعيدا عن المواقف السياسية المتباينة تجاه بشر أو الجماعة التي ينتمي إليها، تبقى القضية الإنسانية أكثر وضوحا، إذ يتعلق الأمر برجل مسن يعاني من أمراض متعددة، قضى أكثر من 11 عاما رهن الاحتجاز منذ نوفمبر 2014.
وبحلول 10 يوليو 2026، أصبح د.محمد علي بشر واحدا من أصحاب أطول فترات الاحتجاز بين الوزراء السابقين في مصر، بعدما انتقل من مقاعد الجامعة ونقابة المهندسين والوزارة إلى سنوات طويلة خلف الجدران.
واليوم، لا تطالب أسرته بعودة إلى منصب أو دور سياسي، بل بمعرفة حالته الصحية وضمان حقه في العلاج والزيارة ولم شمل أسرة حرم أفرادها من رؤيته لسنوات طويلة.
وتلخص مأساة ةوير التمية المحلية الأسبق وجها من وجوه أزمة أوسع يعيشها معتقلون تقدموا في العمر خلف القضبان، وتحولت أمراضهم المزمنة إلى تهديد مباشر لحياتهم في ظل سنوات احتجاز ممتدة وغياب التواصل العائلي والرعاية الطبية الكافية.
ويبقى السؤال الذي يلاحق قضيته بلا إجابة واضحة: كم عاما أخرى يحتاجها وزير سابق وأستاذ جامعي يبلغ 74 عاما خلف القضبان، بعدما تجاوز سنوات الحبس الاحتياطي وتدهورت صحته وأصيب بجلطة في المخ، قبل أن يصبح إنقاذ حياته أولوية تتقدم على الخصومة السياسية.

