سجلت منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة تراجع مؤشر أسعار الغذاء العالمي إلى 130.3 نقطة خلال يونيو، مقابل 130.8 نقطة في مايو، لكن الانخفاض المحدود لم يصل بوضوح إلى المستهلكين في الأسواق المصرية.

 

ويكشف استمرار الغلاء أن المصريين يدفعون ثمن سياسات اقتصادية أضعفت الجنيه ورفعت تكاليف الطاقة والنقل، بينما تكتفي الحكومة بإعلان معدلات تضخم أقل لا تعني بالضرورة انخفاض الأسعار أو تحسن القدرة الشرائية.

 

وبحسب بيانات المنظمة، انخفض المؤشر العالمي بنسبة 0.3 بالمئة خلال يونيو، بعدما تراجعت أسعار الحبوب والسكر ومنتجات الألبان بوتيرة تجاوزت الارتفاع المسجل في أسعار الزيوت النباتية واللحوم.

 

وفي المقابل، ظل المؤشر أعلى بنسبة 1.7 بالمئة مقارنة بالشهر نفسه من العام الماضي، لكنه بقي أقل بنسبة 18.7 بالمئة من ذروته التاريخية المسجلة في مارس 2022.

 

ومن ثم، لا يعني التراجع العالمي أن أزمة الغذاء انتهت، لكنه كان يفترض أن يخفف تدريجيا تكلفة الواردات المصرية، خصوصا في دولة يعتمد أمنها الغذائي بدرجة واسعة على السلع والمدخلات المستوردة.

 

غير أن الأسواق المحلية تتحرك غالبا في اتجاه واحد، فترتفع الأسعار فور صعود الدولار أو تكلفة الشحن، بينما يتباطأ انتقال أي انخفاض إلى المستهلك، وقد لا يظهر أساسا بسبب غياب المنافسة والرقابة الفعالة.

 

فجوة تفصل السعرين

 

أولا، تمر السلع المستوردة بدورة تبدأ بالتعاقد والتحويل والشحن والتخليص والتخزين ثم التوزيع، لذلك لا تنتقل التحركات العالمية إلى رفوف المتاجر مباشرة، وقد تستغرق آثارها أسابيع أو عدة أشهر بحسب المخزون.

 

وفي هذا السياق، يتمسك مستوردون وتجار ببيع المخزونات القديمة وفقا للتكلفة المرتفعة التي تحملوها عند الشراء، معتبرين أن تخفيض السعر قبل تصريفها يسبب خسائر، حتى لو أصبحت الشحنات الجديدة أقل تكلفة.

 

لكن هذه الحجة تفقد مشروعيتها عندما تستمر الأسعار المرتفعة بعد تجديد المخزون، أو عندما تستخدم التكلفة القديمة لتبرير البيع، بينما تطبق التكلفة الجديدة فورا عند أي زيادة عالمية أو انخفاض جديد في قيمة الجنيه.

 

كذلك، يرى خبير أسواق المال أحمد معطي أن سعر الصرف ليس المكون الوحيد لتكلفة السلع، إذ تدخل أسعار الطاقة والأجور والنقل والتمويل ضمن عناصر الإنتاج التي تحدد السعر النهائي للمستهلك.

 

ويوضح معطي أن تراجع الدولار قد يؤدي إلى انخفاض جزئي، لكنه لا يعيد الأسعار تلقائيا إلى مستوياتها السابقة، لأن المنتجين والتجار يسعرون السلع وفقا لمجموع التكلفة وليس وفقا للعملة وحدها.

 

إضافة إلى ذلك، ترفع الفائدة المرتفعة تكلفة الاقتراض وتمويل الاعتمادات والمخزون والتشغيل، فيضيفها المستورد والمنتج والتاجر إلى السعر، حتى عندما تتراجع قيمة السلعة نفسها في البورصات والأسواق العالمية.

 

وعلى الجانب الآخر، ارتفعت تكاليف الشحن والتأمين على الواردات خلال فترات الاضطراب الإقليمي، ما حد من أثر تراجع الدولار، وأبقى تكلفة وصول السلع إلى الموانئ والمخازن المصرية عند مستويات مرتفعة.

 

الجنيه والسوق المنفلت

 

ثانيا، يجعل اعتماد مصر على الواردات أسعار الغذاء شديدة الحساسية لتحركات الجنيه، إذ لا تقتصر الفاتورة على السلع النهائية، بل تشمل القمح والزيوت والأعلاف والبذور والأسمدة ومستلزمات التعبئة والإنتاج.

 

وبالتالي، يمكن أن تتراجع أسعار الحبوب عالميا، بينما تظل تكلفتها بالجنيه مرتفعة إذا فقدت العملة المحلية جزءا من قيمتها، أو تحمل المستورد نفقات تمويل وشحن وتأمين تفوق قيمة الانخفاض الخارجي.

 

وفوق ذلك، يؤدي غياب استقرار سعر الصرف إلى تسعير السلع على أساس المخاطر المتوقعة وليس التكلفة الحالية فقط، فيضيف التجار هامشا احتياطيا لحماية أنفسهم من أي انخفاض جديد محتمل للجنيه.

 

وبينما تتحمل الأسر هذه الهوامش، لا تقدم الحكومة بيانات علنية كافية تكشف تكلفة الاستيراد الحقيقية وهوامش الربح وحلقات الوساطة، ما يجعل الحديث عن التسعير العادل مجرد شعار يصعب التحقق منه.

 

أما خبير الاقتصاد الدولي علي الإدريسي، فيؤكد أن صعود النفط والغاز ينعكس مباشرة على النقل والإنتاج والكهرباء، ثم ينتقل إلى أسعار السلع والخدمات داخل السوق المصرية عبر سلسلة التكلفة.

 

وبناء على ذلك، فإن تراجع بعض السلع الغذائية عالميا قد يضيع بالكامل إذا ارتفعت الطاقة أو النقل، لأن كل مرحلة من المصنع والميناء إلى المخزن والمتجر تضيف تكلفة جديدة إلى المنتج.

 

فضلا عن ذلك، تسمح الأسواق التي تتركز فيها الوكالات والتوزيع لدى عدد محدود من الشركات ببطء خفض الأسعار، لأن ضعف المنافسة يمنح كبار التجار قدرة أكبر على تثبيت هوامش أرباحهم.

 

وفي الأثناء، يدفع صغار التجار بأنهم يشترون من الموزعين بأسعار مرتفعة ولا يملكون مساحة للتخفيض، ما يكشف أن الخلل يمتد بطول سلاسل التوريد ولا يقتصر على البائع النهائي.

 

ويرى الخبير الاقتصادي رشاد عبده أن استمرار الغلاء يرتبط أيضا بضعف الرقابة على الأسواق وسعي بعض التجار إلى تعظيم الأرباح، مطالبا بتفعيل الدور الحكومي في متابعة الأسعار وحماية المستهلكين.

 

أرقام لا تشبع الأسر

 

ثالثا، أعلن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء تباطؤ التضخم السنوي في المدن إلى 14.3 بالمئة خلال يونيو، مقابل 14.6 بالمئة في مايو، مدفوعا بانخفاض شهري في بعض الأسعار.

 

مع ذلك، فإن تباطؤ التضخم لا يعني عودة الأسعار إلى مستويات أقل، بل يعني أن وتيرة ارتفاعها أصبحت أبطأ، ولذلك قد يواصل المواطن دفع مبالغ أكبر رغم تحسن المؤشر الرسمي.

 

وعلاوة على ذلك، ارتفع التضخم الأساسي الذي يحسبه البنك المركزي إلى 14.3 بالمئة خلال يونيو، مقابل 13.8 بالمئة في مايو، ما يشير إلى استمرار ضغوط سعرية كامنة داخل الاقتصاد.

 

لهذا السبب، تبدو الاحتفالات الرسمية بانخفاض التضخم منفصلة عن الواقع الاجتماعي، لأن الأسرة لا تشتري المؤشر العام، وإنما تدفع يوميا ثمن الخبز واللحوم والنقل والكهرباء والإيجار والعلاج والتعليم.

 

وفي الوقت نفسه، تلتهم زيادات الوقود والكهرباء وتذاكر النقل والخدمات أي وفر محدود تحققه الأسرة من انخفاض صنف غذائي، لأن هذه البنود تدخل بصورة مباشرة وغير مباشرة في تكلفة جميع المنتجات.

 

ومن ناحية أخرى، لا تتساوى الأسر في الاستفادة من انخفاض بعض الأصناف، فالأسر الفقيرة تخصص النسبة الأكبر من دخولها للطعام والسكن والمواصلات، ولذلك تتعرض لضربة أشد عند ارتفاع السلع الضرورية.

 

إزاء ذلك، لا يكفي مطالبة التجار بالتخفيض عبر تصريحات إعلامية، بل يتطلب الأمر نشر تكاليف الاستيراد، ومراقبة هوامش الربح، ومنع الاحتكار، وتوسيع المنافسة، ومحاسبة من يخزن السلع أو يبالغ في تسعيرها.

 

وأخيرا، يظل تراجع الغذاء عالميا خبرا بلا قيمة لملايين المصريين ما لم يتحول إلى انخفاض حقيقي في الأسواق، وهو ما لن يحدث بينما تواصل الحكومة رفع الخدمات وترك السوق تحت رحمة العملة والوسطاء.