ألقت سلطات الأمن القبض على ما لا يقل عن ستة من العاملين بوزارة الزراعة واستصلاح الأراضي، على خلفية مشاركتهم في احتجاجات سلمية للمطالبة بصرف رواتبهم المتوقفة منذ سنوات وتنفيذ أحكام قضائية وقرارات إدارية صادرة لصالحهم، وفقًا لما أعلنته المفوضية المصرية للحقوق والحريات.

 

وأفادت المفوضية بأن عددًا من المقبوض عليهم تم إخلاء سبيلهم لاحقًا، بينما لا يزال اثنان على الأقل رهن الاحتجاز، وسط مطالبات حقوقية بالإفراج عن جميع العاملين الذين تم توقيفهم على خلفية التحركات الاحتجاجية، وفتح حوار مع الموظفين لحل أزمة المستحقات المالية المتأخرة.

 

وتأتي هذه التطورات بعد احتجاجات واسعة شارك فيها نحو 3700 عامل وموظف من قطاعات مختلفة تابعة لوزارة الزراعة، للمطالبة بحقهم في الحصول على أجورهم بعد سنوات من استمرارهم في أداء مهامهم الوظيفية دون صرف رواتب منتظمة، رغم صدور أحكام قضائية لصالح عدد منهم تلزم الجهات المختصة بتنفيذ حقوقهم المالية.

 

 

مسيرة من الجيزة إلى الدقي للمطالبة بالأجور


وشهد محيط وزارة الزراعة واستصلاح الأراضي بمنطقة الدقي تصعيدًا جديدًا في أزمة العاملين، بعدما نظمت مئات الموظفات مسيرة احتجاجية سلمية انطلقت من أمام مقر الوزارة، مرورًا بمناطق جامعة القاهرة والدقي، وصولًا إلى الإدارة المركزية لفحص واعتماد التقاوي التابعة لمركز البحوث الزراعية بمحافظة الجيزة.

 

وردد المشاركون خلال المسيرة هتافات تطالب بصرف مستحقاتهم المالية وإنهاء سنوات الانتظار، من بينها: "خمس سنين كفاية"، في إشارة إلى فترة توقف الرواتب، مؤكدين أنهم واصلوا العمل داخل الإدارات والجمعيات الزراعية التابعة للوزارة رغم عدم حصولهم على أجورهم.

 

كما رفعت المشاركات مطالب مباشرة لوزير الزراعة والجهات الحكومية المعنية، ورددن هتافات من بينها: "يا وزير قول الحق.. لينا مرتب ولا لأ"، و"علي وعلي وعلي الصوت.. صوت الحق مش هيموت"، و"صور صور يا إعلام.. خلي صوت الحق يبان"، في محاولة للفت الانتباه إلى أزمتهم المستمرة.

 

 

احتجاجات امتدت من عدة محافظات


وشارك في التحرك موظفون وموظفات قدموا من محافظات مختلفة، بينها الفيوم وبني سويف والمنيا والبحيرة وكفر الشيخ، إلى جانب العاملين من محافظة الجيزة، حيث تجمعوا أمام مقر وزارة الزراعة قبل التحرك في مسيرة باتجاه الإدارة المركزية لفحص واعتماد التقاوي.

 

وأكد المحتجون أن تحركهم جاء بعد سنوات طويلة من تقديم الشكاوى والمطالبات دون الوصول إلى حل نهائي، مشيرين إلى استمرار ما وصفوه بتبادل المسؤولية بين الجهات الحكومية المختلفة بشأن تنفيذ الأحكام وصرف المستحقات.

 

وأوضح عدد من المشاركين أن تنظيم المسيرة لم يكن مخططًا له في البداية، إذ كان الهدف تنظيم وقفة احتجاجية أمام الوزارة، إلا أن وجود قوات أمن في محيط المكان ومحاولات إنهاء الوقفة دفعهم إلى التحرك في مسيرة باتجاه مقر الإدارة المركزية للتقاوي.

 

 

 

 

 

أزمة جذورها تمتد لأكثر من 30 عامًا


ولا ترتبط الأزمة فقط بتوقف الرواتب خلال السنوات الخمس الماضية، بل تمتد جذورها إلى عقود طويلة، حيث يقول العاملون إن عددًا كبيرًا منهم عمل بعقود مؤقتة داخل قطاعات مختلفة تابعة لوزارة الزراعة لمدة تقارب ثلاثة عقود.

 

وشملت هذه القطاعات إدارات التغذية المدرسية، وفحص واعتماد التقاوي، والميكنة الزراعية، والتشجير، وغيرها من المشروعات والإدارات التابعة للوزارة.

 

ويؤكد العاملون أنهم كانوا يؤدون أعمالًا فعلية ومستقرة داخل مؤسسات الدولة رغم استمرار أوضاعهم التعاقدية، قبل أن يحصل بعضهم على أحكام قضائية تقضي بتثبيت أوضاعهم الوظيفية وصرف مستحقاتهم المالية المتأخرة.

 

 

أحكام قضائية تنتظر التنفيذ


وقال المحتجون إن عددًا كبيرًا منهم حصل خلال عامي 2021 و2022 على أحكام قضائية نهائية تقضي بتعيينهم وصرف رواتبهم وجميع مستحقاتهم المالية بأثر رجعي، إلا أن هذه الأحكام لم تدخل حيز التنفيذ حتى الآن.

 

وأضافوا أن الجهات المعنية، ومنها وزارات الزراعة والمالية والجهاز المركزي للتنظيم والإدارة، تبادلت المسؤولية عن ملف التنفيذ خلال السنوات الماضية، بينما بقي العاملون في انتظار إجراءات عملية تنهي الأزمة.

 

ومن بين الشهادات التي تعكس حجم المعاناة، تحدثت إحدى الموظفات القادمة من محافظة المنيا عن عملها داخل قسم فحص واعتماد التقاوي منذ عام 1996، مؤكدة أن آخر راتب حصلت عليه قبل توقف الصرف لم يتجاوز 90 جنيهًا شهريًا.

 

وأوضحت أنها توجهت خلال الاحتجاج إلى مسؤولي الإدارة للاستفسار عن أسباب عدم تنفيذ الحكم القضائي الصادر لصالحها، والذي يقضي بصرف راتبها بكامل مستحقاته اعتبارًا من تاريخ استلامها العمل، إضافة إلى الآثار المالية المترتبة على ذلك.

 

وبحسب روايتها، أبلغها المسؤولون بأن لجنة مشتركة بين وزارتي الزراعة والمالية من المقرر أن تبحث الملف خلال الفترة المقبلة، وهو ما اعتبره المحتجون استمرارًا للتأجيل دون حلول ملموسة.

 

 

توتر خلال الاحتجاجات واحتجاز أحد السائقين


وخلال التحركات الاحتجاجية، قالت مشاركات إن قوات الشرطة أحاطت بمكان تجمع العاملين منذ الساعات الأولى، كما تحدثن عن احتجاز سائق الحافلة التي أقلت موظفات من محافظة المنيا إلى القاهرة.

 

وأضافت المشاركات أنهن حاولن العودة إلى مقر وزارة الزراعة عقب انتهاء المسيرة، إلا أن قوات الأمن، بمشاركة عناصر من الشرطة النسائية، حالت دون ذلك، قبل إجراء مفاوضات انتهت بالسماح لهن بمغادرة المكان، والإفراج عن السائق وفقًا لروايتهن.

 

 

مطالب حقوقية بوقف الملاحقات والإفراج عن المحتجزين


من جانبها، اعتبرت منظمة عدالة لحقوق الإنسان أن التعامل الأمني مع الاحتجاجات العمالية يمثل تصعيدًا خطيرًا، مؤكدة أن المطالب المتعلقة بالأجور وتنفيذ الأحكام القضائية تدخل ضمن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية الأساسية.

 

وقالت المنظمة إن احتجاز العاملين بسبب مطالبتهم بمستحقاتهم المالية يقوض الحق في الأجر وحرية التعبير والاحتجاج السلمي، مطالبة بالإفراج الفوري عن جميع المحتجزين على خلفية هذه الاحتجاجات، ووقف أي ملاحقات مرتبطة بالمطالب العمالية.

 

كما دعت إلى فتح حوار جاد بين الجهات الحكومية وممثلي العاملين، بهدف تنفيذ الأحكام القضائية وصرف المستحقات المتأخرة، وإنهاء حالة عدم الاستقرار التي يعيشها آلاف الموظفين.

 

 

تحركات متكررة دون انفراجة


وتعد هذه الاحتجاجات امتدادًا لتحركات سابقة نظمها العاملون خلال الفترة الماضية، حيث شهد يوم 23 يونيو الماضي وقفة احتجاجية للمطالبة بالمطالب نفسها، وقال مشاركون حينها إنهم أنهوا تحركهم بعد تلقي وعود بعرض الأزمة على المسؤولين، إلا أن الوضع ظل دون تغيير ملموس، بحسب تأكيداتهم.

 

 

أزمة تشمل آلاف العاملين تصل للبرلمان


وحظيت أزمة العاملين بوزارة الزراعة بمتابعة داخل مجلس النواب، حيث سبق أن تقدم نواب بطلبات إحاطة لرئيس مجلس الوزراء ووزيري الزراعة والمالية ورئيس الجهاز المركزي للتنظيم والإدارة، للمطالبة بسرعة إنهاء الأزمة وتنفيذ الأحكام القضائية.

 

وقال النائب إيهاب منصور، وكيل لجنة القوى العاملة بمجلس النواب ورئيس الكتلة البرلمانية للحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي، في تصريحات سابقة، إن عدد المتضررين من الأزمة يقترب من 35 ألف موظف وموظفة يعملون بعقود داخل قطاعات ومشروعات مختلفة تابعة لوزارة الزراعة.

 

كما تقدم النائب أحمد السنجيدي بطلب إحاطة بشأن ما وصفه بوجود "ظلم إداري" تعرض له العاملون، مطالبًا بتحديد الجهة المسؤولة عن تعطيل تنفيذ الأحكام القضائية ووضع جدول زمني واضح لصرف المستحقات المالية المتأخرة.