أعلن الحوثيون في اليمن، يوم الثلاثاء، استهداف مطار أبها الدولي جنوبي السعودية بعدد من الصواريخ البالستية والطائرات المسيرة، رداً على قصف مدرج مطار صنعاء، في تصعيد هدد هدنة 2022 ورفع مخاطر المواجهة الإقليمية.
سياسياً وإنسانياً، يكشف التصعيد كيف تدفع صراعات القوى الإقليمية والدولية اليمنيين والخليجيين نحو جولة جديدة من الخوف والدمار، بينما تبقى المطارات والمدنيون رهائن لحسابات عسكرية تتجاهل كلفة الحرب على الشعوب.
مطاران تحت الصواريخ
بدأت الأزمة عندما اتهم الحوثيون السعودية باستهداف مدرج مطار صنعاء لمنع طائرة إيرانية من الهبوط، بينما أعلنت الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً مسؤوليتها عن الضربة، مؤكدة أنها جاءت لمنع انتهاك الطيران الإيراني للأراضي اليمنية.
وبحسب الرواية الحكومية، حاولت السلطات إقناع الوفد الحوثي باستخدام طائرات تابعة للخطوط اليمنية، لكن المحاولة فشلت، قبل أن يجري استهداف المدرج في خطوة أعادت مطار صنعاء إلى قلب الصراع السياسي والعسكري.
في المقابل، قالت قناة المسيرة إن الطائرة الإيرانية تمكنت لاحقاً من الهبوط وعلى متنها مرضى وعالقون ووفد شارك في تشييع المرشد الإيراني علي خامنئي، من دون إعلان المكان الذي استقبل الطائرة.
ومن جهته، وصف المتحدث العسكري باسم الحوثيين يحيى سريع العملية بأنها رد على ما سماه العدوان السعودي، مؤكداً استخدام صواريخ بالستية متعددة وطائرات مسيرة لاستهداف مطار أبها الدولي في 13 يوليو.
علاوة على ذلك، حذر سريع شركات الطيران من تسيير رحلات عبر المجال الجوي السعودي حتى رفع الحصار عن مطار صنعاء، في تهديد يوسع دائرة المواجهة من المنشآت العسكرية إلى حركة الطيران المدني.
أما التحالف الذي تقوده السعودية، فأعلن أن دفاعاته الجوية تعاملت مع تهديد بصواريخ بالستية أطلقت باتجاه المنطقة الجنوبية، من دون تقديم معلومات تفصيلية عن أضرار بشرية أو مادية نتجت عن الهجوم.
وبذلك، دخلت المواجهة مرحلة أشد خطورة منذ سنوات، بعدما انتقلت من تبادل الاتهامات إلى ضرب مطارات مدنية وتحذير شركات الطيران، بما يضع سلامة المسافرين والمقيمين أمام مخاطر مباشرة ومتزايدة يومياً.
إلى جانب ذلك، أدان رئيس البرلمان العربي محمد بن أحمد اليماحي استهداف المنطقة الجنوبية في السعودية، واعتبر الهجوم انتهاكاً للقانون الدولي وتصعيداً يهدد أمن المنطقة ويقوض فرص التسوية السياسية في اليمن.
كما أعلن البرلمان العربي تضامنه الكامل مع السعودية في إجراءات حماية أمنها، مشيداً بقدرات قواتها الدفاعية، ومطالباً المجتمع الدولي بموقف حازم يوقف الاعتداءات ويحاسب المسؤولين عنها وفق القوانين الدولية النافذة.
المضيقان في دائرة التهديد
غير أن بيانات الإدانة العربية تجاهلت في الوقت نفسه جوهر الأزمة اليمنية الممتدة، حيث تستمر معاناة السكان بسبب الحصار والانقسام وتعدد مراكز القوة، بينما تتحول المطارات والموانئ إلى أدوات ضغط متبادلة.
وفي سياق الرد، اتهم القيادي الحوثي محمد الفرح الولايات المتحدة بالضغط على السعودية لتوسيع عملياتها العسكرية ضد اليمن، محذراً من أن استمرار الهجمات سيدفع الجماعة إلى توسيع نطاق عملياتها داخل الأراضي السعودية.
ولزيادة الضغط، لوح الفرح بإمكانية تنسيق إغلاق مضيقي باب المندب وهرمز ضمن ما سماه تحالفاً عسكرياً، متوقعاً أن يؤدي ذلك إلى رفع أسعار النفط العالمية إلى 200 دولار للبرميل الواحد.
ومن ثم، لم يعد التصعيد محصوراً بين صنعاء والرياض، بل بات يهدد أهم ممرات الطاقة والتجارة العالمية، ويمنح أي مواجهة مقبلة قدرة على إرباك أسواق النفط وسلاسل الإمداد بين آسيا وأوروبا وأفريقيا.
وفي الإطار نفسه، حمل محمد علي الحوثي الولايات المتحدة والسعودية المسؤولية الكاملة عن الغارات الجديدة على اليمن، بما فيها ضربة مطار صنعاء، معتبراً أنها تمثل انتهاكاً للقانون الدولي الإنساني والسيادة اليمنية.
بناءً على ذلك، تبدو المعركة جزءاً من شبكة صراعات أوسع ترتبط بالمواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، حيث تتهم طهران دولاً خليجية بالسماح باستخدام أراضيها وقواعدها في الهجمات الموجهة ضدها عسكرياً.
ومن الجانب الإيراني، أدانت طهران استهداف مطار صنعاء، واعتبر متحدث خارجيتها الهجوم انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، واعتداء على سيادة اليمن ووحدة أراضيه، وفق الرواية الواردة في البيانات الرسمية.
ومع تصاعد المواقف، يصبح مطار صنعاء رمزاً لمعركة الشرعية والسيطرة أكثر من كونه مجرد مرفق مدني، إذ تستخدمه الأطراف لإثبات النفوذ وفرض شروط الحركة الجوية وربطها بموازين الحرب الإقليمية المتغيرة.
لكن الأخطر أن المطارات المدنية تحولت إلى ساحات رسائل عسكرية، وهو ما يهدد المرضى والعالقين والمسافرين، ويكشف أن حماية المدنيين ما زالت أقل أولوية من استعراض القوة وتثبيت النفوذ الإقليمي.
هدنة على حافة الانهيار
وبالتوازي، يثير استهداف مطار أبها مخاوف من انهيار التهدئة التي بدأت في 2022 وصمدت إلى حد كبير، بعدما أعادت الضربات المتبادلة لغة الصواريخ والمسيرات إلى واجهة الصراع اليمني السعودي مجدداً.
وعلى هذا الأساس، قد يدفع أي رد سعودي واسع الحوثيين إلى تنفيذ ضربات أعمق داخل المملكة، وفق تهديداتهم، ما يفتح الباب أمام سلسلة ردود متبادلة يصعب احتواؤها أو ضبط حدودها السياسية والعسكرية.
كذلك يمثل باب المندب ممراً حيوياً يربط البحر الأحمر بخليج عدن ويقود إلى قناة السويس، بينما يشكل هرمز شرياناً رئيسياً للطاقة، وأي اضطراب فيهما ينعكس سريعاً على التجارة الدولية وأسواقها.
ومن ناحية أخرى، فإن تهديد إغلاق المضيقين لا يضغط على السعودية وحدها، بل يطال مصر ودول الخليج وآسيا وأوروبا، ويجعل الملاحة العالمية رهينة قرار عسكري قد يضاعف أسعار النقل والتأمين.
لذلك، تبرز مخاوف من أن تتحول الحرب بين واشنطن وطهران إلى مظلة لتصفية حسابات قديمة في اليمن، مع استخدام الحوثيين والسعودية ساحات ومطارات وممرات بحرية ضمن صراع يتجاوز حدودهما الوطنية.
وفي المحصلة، تكشف الأحداث أن هدنة 2022 لم تتحول إلى سلام حقيقي، بل ظلت استراحة هشة قابلة للانهيار عند أول صدام إقليمي، من دون معالجة جذور الحرب أو ضمان حياة اليمنيين.
وأخيراً، يضع التصعيد المنطقة أمام خيارين واضحين، إما العودة إلى تفاهمات توقف استهداف المطارات والممرات المدنية، أو الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة تدفع الشعوب ثمنها بينما تتصارع القوى على النفوذ والهيمنة.

