كشف نقيب المهندسين محمد عبد الغني عن معدلات وصفها بالمقلقة للبطالة بين المهندسين، بلغت وفق تقديراته 20% في الحضر و30% في الدلتا و45% في صعيد مصر، بالتزامن مع تطبيق التكليف وفق الاحتياج على خريجي الصيدلة وطب الأسنان والعلاج الطبيعي، وترك أعداد متزايدة من أصحاب الشهادات الجامعية أمام سوق عمل عاجزة عن استيعابهم ومستويات فقر وضغط معيشي متصاعدة.
ولا تبدو الأزمة مجرد اختلال مؤقت بين عدد الخريجين والوظائف، بل نتيجة مباشرة لسياسات توسعت في إنشاء الكليات وزيادة أعداد المقبولين دون خريطة واضحة لاحتياجات سوق العمل، ثم تراجعت عن ضمانات التوظيف بعد تحميل الأسر كلفة تعليم أبنائها لسنوات، ليكتشف الخريج أن شهادة القمة لم تعد تحميه من البطالة أو الفقر أو الاضطراب النفسي.
الهندسة بلا سوق
طالب نقيب المهندسين بتنظيم مزاولة المهنة، وتقليل أعداد المقبولين في كليات الهندسة، وتحسين الأوضاع المهنية والمعيشية للمهندسين، محذراً من أن البطالة لم تعد حالات فردية، وإنما تحولت إلى ظاهرة تتفاوت حدتها جغرافياً، وتصل إلى أعلى مستوياتها في محافظات الصعيد، حيث تقل المشروعات وفرص التدريب والعمل المنظم. وتظل هذه الأرقام تقديرات نقابية وليست نتائج مسح تفصيلي معلن من الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء حسب المهنة.
ويكشف ارتفاع البطالة بين المهندسين عن مفارقة دولة تواصل تخريج آلاف المتخصصين سنوياً، بينما لا ينمو الاقتصاد الحقيقي بالسرعة التي تسمح بخلق وظائف هندسية مستقرة. ويضطر بعض الخريجين إلى العمل في مهن لا ترتبط بتخصصاتهم، أو قبول أجور متدنية، أو تحمل فترات طويلة من التعطل، بما يهدر سنوات الدراسة والموارد التي أنفقتها الأسر والجامعات.
وتزداد قسوة المشكلة في الصعيد، حيث لا تعني البطالة فقدان الدخل فقط، بل قد تدفع الخريج إلى الهجرة الداخلية أو الخارجية، وتؤخر الزواج والاستقلال المادي، وتزيد الاعتماد على الأسرة. وحين يصل تقدير البطالة النقابي إلى 45%، تصبح الأزمة دليلاً على غياب العدالة الإقليمية في توزيع الاستثمارات والمصانع والمكاتب الاستشارية وفرص التدريب.
ولا يمكن حل المشكلة بمنع الخريجين من القيد النقابي وحده، وإنما بوضع قاعدة بيانات معلنة تحدد عدد الطلاب والخريجين والعاملين والمتعطلين في كل تخصص، وربط القبول الجامعي بالمشروعات المتوقعة، وتشديد الرقابة على جودة التعليم الهندسي، ومنع تحول بعض الكليات إلى خطوط إنتاج لشهادات لا يقابلها تدريب حقيقي أو طلب مهني.
التكليف يتراجع
في المهن الطبية، لم تعد الصيدلة وطب الأسنان والعلاج الطبيعي توفر الوظيفة الحكومية شبه المضمونة التي دفعت آلاف الأسر إلى توجيه أبنائها نحوها. وأكد متحدث وزارة الصحة في يونيو 2026 أن التكليف سيشمل 60% من خريجي التخصصات الثلاثة وفق قرار اللجنة العليا، بما يعني بقاء نحو 40% خارج الوظيفة الحكومية، مع تأكيد الوزارة أن عدم التكليف لا يعني بالضرورة عدم العمل في القطاع الخاص.
وهنا يجب التفريق بين نسبة غير المكلفين ونسبة البطالة، إذ لا توجد إحصاءات رسمية حديثة منشورة تحدد معدل البطالة المستقل بين الصيادلة أو أطباء الأسنان أو اختصاصيي العلاج الطبيعي. لذلك لا يصح اعتبار نسبة 40% بطالة تلقائياً، لكنها تكشف حجم الخريجين الذين فقدوا المسار الحكومي، وأصبحوا مطالبين بالبحث عن فرص داخل أسواق تصفها نقاباتهم بأنها شديدة التشبع.
وخلال مناقشات مجلس الشيوخ، طُرحت أرقام تقريبية تتحدث عن وجود نحو 20 ألف خريج صيدلة مقابل احتياج قد لا يتجاوز 3 آلاف، ونحو 27 ألف خريج أسنان مقابل طلب تكليف يقدر بنحو 4.5 آلاف، وهي أرقام قدمها أحد النواب لتوضيح الفجوة وليست إحصاءً نهائياً للبطالة.
وفي طب الأسنان، تشير تقديرات نقابية إلى وصول عدد الكليات إلى 88 كلية، وتخريج نحو 12 ألف طبيب سنوياً، مع وجود نحو 12 ألف خريج بلا تكليف وانتظار بعض الدفعات سنوات لتحديد مصيرها. كما ارتفع عدد أطباء الأسنان إلى 109308 أطباء في 2025، وسط توقعات بوصولهم إلى 201811 بحلول 2030، بما يعادل طبيباً لكل 600 مواطن مقابل معيار متداول يبلغ طبيباً لكل 2000.
أما العلاج الطبيعي، فتحدثت النقابة عن وصول عدد الكليات إلى 86 كلية، بما قد ينتج نحو 32 ألف خريج سنوياً، وتوقعت ارتفاع العدد الموجود في سوق العمل إلى 215 ألفاً بحلول 2030. وحذرت من تشبع السوق وتقلص فرص السفر، مطالبة بوقف إنشاء كليات جديدة وتقليل القبول وإغلاق المؤسسات التي لا تستوفي المعايير.
وفي الصيدلة، تحذر النقابة من أن أعداد الصيادلة تجاوزت المعدلات العالمية بعدة أضعاف، بينما تتراجع قدرة الصيدليات والمصانع والجهات الحكومية على استيعاب الخريجين. وتدفع هذه الفجوة بعض الصيادلة لقبول أجور ضعيفة أو العمل لساعات طويلة، فيما يفكر آخرون في تغيير مجالهم بالكامل بعد سنوات من الدراسة والتدريب والإنفاق الأسري المرتفع.
الفقر يطارد الخريجين
تتزامن أزمة الخريجين مع بيئة اقتصادية ضاغطة، إذ يقدر البنك الدولي معدل الفقر القومي في مصر بنحو 33.5% خلال 2021 و2022، كما يشير إلى ارتفاع الفقر المقاس بخط الدول متوسطة الدخل الدنيا بنحو 5 نقاط مئوية بين 2022 و2024. ويؤكد أن معدلات التشغيل والمشاركة في سوق العمل ما زالت أقل من متوسطاتها التاريخية.
وتعني هذه الأرقام أن الخريج العاطل لا يبدأ حياته من نقطة محايدة، بل غالباً من أسرة استنزفت مدخراتها في الرسوم الجامعية والدروس والسكن والمواصلات. وعندما تتراجع فرص التوظيف، تتحول الشهادة من وسيلة للصعود الاجتماعي إلى مصدر إحباط، ويصبح الخريج عبئاً مالياً على أسرته بدلاً من أن يكون سنداً لها.
كما أدى ارتفاع الأسعار وتآكل القوة الشرائية إلى تضييق قدرة الشباب على تحمل فترات البحث الطويلة عن وظيفة. ورغم انخفاض التضخم من ذروة بلغت 38% في أواخر 2023 إلى 13.4% في فبراير 2026، فإن أثر موجات الغلاء السابقة ظل متراكماً في تكاليف الغذاء والسكن والنقل وبدء المشروعات المهنية.
وتكشف الأزمة فشلاً في التنسيق بين التعليم والتشغيل، إذ تسمح الدولة بفتح كليات جديدة وتحصيل رسوم مرتفعة، ثم تعلن بعد تخرج الطلاب أن الاحتياج الحكومي محدود. والمطلوب ليس إعادة التكليف الشامل دون دراسة، وإنما وقف التضخم غير المنضبط في أعداد الطلاب، وإعلان الاحتياجات الحقيقية قبل التحاقهم بالكليات، وتطوير فرص العمل والتدريب والتمويل المهني.
الانتحار والأرقام الغائبة
لا تتوافر في مصر سلسلة رسمية مكتملة وموحدة تسمح بحساب عدد المنتحرين خلال السنوات العشر الأخيرة من 2016 إلى 2025 بصورة علمية. وتوضح منظمة الصحة العالمية أن بيانات تسجيل الوفيات في مصر تعاني انخفاضاً في الاكتمال ومشكلات شديدة في تحديد أسباب الوفاة، محذرة من استخدام التقديرات المتعلقة بكل سبب منفرد دون حذر. لذلك فإن تقديم مجموع نهائي لعشر سنوات سيكون رقماً مضللاً لا يستند إلى قاعدة متجانسة.
وتوفر التقارير المنشورة نقاطاً متفرقة فقط، منها تقدير بأكثر من 3700 حالة خلال 2019، ورقم آخر بلغ 2584 حالة في 2021 نقلاً عن بيانات عرضها المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية. وفي المقابل، قدمت جهات حكومية أرقاماً أقل كثيراً في سنوات سابقة، ما يكشف اختلافاً واسعاً في منهجيات الرصد والتسجيل والتقدير.
ولا يجوز اختزال الانتحار في البطالة وحدها أو القول إن كل متعطل معرض حتماً لإنهاء حياته. فالمنظمة الدولية للصحة تعد المشكلات المالية والفقد والوحدة والمرض والنزاعات والعنف من عوامل الخطر، إلى جانب الاضطرابات النفسية ومحاولات الانتحار السابقة. كما تعتبر البطالة وانعدام الأمن الوظيفي والمالي وفقدان العمل عوامل معروفة لزيادة مخاطر المحاولات الانتحارية.
لكن اجتماع البطالة مع الفقر والديون وفقدان المكانة الاجتماعية وغياب الدعم النفسي قد يصنع دائرة خطرة من الإحباط والعزلة والشعور بالعجز. وقد أكد متخصصون مصريون أن الضغوط الاقتصادية تدخل ضمن دوافع الانتحار، لكنها تتفاعل مع الهشاشة النفسية وغياب الدعم الأسري والاجتماعي، وأن القرار غالباً ما يسبقه تراكم طويل من اليأس والأزمات، لا سبب منفرد أو لحظة عابرة.
وتبدأ المواجهة الحقيقية بإعلان بيانات سنوية شفافة عن البطالة المهنية والانتحار والصحة النفسية، وربط الجامعات باحتياجات السوق، وتوفير دعم نفسي سري ومتاح للشباب، وتنظيم القبول بالكليات، وحماية الخريجين من الاستغلال والأجور المهينة. فالمشكلة ليست أن مصر تملك أعداداً كبيرة من المتعلمين، بل أن سياساتها تنتج الشهادات دون أن تبني اقتصاداً قادراً على احترام أصحابها وتشغيلهم.

