تشهد الساحة السودانية تصعيدًا متسارعًا على المستويين العسكري والإنساني، مع استمرار الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع الإرهابية المدعومة من الإمارات، للعام الرابع على التوالي، في وقت تتوسع فيه الهجمات لتطال منشآت حيوية وبنى تحتية مدنية، وسط تحذيرات أممية ودولية من احتمال وقوع جرائم جديدة، وتفاقم غير مسبوق في أوضاع المدنيين الذين يدفعون الثمن الأكبر للصراع.
وفي أحدث تطورات الميدان، أعلنت السلطات السودانية تعرض محطة الكهرباء التحويلية بمدينة الدبة في الولاية الشمالية لهجوم بطائرة مسيرة، حملت قوات الدعم السريع مسؤوليته، بينما حذرت المحكمة الجنائية الدولية من أن مدينة الأُبيّض قد تكون على أعتاب تكرار الفظائع التي شهدها إقليم دارفور، في وقت تتواصل فيه المعارك في دارفور وكردفان وتتزايد موجات النزوح والانهيار الإنساني.
استهداف محطة كهرباء الدبة
أعلنت لجنة أمن مدينة الدبة أن محطة الكهرباء التحويلية تعرضت لهجوم بطائرة مسيرة، قالت إن قوات الدعم السريع نفذته، ما أدى إلى اندلاع حريق داخل المحطة وإصابة أحد أفراد الحراسة بجروح طفيفة، جرى نقله إلى المستشفى لتلقي العلاج.
وأكدت اللجنة، في بيان، أن استهداف المحطة يمثل "استهدافًا ممنهجًا للأعيان المدنية وخدمات المواطنين"، معتبرة أن الهجوم يأتي ضمن سلسلة عمليات تستهدف البنية التحتية والخدمات الأساسية التي يعتمد عليها السكان في حياتهم اليومية.
وشدد البيان على أن مثل هذه الهجمات "لن تثني" القوات النظامية عن مواصلة القتال، مؤكدًا استمرار العمليات العسكرية حتى استعادة الأمن والاستقرار.
وتداول ناشطون عبر مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع مصورة أظهرت تصاعد ألسنة اللهب والدخان من المحطة عقب الهجوم، فيما أفادت وسائل إعلام محلية بأن الطائرة المسيّرة استهدفت أيضًا مواقع عسكرية داخل المدينة، وهو ما تسبب في انقطاع التيار الكهربائي عن الدبة.
وتتهم الحكومة السودانية ومنظمات حقوقية قوات الدعم السريع باستهداف المنشآت المدنية خلال الحرب، بينما لا تصدر الأخيرة عادة تعليقات مباشرة على هذه الاتهامات، وتؤكد في بياناتها أنها تعمل على "حماية المدنيين".
اشتباكات دامية داخل مدينة الدبة
بالتزامن مع الهجوم على محطة الكهرباء، شهدت مدينة الدبة اشتباكات مسلحة داخل السوق الرئيسي، أسفرت عن مقتل ثمانية أشخاص وإصابة ستة عشر آخرين، بينهم امرأة.
وقالت شبكة أطباء السودان إن الاشتباكات اندلعت بين مكونات محلية، محذرة من تنامي ظاهرة انتشار السلاح والانفلات الأمني، فيما نقلت وسائل إعلام محلية عن لجنة أمن المدينة أن المواجهات دارت بين مجموعات متهمة بالاتجار بالمخدرات.
ودعت الشبكة الطبية السلطات إلى فتح تحقيق عاجل، ومحاسبة المسؤولين، وتعزيز الوجود الأمني لحماية المدنيين، مع توفير الرعاية الطبية والدعم الإنساني للمصابين وأسر الضحايا.
الجنائية الدولية تحذر: أخطر الجرائم قد تقع في الأُبيّض
على الصعيد الدولي، أطلقت المحكمة الجنائية الدولية تحذيرًا شديد اللهجة بشأن تطورات الأوضاع في مدينة الأُبيّض بولاية شمال كردفان.
وقالت نائبة المدعي العام للمحكمة، نزهت شميم خان، خلال إحاطة أمام مجلس الأمن، إن أخطر الجرائم الدولية قد تكون على وشك الوقوع في المدينة، مؤكدة أن مكتب الادعاء يتفق مع تقييم مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان بشأن خطورة الوضع.
وأضافت: "لا يمكننا أن نقول إننا لم نكن نعلم"، داعية مجلس الأمن والدول الأعضاء إلى التحرك العاجل لمنع وقوع مزيد من الفظائع.
وأوضحت أنها زارت مؤخرًا مخيمات اللاجئين في شرق تشاد، حيث استمعت إلى شهادات مروعة لنازحين من دارفور تحدثوا عن عمليات قتل واغتصاب وتهجير قسري وانتهاكات واسعة بحق المدنيين.
وأكدت أن شهادات اللاجئين تعكس النمط نفسه من الجرائم التي دفعت مجلس الأمن إلى إحالة ملف دارفور إلى المحكمة الجنائية الدولية عام 2005، محذرة من أن السكان يخشون أن "الأسوأ لم يأت بعد".
كما كشفت عن تقدم وصفته بالملموس في التحقيقات الخاصة بجرائم الفاشر عام 2025، إضافة إلى الجرائم التاريخية التي تعود إلى أكثر من عقدين، مؤكدة أن مكتب الادعاء نجح في جمع شهادات وأدلة تربط بصورة مباشرة بين الجرائم ومرتكبيها.
الأُبيّض بين الحرب والعطش
ولا تقتصر معاناة مدينة الأُبيّض على التهديدات الأمنية، إذ يعيش سكانها أزمة مياه خانقة بعد تعرض مصادر الإمداد للتدمير أو السيطرة خلال المعارك.
وأصبحت رحلة البحث عن المياه جزءًا من الحياة اليومية للسكان، بينما ارتفعت أسعار المياه إلى مستويات غير مسبوقة، حيث بلغ سعر برميل المياه العذبة نحو 25 ألف جنيه سوداني، في حين تتراوح أسعار المياه المالحة بين 12 و15 ألف جنيه.
ويصطف الأهالي لساعات طويلة في طوابير للحصول على كميات محدودة من المياه، بينما يعتمد كثير منهم على صهاريج المياه التي تصل بتكاليف مرتفعة.
وأعلنت مفوضية العون الإنساني تنفيذ خطة طوارئ لتوزيع نحو 650 صهريجًا من المياه الصالحة للشرب، إلا أن السلطات تؤكد أن المدينة لا تزال تعاني عجزًا يصل إلى 70% من احتياجاتها المائية.
كما أشار مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية إلى أن الهجمات بالطائرات المسيّرة أدت إلى تراجع إمدادات المياه لتغطي نحو 20% فقط من احتياجات سكان المدينة.
نزوح جديد من غرب دارفور
وفي غرب دارفور، أعلنت المنظمة الدولية للهجرة نزوح 595 شخصًا من مدينة كلبس وعدد من القرى المجاورة خلال الفترة بين 10 و13 يوليو، نتيجة تدهور الأوضاع الأمنية.
وأوضحت المنظمة أن النازحين توجهوا إلى مناطق أخرى داخل السودان، فيما عبر عدد منهم الحدود إلى تشاد، مؤكدة أن الوضع الأمني لا يزال "متوترًا ومتقلبًا للغاية".
وكانت لجان مقاومة الفاشر قد اتهمت قوات الدعم السريع بارتكاب عمليات قتل وترهيب وانتهاكات بحق المدنيين في المدينة، بعد سيطرتها عليها عقب مواجهات مع الجيش والقوة المشتركة للحركات المسلحة.
معارك متواصلة في دارفور
ميدانيًا، أعلنت القوة المشتركة للحركات المسلحة المتحالفة مع الجيش السوداني استعادة السيطرة على منطقة خزان أورشي بولاية شمال دارفور، بعد هجوم قالت إنه أسفر عن طرد قوات الدعم السريع من المنطقة.
وتحظى المنطقة بأهمية استراتيجية وإنسانية، لكونها مصدرًا رئيسيًا للمياه في محلية أمبرو، فضلًا عن وقوعها في نطاق القتال، ما يجعل السيطرة عليها مؤثرة في حركة المدنيين ووصول المساعدات الإنسانية.
لماذا تبدو الحرب بلا نهاية؟
وفي ظل هذه التطورات، تتزايد التحليلات التي تشير إلى أن الصراع السوداني تجاوز كونه حربًا داخلية، وأصبح ساحة لتشابك المصالح الإقليمية والدولية.
ورأى تقرير نشره موقع "أفريكا ريفيزتا" أن الحرب دخلت مرحلة أكثر تعقيدًا، في ظل عجز الجيش السوداني وقوات الدعم السريع عن تحقيق حسم عسكري، بينما تؤدي التحالفات المتغيرة والتدخلات الخارجية واقتصاد الحرب، خاصة تجارة الذهب، إلى إطالة أمد القتال.
وأشار التقرير إلى أن السودان بات منقسمًا فعليًا إلى مناطق نفوذ بين الجيش وقوات الدعم السريع، مع استمرار تبدل خطوط السيطرة بصورة متكررة، الأمر الذي يجعل أي تسوية سياسية أكثر صعوبة.
كما لفت إلى أن الصراع لم يعد يقتصر على المواجهة العسكرية، بل أصبح حربًا متعددة الأطراف، تشارك فيها ميليشيات محلية وتحالفات قبلية وقوى إقليمية ودولية، تتداخل مصالحها في الذهب والموارد الطبيعية والموقع الجغرافي الإستراتيجي للسودان.
وأوضح التقرير أن الدعم الخارجي للطرفين، إلى جانب استمرار تدفق الموارد الاقتصادية، يقلص فرص الوصول إلى تسوية سياسية، بينما يدفع المدنيون الثمن الأكبر وسط المجاعة والنزوح والانهيار الكامل للخدمات الأساسية.

