حذرت دراسة صادرة عن مركز العدل لدراسات السياسات العامة من اختناق إنتاج الغاز المحلي في مصر حتى 2030 بعد تراجع حقل ظُهر وارتفاع تكلفة الإمدادات من 4 دولارات إلى نحو 10 دولارات للمليون وحدة حرارية.

 

وتكشف الدراسة كيف بددت السلطة سريعا خطاب الاكتفاء الذاتي وحولت اكتشافا استثنائيا إلى اعتماد مكلف على الواردات بينما تتحمل الصناعة والموازنة والمواطنون فاتورة إدارة لم تبن احتياطيات كافية ولم تستبق التراجع الطبيعي للحقول.

 

نزيف الحقول المحلية

 

وبحسب الدراسة بلغ إنتاج الغاز المصري ذروته خلال 2022 عند نحو 6.9 مليار قدم مكعب يوميا مدفوعا بطفرة حقل ظُهر التي أتاحت تصدير فوائض كبيرة ورسخت انطباعا رسميا باستدامة الاكتفاء الذاتي.

 

غير أن هذا الانطباع لم يصمد طويلا بعدما تراجع إنتاج حقل ظُهر بنحو 30% بين عامي 2021 و2024 دون ظهور اكتشافات كبرى قادرة على تعويض الانخفاض الطبيعي أو تلبية الطلب المحلي المتصاعد.

 

وبالتالي هبط إجمالي الإنتاج المصري من نحو 6 مليارات قدم مكعب يوميا خلال 2022 إلى أقل من 4 مليارات خلال 2025 لتتحول البلاد من مصدر للغاز إلى مستورد صاف يعتمد على الخارج.

 

كما أن تراجع ظُهر لم يكن مفاجأة جيولوجية كاملة لأن حقول الغاز تشهد انخفاضا طبيعيا في الإنتاج لكن الأزمة تمثلت في غياب استثمارات واكتشافات بديلة تحافظ على مستويات الإمدادات قبل اتساع الفجوة.

 

ومن جهة أخرى تضاعف الطلب المحلي تحت ضغط محطات الكهرباء والمصانع والنمو السكاني بينما ظلت خطط زيادة الإنتاج أبطأ من الاستهلاك بما أدى إلى استنزاف الفوائض وإيقاف صادرات الغاز المسال تدريجيا.

 

علاوة على ذلك تراجعت جدوى خطاب تحويل مصر إلى مركز إقليمي للطاقة بعدما أصبحت محطتا الإسالة والبنية التحتية تعتمدان بدرجة متزايدة على الغاز المستورد بدلا من الفائض الناتج عن الحقول المصرية.

 

وفي المقابل ارتفع متوسط تكلفة الإمدادات من نحو 4.17 دولارات للمليون وحدة حرارية خلال 2022 إلى قرابة 10.17 دولارات في ذروة 2026 نتيجة مزج الإنتاج المحلي الرخيص بالغاز المستورد الأعلى تكلفة.

 

ولهذا تنتقل مصر بحسب الدراسة إلى مرحلة الطاقة مرتفعة التكلفة التي تنعكس على أسعار الكهرباء والإنتاج الصناعي والدعم الحكومي وتزيد الضغوط على الموازنة العامة واحتياجات الدولة المتواصلة للعملة الأجنبية.

 

واردات تخنق الإنتاج

 

وبناء على التقديرات الواردة قد يرتفع طلب الغاز خلال ذروة صيفي 2026 و2027 إلى نحو 7.9 مليار قدم مكعب يوميا بينما لا تتجاوز القدرة المتاحة للمنظومة نحو 7.5 مليار من مختلف المصادر.

 

ومن ثم تواجه البلاد فجوة فعلية حتى مع تشغيل الإنتاج المحلي وخطوط الأنابيب ووحدات استقبال الغاز المسال بأقصى طاقتها وهو ما يهدد بانقطاعات الكهرباء وتقليص إمدادات المصانع كثيفة استهلاك الطاقة.

 

كذلك تحذر الدراسة من أن عقود الاستيراد طويلة الأجل قد تتجاوز دورها في سد العجز المؤقت لتصبح عنصرا يزاحم الإنتاج المحلي ويقيد قدرة وزارة البترول على تطوير حقول جديدة مستقبلا.

 

وفوق ذلك تتجه واردات الغاز عبر خطوط الأنابيب إلى مستويات مرتفعة بالتزامن مع خطط لاستقبال كميات من قبرص بما يرفع إجمالي التدفقات الخارجية ويضيق الحيز المتاح داخل الشبكة للإنتاج المصري.

 

وفي السياق ذاته قدرت الدراسة الطاقة القصوى للمنظومة بنحو 9 مليارات قدم مكعب يوميا تشمل 7.5 مليار للاستهلاك المحلي صيفا ونحو 1.5 مليار يمكن توجيهها للإسالة عبر محطتي إدكو ودمياط.

 

نتيجة لذلك فإن وصول الواردات المحتملة إلى قرابة 5.5 مليارات قدم مكعب يوميا يترك نحو 3.5 مليارات فقط للإنتاج المحلي وهو مستوى يقل عن الإنتاج الفعلي المسجل حاليا وفق تقديرات الدراسة.

 

أما الخطورة الأكبر فتتمثل في بنود تعاقدية تلزم الجانب المصري بسداد قيمة كميات محددة سواء احتاج إليها أم لا بما قد يجعل خفض الاستيراد لاحقا مكلفا حتى حال تحسن الإنتاج المحلي.

 

لذلك تطالب الدراسة بمراجعة سيادية عاجلة لتوازن الغاز حتى 2030 لتجنب فجوة تراكمية محتملة تتراوح بين 2 و6 مليارات قدم مكعب يوميا بين التدفقات المتعاقد عليها والطاقة الاستيعابية الفعلية.

 

فضلا عن ذلك قد تضطر الدولة إلى تمرير جزء من تكلفة الغاز المرتفعة إلى الكهرباء والسلع الصناعية أو تحمل الفارق من الموازنة بما يعني أن المواطنين سيدفعون ثمن الأزمة مباشرة أو عبر الديون.

 

الشركاء يغيرون بوصلتهم

 

وفي الوقت نفسه ترصد الدراسة تحولا في توجهات المستثمرين الدوليين الذين باتوا ينظرون إلى إسرائيل وقبرص باعتبارهما مناطق أكثر جاذبية للإنتاج بينما تتحول مصر تدريجيا إلى سوق استهلاك وممر للتسييل والعبور.

 

ومن ناحية أخرى استشهدت الدراسة بشراء شركة سوكار الأذربيجانية حصة نسبتها 10% في حقل تمار الإسرائيلي مقابل نحو 1.25 مليار دولار بما يعكس انتقال رؤوس الأموال نحو حقول شرق المتوسط المنافسة.

 

بالتوازي كشفت تقارير صحفية أن شركة بي بي تدرس بيع بعض أصولها الغازية في مصر ضمن إعادة هيكلة استثماراتها وهو تطور يثير مخاوف من تراجع اهتمام الشركاء بالإنفاق اللازم لتثبيت الإنتاج.

 

غير أن دراسة البيع لا تعني حتى الآن خروجا كاملا أو قرارا نهائيا لكنها تمثل إشارة مقلقة لأن الشركة تعد من أكبر المستثمرين والمنتجين داخل قطاع الغاز المصري منذ عقود طويلة.

 

وبالتالي فإن تخارج أي شريك كبير دون رقابة قد يؤدي إلى انتقال الأصول إلى جهات لا تمنح زيادة الإنتاج الأولوية نفسها أو تسعى لتحقيق عوائد سريعة على حساب الاستثمار طويل الأجل.

 

كما تطالب الدراسة بآلية رقابية تمنح مصر أولوية إعادة تخصيص الأصول والامتيازات قبل انتقالها إلى مستثمرين جدد مع إلزام الشركات بالكشف عن خططها الإنتاجية والتمويلية قبل إتمام صفقات البيع.

 

إضافة إلى ذلك اقترحت تطبيق قاعدة طور أو اترك على الحقول المتوقفة والقطع الخاملة بحيث يلتزم المستثمر بجدول واضح للتنمية أو يعيد المنطقة للدولة لإعادة طرحها أمام شركات أكثر جدية.

 

وعلى صعيد متصل دعت الدراسة إلى مراجعة رسوم التسييل والعبور لضمان حصول مصر على عائد عادل من بنيتها التحتية بدلا من الاكتفاء بهوامش محدودة بينما تحقق الأطراف الموردة والمشغلة مكاسب أكبر.

 

وأخيرا تكشف أزمة ما بعد نزيف حقل ظُهر أن الخطر لا يقتصر على نقص الغاز بل يمتد إلى فقدان القرار الاستراتيجي حين تصبح الكهرباء والصناعة رهينتين للواردات والعقود وتحركات الشركاء الأجانب.