خفض الاتحاد الأوروبي وارداته من الأسمدة المصرية إلى 47.7 ألف طن خلال يوليو 2026، مقابل 209.7 ألف طن قبل عام، مسجلاً أدنى مستوى للشهر منذ 2014، بما كشف تراجعاً حاداً في أحد أهم أسواق الصادرات المصرية.
ويضع هذا الهبوط إدارة ملف التصدير تحت اختبار قاس، فاقتصاد يراهن على تدفقات العملة الأجنبية لا يحتمل ترك صناعة استراتيجية رهينة تقلبات سوق واحدة، بينما يتحمل المواطن تبعات نقص النقد وارتفاع الأسعار وتكاليف الإنتاج.
وأظهرت البيانات الأوروبية أن الواردات كانت قد هبطت بالفعل إلى 93.2 ألف طن خلال يونيو، بعدما بلغت 279.2 ألف طن في مايو، بما يعني أن الانخفاض لم يكن حركة يومية عابرة وإنما تحولاً واضحاً خلال شهرين متتاليين.
وفي المقابل، تشير حركة الأشهر السابقة إلى أن المشترين الأوروبيين كثفوا تعاقداتهم مبكراً، وراكموا مخزونات كبيرة قبل أن تتراجع احتياجاتهم إلى صفقات جديدة، وهو ما يفسر جانباً مهماً من الانخفاض المفاجئ في يونيو ويوليو.
وبحسب مصادر بقطاع الأسمدة، دخلت أوروبا العام بمخزونات مرتفعة تكونت منذ الربع الأخير من 2025، مع اتجاه المستوردين للتحوط من تغيرات تنظيمية وأسعار متقلبة، قبل أن تضيف اضطرابات الطاقة العالمية دوافع أخرى لتسريع عمليات الشراء.
وفوق ذلك، دفعت الحرب بين إسرائيل وإيران والمخاوف المرتبطة بالملاحة في مضيق هرمز أسعار الطاقة والأسمدة إلى الارتفاع، ما شجع الشركات الأوروبية على تأمين كميات إضافية قبل أن تمتلئ المخازن وتتراجع الحاجة إلى التعاقد الفوري.
غير أن تفسير الأزمة بالمخزونات وحدها قد يخفي مشكلة أعمق، تتمثل في اعتماد قطاع تصديري مهم على سوق تتغير قواعدها بسرعة، بينما تحتاج مصر إلى تنويع الوجهات وتقليل تعرض مواردها الدولارية لتقلب قرار المستورد الأوروبي.
صدمة اليوريا المصرية
وسجلت اليوريا الضربة الأكثر حدة، إذ تراجعت واردات الاتحاد الأوروبي منها من مصر إلى 896 طناً فقط في يونيو، بعدما بلغت نحو 154.6 ألف طن خلال مايو، بما يقترب من توقف كامل للمشتريات الشهرية.
وبالتالي، انخفضت واردات اليوريا المصرية خلال الأشهر السبعة الأولى من 2026 بنسبة 47 بالمئة على أساس سنوي، مسجلة نحو 922.6 ألف طن، بعدما بلغت 1.74 مليون طن خلال الفترة المقابلة من العام السابق.
ومع ذلك، يرى خالد أبو المكارم، رئيس المجلس التصديري للصناعات الكيماوية والأسمدة، أن الأسواق الأوروبية تظل محورية للصناعة المصرية، إذ تستحوذ أوروبا على نحو 40 بالمئة من صادرات القطاع، ما يفسر حساسية أي تباطؤ مفاجئ هناك.
وفي رؤيته للقطاع، يؤكد أبو المكارم أهمية فتح أسواق جديدة وتعزيز تنافسية المنتج المصري، بعدما سجلت صادرات الصناعات الكيماوية والأسمدة 4.874 مليار دولار خلال أول خمسة أشهر من 2026، بنمو بلغ 17 بالمئة.
وعلاوة على ذلك، يستهدف المجلس التصديري وصول صادرات القطاع إلى نحو 11 مليار دولار بنهاية 2026، وهو هدف يصبح أكثر صعوبة إذا طال ضعف الطلب الأوروبي أو تحولت موجة التراجع الحالية من تصحيح للمخزون إلى اتجاه ممتد.
وفي الوقت نفسه، تكشف الأرقام أن التراجع لا يلغي الوزن الكبير للصادرات المصرية، إذ بلغ إجمالي واردات الاتحاد الأوروبي من الأسمدة المصرية نحو 1.506 مليون طن خلال الأشهر السبعة الأولى من العام الجاري.
وعلى الرغم من الانخفاض، يمثل الرقم ثالث أعلى مستوى للفترة نفسها منذ 2014، بعد 2.41 مليون طن خلال 2025 و2.15 مليون طن في 2024، وهو ما يدعم فرضية أن الأزمة الحالية مرتبطة جزئياً بتوقيت الشراء.
رهان السوق الأوروبية
ومن زاوية أخرى، ترى الباحثة سحر البهائي خالد عطية، ضمن دراسة لمعهد التخطيط القومي عن قطاع الأسمدة، أن تطبيق آلية تعديل حدود الكربون الأوروبية يمكن أن يخفض الصادرات المصرية ويرفع الأعباء المالية الواقعة على الشركات المنتجة.
واستناداً إلى الدراسة، لم يعد الوصول إلى أوروبا مرتبطاً بالسعر والجودة فقط، إذ أصبحت الانبعاثات الكربونية جزءاً من تكلفة دخول السوق، وهو تحول يفرض على المصانع المصرية استثمارات إضافية للحفاظ على قدرتها التنافسية خلال السنوات المقبلة.
لهذا، فإن موجة الهبوط الحالية تأتي في توقيت شديد الحساسية، مع انتقال الاتحاد الأوروبي إلى التطبيق الكامل لآلية الكربون منذ يناير 2026، والتي تشمل الأسمدة باعتبارها من المنتجات ذات البصمة الكربونية المرتفعة.
وفي موازاة ذلك، تمنح الرسوم الأوروبية المتزايدة على الأسمدة الروسية والبيلاروسية فرصة للمنتج المصري، بعدما بدأت رسوم إضافية تتصاعد تدريجياً وصولاً إلى مستويات مرتفعة بحلول 2028، بما قد يعيد تشكيل خريطة الموردين إلى السوق الأوروبية.
وبناءً على ذلك، لا يمكن قراءة يوليو باعتباره انهياراً نهائياً للصادرات، لكن لا يجوز أيضاً التعامل معه باعتباره رقماً بلا دلالة، لأن انخفاضاً بنسبة 77 بالمئة يستوجب خطة واضحة لحماية الحصة المصرية وتنويع وجهات البيع.
وعلى صعيد الصناعة، ترتبط قدرة مصر على استغلال الفرصة الأوروبية بتوفير الغاز للمصانع بصورة مستقرة، لأن صناعة الأسمدة كثيفة الاستهلاك للطاقة، وأي اضطراب في الإمدادات ينعكس مباشرة على الإنتاج والتكلفة والالتزام بالعقود الخارجية.
وبالمثل، يصبح استقرار السياسات المحلية ضرورة لا تقل أهمية عن تحسن الطلب الخارجي، لأن المصدر يحتاج إلى رؤية واضحة بشأن الطاقة والضرائب والرسوم والحوافز قبل الالتزام بعقود طويلة الأجل في سوق عالمية شديدة المنافسة.
كلفة الكربون المقبلة
وفي قراءة أكاديمية، تحذر نفيسة أبو السعود، المشاركة في دراسة معهد التخطيط القومي، من الأعباء المحتملة لآلية الكربون الأوروبية على الصادرات المصرية، خصوصاً القطاعات كثيفة الانبعاثات التي تحتاج إلى تمويل وتكنولوجيا للتحول نحو إنتاج أكثر نظافة.
ومن ثم، فإن الحكومة تواجه سباقاً مع الزمن لتحديث المصانع وخفض البصمة الكربونية وتوفير أدوات قياس دقيقة للانبعاثات، بدلاً من انتظار تحول الاشتراطات البيئية الأوروبية إلى حاجز تجاري جديد يضغط على أحد أهم مصادر النقد الأجنبي.
إلى جانب ذلك، تكشف الأزمة تناقضاً في الخطاب الرسمي الذي يحتفي بأرقام الصادرات عند ارتفاعها، بينما تظل أدوات الحماية من تقلب الأسواق محدودة، رغم أن اضطراب شهرين فقط قادر على محو جزء معتبر من المكاسب السابقة.
في المقابل، تتوقع مصادر الصناعة عودة الطلب مع بداية الموسم الزراعي الأوروبي الجديد بعد استهلاك جانب من المخزونات، لكن تحقق هذا السيناريو سيظل مرتبطاً بأسعار الطاقة وحركة الأسمدة عالمياً ومدى سرعة تفريغ المستودعات الأوروبية.
ومهما يكن، فإن التعويل على انتعاش سبتمبر وحده لا يمثل استراتيجية تصديرية، لأن الصناعة المصرية تحتاج إلى أسواق بديلة في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، إلى جانب أوروبا، حتى لا تتحول دورة مخزون واحدة إلى صدمة دولارية.
وأخيراً، يقدم هبوط يوليو إنذاراً يتجاوز قطاع الأسمدة نفسه، فامتلاك منتج تنافسي لا يكفي من دون سياسة تصديرية متنوعة وطاقة مستقرة واستعداد لمتطلبات الكربون، وإلا ستظل الإيرادات المصرية معرضة لقرارات المشترين وتقلبات الأسواق الخارجية.

