يواصل كامل الوزير توسيع اقتراض وزارة النقل في مصر بقيمة إجمالية بلغت 18 مليار دولار لتمويل عشرات المشروعات، بينما تنتهي كلفة الديون والفوائد إلى زيادات متلاحقة على الركاب دون تحسن يوازي هذه الالتزامات الضخمة.

 

ويكشف هذا المسار كيف تحولت مشروعات النقل في عهد عبد الفتاح السيسي من وعود بالتنمية وتخفيف معاناة المصريين إلى ماكينة ديون وجباية، يدفع ثمنها العمال والفقراء بينما تغيب المحاسبة عن المشروعات المتعثرة.

 

ولم تعد زيادة أسعار تذاكر القطارات واقعة منفصلة ترتبط بتغير مؤقت في تكاليف التشغيل، بل أصبحت نتيجة مباشرة لنموذج إداري يقترض بكثافة، ويتوسع دون أولويات واضحة، ثم ينقل أعباء السداد إلى المواطنين.

 

ومنذ تولي كامل الوزير وزارة النقل في مارس 2019، شهدت تذاكر السكك الحديدية خمس زيادات متعاقبة، كان أحدثها رفع أسعار الرحلات القصيرة بنسبة 25 بالمئة والطويلة بنسبة 12.5 بالمئة خلال 2026.

 

وفي غضون ذلك، ارتفعت تذكرة قطار الدرجة الثالثة بين القاهرة ومنوف من جنيهين خلال 2020 إلى 25 جنيهًا في 2026، مسجلة زيادة قدرها 1150 بالمئة لم تقابلها زيادة مماثلة في الأجور أو جودة الخدمة.

 

قروض تتجاوز الأولويات

 

وتظهر القرارات الجمهورية الصادرة بين 2014 و2025 أن اتفاقات قروض قطاع النقل بلغت نحو 18 مليار دولار، بما يعادل قرابة 904.5 مليار جنيه، دون إضافة الفوائد والعمولات التي تتراكم طوال سنوات السداد.

 

وبحسب البيانات الرسمية، استحوذت القروض على 35 قرارًا من إجمالي 54 قرارًا ماليًا للقطاع، كما مثلت 90.7 بالمئة من قيمة الاتفاقات، ما يعكس اعتماد الوزارة شبه الكامل على الاقتراض لتمويل توسعها.

 

وتصدر الخط الأول للقطار الكهربائي السريع قائمة المشروعات المقترضة بإجمالي 2.817 مليار دولار، رغم أن أغلب ركاب السكك الحديدية لا يزالون يعتمدون على خطوط تقليدية تعاني التأخير والازدحام وتفاوت مستوى العربات.

 

وجاء خطا قطار العاصمة الإدارية ومدينة 6 أكتوبر بقروض قيمتها 2.256 مليار دولار، في وقت تواجه فيه خطوط الضواحي والدلتا والصعيد مشكلات يومية تمس ملايين المواطنين ولا تحظى بالأولوية التمويلية نفسها.

 

أما المرحلة الأولى من الخط الرابع لمترو القاهرة، فحصلت على تمويل بنحو 1.591 مليار دولار، بينما بلغت قروض تطوير الخط الأول للمترو 1.440 مليار دولار موزعة بين جهات تمويل أوروبية وفرنسية.

 

كذلك اقترضت الحكومة 1.13 مليار دولار لتوريد 1350 عربة ركاب جديدة، لكن ظهور بعض العربات الحديثة لم ينه شكاوى الركاب من الأعطال والتأخير والازدحام وغياب الصيانة المناسبة على أجزاء واسعة من الشبكة.

 

ويرى الخبير الاقتصادي هاني جنينة أن انخفاض قيمة الجنيه يرفع تلقائيًا العبء المحلي للديون الدولارية، وهو ما يجعل المشروعات التي تحقق إيراداتها بالجنيه عاجزة عن ملاحقة أقساط تتضخم مع كل تراجع للعملة.

 

وبالتالي، تصبح وزارة النقل مطالبة بتوفير موارد أكبر لسداد التزاماتها الخارجية، فتتجه إلى رفع التذاكر والرسوم وتعظيم الإيرادات من الركاب، بدل مراجعة جدوى المشروعات أو وقف التوسع في الاقتراض غير المنضبط.

 

مشروعات بلا عائد

 

وكشفت تقارير الجهاز المركزي للمحاسبات أن عددًا من القروض لم يتحول إلى تنفيذ فعلي بالمعدلات المستهدفة، ما جعل الدولة تتحمل فوائد وعمولات ارتباط عن تمويلات بقيت أجزاء كبيرة منها دون استخدام أو عائد.

 

ومن أبرز الأمثلة قرض تطوير نظم الإشارات بين نجع حمادي والأقصر، إذ لم يتجاوز المسحوب منه 46.7 مليون دولار حتى منتصف 2024، بنسبة تنفيذ بلغت 40.6 بالمئة رغم مرور سنوات على الاتفاق.

 

واعتبر الجهاز هذا التعثر نتيجة لعدم إعداد الدراسات الفنية المناسبة قبل الاقتراض، بما يعني أن الحكومة وقعت التزامًا دوليًا طويل الأجل قبل حسم جاهزية المشروع ومسارات التنفيذ والاحتياجات الحقيقية بصورة دقيقة.

 

كما لم تستفد الدولة بصورة فعلية من قرض تطوير الخط الأول لمترو القاهرة الموقع مع بنك الاستثمار الأوروبي، إذ اقتصرت المسحوبات على شرائح ضئيلة، بينما ترتبت عمولات على أموال لم تحقق منفعة للركاب.

 

وفضلًا عن ذلك، تعثر مشروع تطوير خط أبو قير، ولم تتجاوز نسبة السحب من تمويله 28.07 بالمئة، وسط تأخر الموافقات الداخلية وترسية العقود وتعديل المسارات وتعطل الجداول الزمنية المعلنة.

 

ويؤكد الخبير الاقتصادي عبد النبي عبد المطلب أن رفع أسعار النقل لا يبقى محصورًا في التذاكر، بل ينتقل إلى أسعار السلع والخدمات لأن تكاليف انتقال العمال ونقل البضائع تضاف في النهاية إلى المستهلك.

 

وهكذا يدفع المواطن ثمن القرض مرتين، مرة عبر الموازنة العامة وما تتحمله من أقساط وفوائد، ومرة عبر التذاكر والأسعار المرتفعة، بينما لا يحصل في المقابل على خدمة تعكس حجم الأموال المقترضة باسمه.

 

وفي الوقت نفسه، لا تنشر وزارة النقل حسابًا تفصيليًا يوضح العائد الفعلي لكل مشروع، وحجم ما سدده، ومصادر العملة الأجنبية، وتكلفة الفوائد والعمولات، ومدى قدرة الإيرادات التشغيلية على تغطية الالتزامات المقبلة.

 

الركاب يسددون الفاتورة

 

وتحاول الحكومة تبرير زيادات التذاكر بارتفاع أسعار الوقود وقطع الغيار والصيانة والأجور، لكن تقارب الزيادات وتحولها إلى إجراء متكرر يكشفان أن الأزمة أعمق من تغيرات التشغيل وترتبطان بتضخم الالتزامات المالية للوزارة.

 

وقد استهدفت زيادة 2026 تحصيل نحو مليار جنيه إضافي خلال السنة المالية الجديدة، ورفع إيرادات التذاكر إلى قرابة 13 مليار جنيه، ما يوضح أن جيوب الركاب أصبحت موردًا رئيسيًا لسد الفجوات المتراكمة.

 

ومن جهته، يحذر الخبير الاقتصادي ممدوح الولي من أن توسع الدولة في الاقتراض يرفع خدمة الدين ويضغط على الإنفاق العام، بما يؤدي إلى تحميل المواطنين ضرائب ورسومًا وأسعارًا أعلى لتوفير موارد السداد.

 

وبناءً على ذلك، لا يمكن فصل ارتفاع تذكرة القاهرة ومنوف من جنيهين إلى 25 جنيهًا عن مليارات الدولارات التي اقترضتها الوزارة، ولا عن المشروعات التي تأخر تنفيذها أو لم تحقق عائدًا يخفف التزاماتها.

 

وعلاوة على ذلك، لم تتضاعف أجور العمال والموظفين بنسبة 1150 بالمئة، ولم تختف الرحلات المتأخرة أو العربات المزدحمة، ما يجعل الحديث الحكومي عن التوازن بين السعر والخدمة منفصلًا عن الواقع اليومي للركاب.

 

ومن ناحية أخرى، ارتفع الدين الخارجي لمصر من 46.1 مليار دولار في يونيو 2014 إلى 163.9 مليارًا بنهاية ديسمبر 2025، بينما تجاوزت الأقساط والفوائد المسددة خلال الفترة نفسها 200.1 مليار دولار.

 

ومع استمرار كامل الوزير في تقديم الاقتراض باعتباره استثمارًا مضمونًا، تظل الأسئلة بلا إجابة حول المشروعات التي تأخرت، والقروض التي لم تسحب، والعمولات التي دفعت، والعوائد التي لم يشعر بها المواطن حتى الآن.

 

وفي المحصلة، حولت حكومة السيسي السكك الحديدية من مرفق اجتماعي يخدم ملايين محدودي الدخل إلى وسيلة لتحصيل فاتورة الديون، بينما بقيت الرقابة ضعيفة والمحاسبة غائبة والراكب الطرف الوحيد الذي يدفع مقدمًا.