استهدفت مسيّرات، فجر اليوم الأربعاء، الخرطوم ومدينتي عطبرة والدامر الخاضعتين لسيطرة الجيش السوداني، في هجوم متزامن أنهى هدوءا استمر عدة أشهر بالعاصمة، بينما تصدت مضادات جوية انطلقت من قاعدة عسكرية شمال أم درمان للأهداف المهاجمة، وسط سماع انفجارات في المدن الثلاث، من دون إعلان فوري عن خسائر بشرية أو مادية.

 

ويعيد الهجوم شبح الحرب إلى مناطق ابتعدت نسبيا عن المواجهات خلال الأشهر الماضية، في وقت يدفع فيه المدنيون، ولا سيما الأطفال، الثمن الأكبر لصراع تجاوز ألف يوم، وسط انهيار المستشفيات والمدارس وشبكات المياه واتساع الجوع والنزوح، وعجز دولي متواصل عن وقف القتال أو تمويل الاحتياجات الإنسانية الأساسية.

 

 

قصف يعيد الخوف

 

وقع الهجوم على الخرطوم قرابة الساعة 5:00 صباحا، بالتزامن مع سماع دوي المضادات الجوية من قاعدة عسكرية في شمال أم درمان، بينما أفاد شهود في عطبرة والدامر برؤية مسيّرات في الأجواء وسماع انفجارات، ما يشير إلى عملية منسقة استهدفت أكثر من مدينة يسيطر عليها الجيش.

 

ويمثل وصول المسيّرات إلى الخرطوم بعد أشهر من الهدوء رسالة بأن العاصمة لم تخرج من دائرة الاستهداف، وأن خطوط المواجهة لا تزال قابلة للاتساع، مهما بدت بعض المدن بعيدة عن الاشتباكات البرية المباشرة التي دمرت مناطق واسعة من السودان منذ أبريل 2023.

 

كما يحمل استهداف عطبرة والدامر دلالة إضافية على اتساع النطاق الجغرافي للحرب، بعدما باتت المسيّرات قادرة على نقل الخطر إلى مدن شمالية تستقبل نازحين وتضم مرافق خدمية وعسكرية، وهو ما يضاعف المخاوف من سقوط ضحايا جدد وتعطل الخدمات المتبقية.

 

وفي ظل غياب معلومات فورية عن الجهة المنفذة أو طبيعة الأهداف والخسائر، يبقى المدنيون أسرى الخوف والشائعات، بينما تحولت أصوات الانفجارات والمضادات الجوية إلى تذكير بأن أي هدوء في السودان يظل هشا ما دامت الحرب مستمرة بلا تسوية حقيقية.

 

ويأتي هذا التصعيد بينما يواجه السودان واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، إذ يحتاج أكثر من نصف السكان إلى المساعدة، في حين تعرقل المعارك والقيود الأمنية حركة العاملين والإمدادات الإنسانية، وتترك مناطق واسعة بلا غذاء كاف أو علاج أو مياه مأمونة.

 

ومنذ اندلاع القتال بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في أبريل 2023، سقط عشرات الآلاف من القتلى واضطر ملايين السودانيين إلى النزوح داخل البلاد أو اللجوء إلى دول الجوار، فيما تآكلت مؤسسات الدولة وتراجعت قدرة المجتمعات المحلية على تحمل موجات جديدة من العنف.

 

 

جوع يطارد الأطفال

 

كشفت منظمة الأمم المتحدة للطفولة أن نحو 5.3 مليون طفل خضعوا للفحص للكشف عن سوء التغذية الحاد، بينما احتاج 174.7 ألف طفل إلى العلاج من سوء التغذية الحاد الوخيم، وهو من أخطر أشكال الجوع وأكثرها تهديدا للحياة.

 

وتوضح هذه الأرقام أن الحرب لم تعد تقتل بالقصف والرصاص وحدهما، بل تحاصر الأطفال أيضا بالجوع وارتفاع أسعار الغذاء وانهيار مصادر الدخل وتعطل الزراعة والأسواق، إلى جانب القيود المفروضة على انتقال السلع ووصول المساعدات إلى المناطق المتأثرة بالقتال.

 

ويواجه القطاع الصحي بدوره ضغوطا قاسية بسبب خروج مستشفيات ومراكز طبية عن الخدمة، ونقص الأدوية والكوادر والمستلزمات، ما يحرم آلاف الأطفال من العلاج في الوقت المناسب، ويجعل أمراضا يمكن احتواؤها سببا محتملا في الوفاة أو الإعاقة الدائمة.

 

وحذرت اليونيسف من تراجع عمليات التطعيم ضد الحصبة والحصبة الألمانية وشلل الأطفال، إذ يهدد انهيار برامج التحصين الروتينية، بالتزامن مع النزوح الواسع، بإعادة انتشار أمراض كان من الممكن الوقاية منها، خصوصا داخل المخيمات والمناطق المحاصرة.

 

ولا يتوقف الخطر عند سوء التغذية والأمراض التي يمكن منعها باللقاحات، إذ تتصاعد المخاوف من تفشي الكوليرا وانتقالها من كردفان، بينما يعتمد ملايين السودانيين على مصادر مياه غير مأمونة في ظل تضرر شبكات المياه والصرف الصحي.

 

ويزيد موسم الأمطار من احتمالات انتشار الوباء، خصوصا في كردفان ودارفور، حيث يصعب وصول الأدوية وفرق الاستجابة إلى مساحات واسعة، بينما تتكدس الأسر النازحة في بيئات تفتقر إلى النظافة والمياه الآمنة والرعاية الصحية الضرورية.

 

وفي مواجهة هذه الكارثة، لم تحصل اليونيسف حتى نهاية يونيو إلا على 351 مليون دولار من إجمالي التمويل المطلوب لعملياتها في السودان خلال 2026، لتبلغ فجوة التمويل 64%، وهي نسبة تهدد بتقليص الغذاء والعلاج والتعليم والحماية.

 

ويكشف العجز المالي حجم التناقض بين التحذيرات الدولية المتكررة والاستجابة الفعلية، فبينما توصف أزمة السودان بأنها الأسوأ عالميا، تظل المؤسسات الإنسانية عاجزة عن الوصول إلى ملايين المحتاجين، بسبب نقص الأموال واستمرار القتال وعرقلة وصول المساعدات.

 

 

جيل خارج المدارس

 

يمتد أثر الحرب إلى التعليم، حيث لا يزال ملايين الأطفال خارج المدارس بسبب النزوح أو إغلاق المؤسسات التعليمية وتدميرها، فضلا عن استخدام بعضها مراكز لإيواء النازحين، ما يهدد بتحويل الانقطاع المؤقت عن الدراسة إلى حرمان طويل الأمد.

 

وحذرت نائبة الأمين العام للأمم المتحدة أمينة محمد من أن استمرار الحرب يدفع السودان نحو خسارة جيل كامل، بعدما تعرض الأطفال للنزوح والانتهاكات والتجنيد والاستغلال، وفقد كثيرون منهم المدارس والمنازل والأقارب والشعور بالأمان.

 

وأكدت خلال اجتماع غير رسمي لمجلس الأمن أن حماية التعليم لا تنفصل عن وقف الحرب، داعية إلى تأمين المدارس والطلاب والمعلمين، ومنع استخدام المنشآت التعليمية لأغراض عسكرية، وتوفير الموارد اللازمة لإعادة الأطفال إلى مقاعد الدراسة.

 

فالتعليم، وفق هذا التصور، ليس خدمة مؤجلة إلى ما بعد توقف القتال، بل وسيلة لحماية الأطفال وتقليل تعرضهم للاستغلال والتجنيد، وأداة ضرورية لبناء السلام واستعادة الاستقرار والحفاظ على قدرة المجتمع السوداني على التعافي وإعادة بناء دولته.

 

وفي موازاة الانهيار التعليمي، احتاج نحو 940.7 ألف طفل وفرد من أسرهم إلى خدمات الصحة النفسية والدعم الاجتماعي، بعدما خلف العنف والنزوح وفقدان الأقارب والمنازل ومصادر الدخل صدمات عميقة تتجاوز آثارها سنوات الحرب نفسها.

 

وتضع عودة المسيّرات إلى سماء الخرطوم وعطبرة والدامر هذه الأرقام في سياق أكثر خطورة، إذ ينذر تجدد القصف بموجات نزوح إضافية وتعطيل جديد للمرافق، بينما تعاني عمليات الإغاثة أصلا نقص التمويل وصعوبة الوصول إلى المتضررين.

 

وهكذا لا يخسر السودان مباني المدارس والأسرة الطبية وشبكات المياه فقط، بل يخسر تدريجيا رأس ماله البشري، بينما يبدو المجتمع الدولي مكتفيا بتوصيف المأساة وإصدار التحذيرات، من دون ضغط كاف لوقف الحرب أو تمويل إنقاذ المدنيين.

 

ويبقى وقف القتال وتأمين الممرات الإنسانية وتمويل الاستجابة بصورة عاجلة شروطا لا تحتمل التأجيل، لأن كل يوم جديد من الحرب يعني أطفالا أكثر جوعا ومرضا وخوفا، ومدارس إضافية مغلقة، ومستقبلا أشد قتامة لبلد يقترب من خسارة جيل كامل.