أشعل قرار وزارة الصحة في مصر وقف استيراد وصرف الإنسولين المستورد داخل التأمين الصحي والعلاج على نفقة الدولة، لتوفير نحو 4.2 مليار جنيه سنويا، خلافا علنيا بين الأطباء والصيادلة حول البدائل المحلية وحق اختيار العلاج.
ويضع الخلاف ملايين المرضى وأسرهم وسط مواجهة مهنية واقتصادية تتجاوز أسعار العبوات، إذ يدافع الصيادلة عن توافر المادة الفعالة والبدائل المصرية، بينما يتمسك أطباء بحقهم في اختيار المستحضر الذي يرونه أكثر ملاءمة لكل حالة.
وكان وزير الصحة خالد عبد الغفار أعلن وقف استيراد الوزارة للإنسولين في ظل وجود إنتاج محلي من 4 شركات، معتبرا أن استمرار شراء المنتج الأجنبي يهدر العملة الصعبة طالما توجد بدائل مصرية تقول الوزارة إنها مماثلة.
وبحسب الأرقام المعلنة، يستهدف القرار خفض فاتورة تبلغ نحو 4.2 مليار جنيه سنويا تتحملها الدولة لتأمين الإنسولين المستورد لنحو 2.5 مليون مريض بالغ و55 ألف طفل داخل منظومتي التأمين الصحي والعلاج على نفقة الدولة.
وفي المقابل، فجرت الخطوة شكاوى واستغاثات من مرضى وأسر قالوا إن بعض الأصناف المستوردة أصبحت أصعب في العثور عليها بالصيدليات الخاصة، بالتزامن مع ارتفاع أسعارها وظهور حملات إلكترونية ترفض تغيير أنواع اعتاد عليها المرضى.
ومن هنا، انتقلت الأزمة سريعا من قرار مالي لخفض الاستيراد إلى مواجهة بين رؤيتين مهنيتين، إحداهما تعتبر البديل المحلي كافيا طالما يحمل المادة الفعالة نفسها، والأخرى ترفض إخضاع قرار الطبيب لتقديرات السعر والتوافر وحدهما.
الصيادلة يدافعون عن البدائل
قال علي عوف رئيس شعبة الأدوية باتحاد الغرف التجارية إن جزءا من الأزمة يرتبط باعتياد بعض الأطباء والمرضى على أسماء تجارية مستوردة، رغم وجود بدائل محلية تحتوي على المادة الفعالة نفسها وتباع بأسعار أقل.
وأضاف عوف أن النقاش يجب أن يفرق بين اختفاء المادة الفعالة وبين عدم وجود علامة تجارية بعينها، لأن نقص مستحضر محدد لا يعني بالضرورة وجود أزمة في العلاج إذا كان البديل الدوائي متاحا.
وبناء على ذلك، طالب عوف نقابة الأطباء بتوجيه أعضائها نحو كتابة الاسم العلمي للدواء بدلا من الاسم التجاري، بما يسمح للصيدلي بصرف المستحضر المتاح الذي يحمل المادة الفعالة نفسها دون ربط المريض بشركة محددة.
وفي الاتجاه نفسه، رفض محفوظ رمزي رئيس لجنة التصنيع الدوائي بنقابة الصيادلة اعتبار الإنسولين المستورد أفضل بصورة تلقائية، معتبرا أن تفضيله لدى بعض المرضى يعكس ثقافة متراكمة أكثر مما يستند إلى فارق مثبت في المادة الفعالة.
وبحسب رمزي، يصل سعر بعض أنواع الإنسولين المحلي إلى نحو نصف سعر المنتج المستورد، بينما لا يرى مبررا طبيا لرفض المستحضر المصري طالما يحتوي على المادة الفعالة نفسها ويخضع للرقابة الدوائية.
وعلاوة على ذلك، ذهب عوف إلى مطالبة من يفضل المستورد بتقديم دليل علمي يثبت تفوقه، رافضا التعامل مع بلد المنشأ باعتباره معيارا منفردا للحكم على جودة الدواء أو قدرته العلاجية لدى المرضى.
ومن ثم، يتبنى قطاع من الصيادلة رؤية تعتبر أزمة الإنسولين مرتبطة جزئيا بثقافة وصف دوائي تركز على العلامات التجارية، ويرى أن توسيع استخدام الاسم العلمي قد يقلل الضغوط الناتجة عن اختفاء مستحضرات بعينها.
الأطباء يرفضون سحب الاختيار
على الجانب الآخر، تحفظ خالد أمين الأمين العام المساعد لنقابة الأطباء على دعوات كتابة الاسم العلمي باعتبارها حلا للنواقص، مؤكدا أن الطبيب يختار العلاج بناء على خبرته وما يراه أكثر فاعلية وملاءمة للمريض.
وأوضح أمين أن الطبيب يتحمل مسؤولية مباشرة عن نتائج العلاج وسمعته المهنية، ولذلك لا يمكن اختزال وصف الدواء في تحديد مادة فعالة وترك اختيار المستحضر التجاري للصيدلي وفق الأصناف الموجودة لديه وقت الصرف.
وفوق ذلك، اعتبر أمين أن توسيع كتابة الاسم العلمي قد يسمح للصيدليات بتصريف بعض الأصناف الموجودة لديها، دون أن يكون هذا الاختيار بالضرورة هو نفس المستحضر الذي يعرف الطبيب خصائصه واستجابة المريض السابقة له.
كما أشار إلى صعوبة تطبيق الفكرة على جميع الأدوية، خصوصا المستحضرات المركبة التي تحتوي على أكثر من مادة فعالة، وهو ما يضع حدودا عملية لفكرة استبدال الاسم التجاري بالاسم العلمي بوصفه حلا شاملا.
وبالتالي، يكشف موقف نقابة الأطباء أن الخلاف لا يدور حول وطنية المنتج المحلي أو تشجيعه، وإنما حول الجهة التي تملك الكلمة الأخيرة في اختيار المستحضر المستخدم، الطبيب أم الصيدلي أم الجهة الحكومية الممولة.
وفي الوقت نفسه، يعمق وقف المستورد الخلاف لأن مرضى التأمين والعلاج على نفقة الدولة لن يملكوا عمليا الاختيار بين المحلي والأجنبي، بل ستحدد لهم المنظومة الحكومية المستحضر الذي يمكن صرفه داخل منشآتها.
وعند هذه النقطة، يصبح قرار توفير 4.2 مليار جنيه طرفا مباشرا في النزاع المهني، لأن وقف الشراء الحكومي للمستورد لا يغير السوق فقط، وإنما يعيد رسم حدود اختيار الدواء بالنسبة لملايين المرضى.
المرضى وسط المواجهة
أما وزير الصحة خالد عبد الغفار فدافع عن القرار بالتأكيد أن الإنسولين المصري مستخدم منذ سنوات داخل المنظومة الحكومية، وأن 4 شركات محلية توفر إنتاجا تعتبره الوزارة كافيا لتغطية الاحتياجات دون اللجوء إلى المنتج النهائي المستورد.
وأضاف عبد الغفار أن خامات التصنيع تأتي من شركات عالمية متخصصة، مستندا كذلك إلى رقابة هيئة الدواء المصرية وتصنيفها الدولي باعتبارهما ضمانة لجودة المنتجات المحلية وعدم وجود مبرر للاستمرار في شراء الإنسولين الأجنبي.
غير أن دفاع الوزارة لم ينه اعتراضات المرضى، إذ تتعلق المخاوف لدى قطاع منهم بالاستقرار على أنواع محددة وجرعات جرى ضبطها لسنوات، وليس فقط بالسؤال النظري حول تشابه المادة الفعالة بين المستحضرات المختلفة.
وفي المقابل، يزيد ارتفاع سعر المستورد في الصيدليات الخاصة الضغط على الأسر التي ترفض تغيير النوع، لأن وقف صرفه حكوميا يضعها أمام خيارين قاسيين هما قبول البديل المحدد أو شراء المستورد على نفقتها.
ومن ناحية أخرى، يتضاعف القلق لدى أسر الأطفال المصابين بالسكري، نظرا لحساسية ضبط الجرعات والمتابعة اليومية، ما يفسر تصاعد حملات تعتبر الإنسولين حقا علاجيا لا ينبغي إخضاعه حصرا لحسابات توفير العملة الصعبة.
ولذلك، لا يمكن اختزال الأزمة في سؤال عما إذا كان المنتج المحلي جيدا أم لا، لأن الخلاف المهني المطروح يتعلق أيضا بمسؤولية وصف العلاج وحدود الاستبدال ومدى حق المريض في الاستمرار على مستحضر معين.
وبالتوازي، يكشف الجدل عن أزمة أوسع في سوق الدواء، حيث يؤدي نقص اسم تجاري إلى مطالب باستخدام البدائل، بينما يرى الأطباء أن التوافر وحده لا يمنح الصيدلي صلاحية تغيير العلاج الذي وصفوه للمريض.
وفي المحصلة، نجح قرار وقف الإنسولين المستورد في تفجير خلاف مكتوم حول الصلاحيات داخل المنظومة الدوائية، فوضع نقابة الأطباء في مواجهة طرح تتبناه قيادات صيدلانية يدفع نحو توسيع البدائل وكتابة الأسماء العلمية.
وأخيرا، يبقى المريض الطرف المحاصر بين وزارة تريد توفير 4.2 مليار جنيه وصيادلة يدافعون عن البديل المحلي وأطباء يتمسكون بحق اختيار المستحضر، بينما تظل جرعة الإنسولين بالنسبة إليه مسألة حياة لا ساحة لخلاف مهني.

