اندلع حريق ضخم داخل مول الأهرام ستور بمنطقة حدائق الأهرام في الجيزة، وامتدت النيران إلى العقار السكني المحيط، قبل أن تدفع الحماية المدنية بنحو 30 سيارة إطفاء للسيطرة على الحريق ومنع اتساع الكارثة.
ويكشف الحريق أن ما يواجهه سكان حدائق الأهرام لم يعد حادثا عارضا، بل نتيجة سنوات من تحويل الجراجات والبدرومات إلى محلات ومخازن وأنشطة تجارية تعمل وسط الكتل السكنية بينما غابت الرقابة الفعلية عن وقف المخالفات.
وبحسب شهادات سكان المنطقة، تحولت أجزاء واسعة من الحي من نطاق سكني منظم إلى خليط من الأنشطة التجارية والمخازن داخل العقارات، بما ضاعف مخاطر الحرائق وأغلق مساحات كان يفترض أن تبقى مخصصة للجراجات والخدمات.
كما طالب الأهالي بمراجعة رخص البناء التي تحدد استخدامات العقارات وأعداد طوابقها، والتحقيق في كيفية تحويل منشآت مرخصة لأغراض سكنية أو جراجات إلى مولات ومحال ومخازن تحتوي أحيانا على مواد سريعة الاشتعال.
ومن ناحية أخرى، لم يكن حريق الأهرام ستور الواقعة الأولى، إذ سبقه حريق داخل مخزن غير مرخص للعب الأطفال والبلاستيكات في بدروم عقار بالبوابة الأولى، ما هدد السكان بسبب طبيعة المواد المخزنة وكثافة الدخان.
وفي المقابل، شهدت المنطقة حادثا آخر داخل جراج تابع لمدرسة خاصة بالبوابة الرابعة، حيث تفحمت حافلات بعد اندلاع حريق أثناء أعمال صيانة، لتتكرر الصورة نفسها داخل منشآت سكنية وتعليمية وخدمية في نطاق واحد.
الجراجات تحولت إلى مخازن
وفوق ذلك، يرى السكان أن تكرار الحرائق يعكس نمطا واحدا يبدأ بالسماح لنشاط مخالف داخل عقار سكني، ثم يتضاعف الخطر مع التخزين العشوائي وغياب اشتراطات الإطفاء، قبل أن تتحرك الأجهزة بعد اشتعال النيران.
وأكد طلعت البهلول خبير السلامة والصحة المهنية أن حرائق العقارات المتكررة ترتبط بضعف تطبيق قواعد السلامة وقلة أعداد المفتشين، مشيرا إلى أن التشريعات الموجودة تفقد قيمتها عندما لا تقابلها رقابة ميدانية منتظمة على المنشآت.
وبناء على ذلك، فإن أزمة حدائق الأهرام لا تبدو أزمة نقص قوانين، بقدر ما تبدو أزمة تنفيذ ورقابة، إذ سمحت المخالفات المتراكمة بوجود أنشطة تجارية وتخزينية داخل مبان سكنية دون معالجة مبكرة لمصادر الخطر.
ولذلك، يصبح عدد سيارات الإطفاء التي تصل بعد اندلاع الحريق مؤشرا على حجم الكارثة لا على نجاح المنظومة، لأن الوقاية الحقيقية تبدأ بمنع النشاط الخطر داخل العقار قبل أن تتحول المخالفة إلى حريق واسع.
ومن ثم، فإن ترك الجراجات والبدرومات تتحول إلى مخازن ومحال لا يضر فقط بحركة السيارات، بل ينقل مصادر الاشتعال والمواد القابلة للاحتراق إلى أسفل شقق يسكنها مئات المواطنين الذين لا يملكون وسيلة للهروب السريع.
وعلى مستوى التخطيط، قال هاني أبو العلا أستاذ جغرافيا العمران والخبير بهيئة التخطيط العمراني إن تحويل الجراجات إلى محال ظاهرة متكررة، وإن تجاهل وسائل الأمن الصناعي داخل تلك الأنشطة يرفع مخاطر الحرائق على السكان.
واستنادا إلى رأيه، تظهر حدائق الأهرام مثالا واضحا على الفجوة بين الترخيص والاستخدام الفعلي، حيث يحصل العقار على موافقة وفق وظيفة محددة، ثم تتغير الوظيفة لاحقا دون أن يمنع ذلك استمرار النشاط داخل الكتلة السكنية.
الرقابة حضرت بعد الحريق
كذلك، يؤدي اختفاء الجراجات بسبب تحويلها إلى أنشطة تجارية إلى زيادة التكدس في الشوارع، ما قد يعوق وصول سيارات الإطفاء والإسعاف أثناء الطوارئ، ويضاعف أثر المخالفة العمرانية عندما تقع الكارثة داخل شارع مزدحم.
وفي السياق نفسه، طالب السكان بتشكيل لجنة هندسية ورقابية لفحص العقارات والأنشطة القائمة، بعد أن اعتبروا أن المخالفات لم تعد حالات فردية بل شبكة ممتدة تحتاج إلى مراجعة الرخص والاستخدامات والاشتراطات على مستوى المنطقة.
وعلاوة على ذلك، يكشف حريق الأهرام ستور خطورة خلط الاستخدام السكني بالتجاري دون ضوابط، لأن وجود مخازن أو محال محملة بالبضائع أسفل الوحدات السكنية يجعل أي ماس كهربائي أو مصدر اشتعال تهديدا مباشرا لعشرات الأسر.
أما خبير الإدارة المحلية حمدي عرفة، فقد شدد في مناقشات سابقة حول مخالفات البناء على أن إحكام عملية الترخيص والمتابعة مسؤولية مباشرة للمحافظات والأجهزة المحلية، وأن الرقابة المستمرة هي الضمان لمنع تحول المخالفات إلى أمر واقع.
وبهذا المعنى، فإن غض الطرف عن تحويل جراج إلى مخزن أو محل لا يمثل مخالفة ورقية فقط، بل قرارا له كلفة بشرية محتملة، لأن كل نشاط يضاف دون اشتراطات سلامة يرفع الحمل الناري داخل العقار ويزيد صعوبة الإخلاء.
وفي الوقت ذاته، تكشف شكاوى الأهالي عن أزمة ثقة متراكمة مع الأجهزة المحلية، إذ يربط السكان بين استمرار الأنشطة المخالفة وبين المجاملات والفساد والرشوة، وهي اتهامات تستوجب التحقيق بدلا من الاكتفاء بحملات مؤقتة بعد الحوادث.
وعند هذه النقطة، يتحول السؤال من سبب اشتعال الحريق إلى سبب بقاء المخالفات سنوات دون حسم، وكيف استطاعت أنشطة غير متوافقة مع طبيعة العقارات أن تعمل وتتوسع وسط منطقة يسكنها آلاف المواطنين تحت أعين الأجهزة المختصة.
حرائق تكشف نمطا متكررا
وفضلا عن ذلك، تتضاعف الخطورة عندما تحتوي المخازن على ألعاب وبلاستيك وأخشاب ومواد سريعة الاشتعال، لأن الحريق عندها ينتقل بسرعة ويولد دخانا كثيفا ودرجات حرارة مرتفعة تجعل السيطرة عليه أكثر تعقيدا وتهدد سلامة الهيكل الإنشائي.
وبالتوازي، فإن تحويل الأسطح والبدرومات والجراجات إلى مساحات للتخزين والتجارة يعني تقليص مناطق الأمان داخل العقار نفسه، بينما يصبح السكان محاصرين بين مصادر اشتعال في الأسفل ووحدات سكنية قد تفتقر إلى مخارج طوارئ مناسبة.
ومن زاوية أخرى، لا يمكن فصل كثرة الحرائق عن توسع الأنشطة غير المنظمة داخل الأحياء، لأن السماح بتشغيل محل أو مخزن دون مراجعة الأحمال الكهربائية ووسائل الإطفاء ومسارات الهروب يجعل الحريق نتيجة متوقعة لا مفاجأة استثنائية.
وعليه، فإن تكرار الحرائق في حدائق الأهرام يعكس فشلا رقابيا أقدم من الحادث الأخير، إذ تركت المخالفات تتراكم حتى أصبحت جزءا من المشهد اليومي، ثم تحولت عند أول شرارة إلى تهديد مباشر للسكان والممتلكات.
وفي المحصلة، لا يحتاج سكان المنطقة إلى بيانات تطمئنهم بعد كل حريق بقدر حاجتهم إلى معرفة كيف سمحت الجهات المسؤولة بتحويل الجراجات والمباني السكنية إلى أنشطة تجارية ومخازن قبل أن تضطر الحماية المدنية لمواجهة النتائج.
وأخيرا، يضع حريق الأهرام ستور محافظة الجيزة والأجهزة المحلية أمام مسؤولية واضحة، لأن النيران لم تبدأ من فراغ، بل اشتعلت داخل بيئة عمرانية يقول السكان إنها امتلأت بالمخالفات بينما ظلت الرقابة أضعف من أصحاب المصالح.

