تلقت الأجهزة الأمنية في بني سويف، اليوم الخميس، إخطارًا بمصرع 3 عمال داخل مبنى سكني تحت الإنشاء بمدينة بني سويف، بعد سقوطهم من أعلى سقالة أثناء العمل، وانتقلت قوات الشرطة وسيارات الإسعاف إلى الموقع، قبل نقل الجثامين إلى مستشفى بني سويف الجامعي تحت تصرف الجهات المختصة وبدء التحقيق في ملابسات الواقعة.
ويعيد الحادث ملف السلامة في مواقع البناء إلى الواجهة، لأن سقوط 3 عمال أثناء أداء عملهم لا ينفصل عن مسؤولية الجهات الحكومية المكلفة بالتفتيش على اشتراطات الوقاية، خصوصًا مع تكرار حوادث السقالات في مصر وداخل بني سويف نفسها، بينما تظل أسر العمال هي الطرف الذي يدفع الثمن المباشر عند غياب الحماية الفعلية.
السقالات القاتلة وغياب الوقاية
وبحسب المعلومات الأولية، وقع السقوط أثناء وجود العمال على سقالة داخل مبنى سكني ما زال تحت الإنشاء، وهو ما يجعل فحص حالة السقالة وطريقة تثبيتها ووسائل الوقاية الشخصية والإشراف الهندسي عناصر أساسية في التحقيق، إلى جانب تحديد المسؤول عن الموقع ومدى التزام القائمين عليه بقواعد العمل الآمن قبل بدء الأعمال المرتفعة.
وفي واقعة قريبة داخل المحافظة، أصيب 4 أشخاص في 22 أبريل 2026 بعد سقوطهم من أعلى سقالة في منطقة أرض الموالح بمدخل مدينة بني سويف، ونقلوا إلى المستشفى لتلقي العلاج، وهو تكرار يمنع التعامل مع حادث الخميس بوصفه واقعة منفصلة عن نمط خطر يحتاج رقابة ميدانية أكثر صرامة واستمرارًا.
ومن الناحية الفنية، حدد خبير السلامة والصحة المهنية يوسف الطيب في تصريحات سابقة أسبابًا متكررة لحوادث السقالات، من بينها سرعة التنفيذ دون الالتزام بالاشتراطات، واستخدام أخشاب قديمة أو تالفة، وضعف تدريب العمال، وغياب مهمات الوقاية الشخصية، وعدم استعانة بعض المقاولين بمسؤول سلامة، فضلًا عن ضعف الرقابة المختصة على مواقع المشروعات.
ولهذا تكتسب معاينة موقع بني سويف أهمية تتجاوز إثبات أن العمال سقطوا من علو، لأن التحقيق الجاد يفترض أن يحدد سبب السقوط نفسه، وأن يفحص السقالة وأحمالها ونقاط تثبيتها ووسائل منع السقوط، وأن يوضح ما إذا كان العمال حصلوا على معدات حماية مناسبة وما إذا كان الموقع خضع لإشراف مختص قبل الحادث.
قانون موجود ورقابة متأخرة
في المقابل، يفرض قانون العمل رقم 14 لسنة 2025 التزامات مباشرة على المنشآت ومواقع العمل بشأن السلامة والصحة المهنية، وتشمل الوقاية من مخاطر التشييد والبناء، كما يلزم الجهة الإدارية بوجود جهاز متخصص للتفتيش على المنشآت ومراقبة تنفيذ الاشتراطات على فترات دورية مناسبة، وهي مسؤولية لا يجوز اختزالها بعد الحوادث في تحرير المحاضر فقط.
وبموجب القواعد المنشورة لوزارة العمل، تلتزم المنشأة بإخطار مكتب السلامة والصحة المهنية عند وقوع إصابة عمل، ثم يتوجه المفتش إلى المنشأة لاتخاذ الإجراءات القانونية ومعاينة أسباب الإصابة والعمل على منع تكرارها، كما يجب إخطار المكتب بالحوادث الجسيمة خلال المواعيد القانونية المقررة، بما يجعل نتيجة المعاينة جزءًا أساسيًا من كشف المسؤولية.
أما القانون نفسه فيمنح الجهة الإدارية المختصة صلاحية إغلاق المنشأة كليًا أو جزئيًا، أو إيقاف آلة أو أكثر، عندما يثبت وجود خطر داهم يهدد صحة العمال أو سلامتهم، ويجيز استمرار الإغلاق حتى زوال أسباب الخطر، وهو ما يضع السؤال حول فعالية التفتيش السابق للحوادث في قلب أي مساءلة حكومية جادة.
وفي تقييم سابق لمنظومة السلامة، قالت فاطمة رمضان، مفتشة السلامة والصحة المهنية والناشطة العمالية، إن المشكلة تتعلق بالمنظومة كاملة عندما تستمر منشآت أو مواقع مخالفة في العمل حتى تقع الكارثة، وربطت بين مسؤولية الجهات المختصة وبين ضرورة ألا يقتصر دورها على تسجيل المخالفات أو رفض التراخيص ثم ترك النشاط قائمًا دون تدخل فعال.
وعلى هذا الأساس، فإن التحقيق في مصرع عمال بني سويف يحتاج إلى إظهار سجل التفتيش على المبنى، والجهة المسؤولة عن متابعته، وما إذا كانت هناك مخالفات سابقة أو مهل لتوفيق الأوضاع، لأن غياب هذه البيانات يحول الحادث إلى رقم جديد في محضر، بدل أن يكشف أين تعطلت الوقاية ومن سمح باستمرار العمل قبل سقوط الضحايا.
حوادث تتكرر ومساءلة الحكومة
كذلك أعلنت وزارة العمل في يناير 2026 أنها فتشت 581 منشأة وأعادت التفتيش على 331 أخرى خلال 4 أيام، وحررت 288 محضرًا لمخالفات السلامة والصحة المهنية، ومنحت 366 منشأة مهلًا لتوفيق أوضاعها، وأصدرت 23 توصية بالغلق، وهي أرقام تكشف اتساع نطاق المخالفات بقدر ما تعرض حجم النشاط التفتيشي الحكومي.
ومع أن الوزارة تستخدم تلك الحملات لإثبات حضورها الميداني، فإن تكرار الحوادث القاتلة يفرض معيارًا أكثر وضوحًا لقياس الأداء، وهو عدد المخاطر التي أزيلت قبل وقوع الإصابات، وعدد مواقع البناء التي أوقفت بسبب السقالات غير الآمنة، ومدى وصول التفتيش إلى المقاولين الصغار والعمالة غير المنتظمة التي تعمل غالبًا خارج مظلات الحماية المنظمة.
ومن جهته، قال كمال عباس، المنسق العام لدار الخدمات النقابية والعمالية، في حوار منشور خلال ديسمبر 2025، إن إهمال معايير السلامة والصحة المهنية يدفع العمال ثمنه من أرواحهم، وطالب بردع حقيقي وتفعيل تفتيش العمل، مؤكدًا أن أجهزة وآليات السلامة موجودة نظريًا لكن المشكلة تظهر عندما لا تعمل بفاعلية داخل المنشآت ومواقع الإنتاج.
وفوق ذلك، سبق لعباس أن حمل وزارة القوى العاملة مسؤولية مباشرة عن متابعة وسائل السلامة والصحة المهنية في وقائع عمالية سابقة، معتبرًا أن حماية العمال والتفتيش على المنشآت من صميم اختصاصها إلى جانب مسؤولية صاحب العمل، وهو طرح يجعل مساءلة الجهات الحكومية في بني سويف مرتبطة بما فعلته قبل الحادث لا بما ستعلنه بعده فقط.
وبالعودة إلى واقعة الخميس، نقلت سيارات الإسعاف جثامين الضحايا إلى مستشفى بني سويف الجامعي تحت تصرف الجهات المختصة، بينما حررت الأجهزة المعنية المحضر اللازم وأخطرت جهات التحقيق للوقوف على الأسباب والملابسات، ومن المنتظر أن يشمل الفحص مدى توافر اشتراطات السلامة داخل موقع العمل وتحديد المسؤوليات القانونية عن أي تقصير يثبت بالأدلة.
وفي النهاية، لا تكفي الإحالة إلى التحقيق لإغلاق ملف مصرع 3 عمال فوق سقالة في مدينة بني سويف، لأن قيمة التحقيق ستقاس بما إذا كان سيحدد المسؤول عن شروط الموقع والسقالة والإشراف والتفتيش، وبما إذا كانت الحكومة ستنشر نتائج واضحة وتفرض إجراءات تمنع تكرار الحادث، بدل أن يبقى موت العمال خبرًا يتكرر ثم يختفي.

