دخلت تجربة جديدة لإعادة تدوير المخلفات في شوارع الدقي بمحافظة الجيزة مرحلة الاختبار، من خلال تركيب ماكينات مخصصة لاستقبال الزجاجات البلاستيكية وعلب المشروبات المعدنية.

 

ورغم أن المشروع يقدم باعتباره محاولة لتطوير منظومة التعامل مع المخلفات وتقليل كميات القمامة التي تصل إلى الشوارع ومواقع التجميع، فإنه فتح في المقابل نقاشاً واسعاً حول تأثير التكنولوجيا الجديدة على الأشخاص الذين يعتمدون منذ سنوات على جمع وفرز المخلفات كمصدر أساسي للدخل.

 

وتبدو المفارقة في أن الماكينات لا تستهدف القمامة بمفهومها الكامل، وإنما تركز على مواد محددة تعد من أكثر مكونات المخلفات قيمة، وعلى رأسها العبوات البلاستيكية وعلب المشروبات المعدنية، وهي المواد التي اعتاد كثير من جامعي القمامة جمعها وبيعها إلى جهات إعادة التدوير.

 

وبالتالي، فإن إدخال نظام آلي لجمع هذه المواد يطرح سؤالاً يتجاوز الجوانب البيئية والتكنولوجية للمشروع: هل يمكن تطوير إعادة التدوير دون أن يدفع الفقراء والعاملون في جمع المخلفات ثمن هذا التطوير؟

 

 

المخلفات الأعلى قيمة

 

بحسب ما نقلته شبكة «سي إن إن» عن نقيب العاملين بالنظافة وتحسين البيئة شحاتة المقدس، فإن سحب المواد القابلة لإعادة التدوير من مصادرها بصورة مباشرة يمكن أن ينعكس على دخول جامعي القمامة.

 

وأشار المقدس إلى أن البلاستيك وعلب المشروبات المعدنية من بين المواد الأعلى قيمة داخل المخلفات، بينما لا تحقق أجزاء أخرى من القمامة العائد الاقتصادي نفسه.

 

وهنا تكمن نقطة أساسية في الجدل الدائر حول الماكينات الجديدة؛ فهي لا تدخل في منافسة مباشرة مع جامعي القمامة على جميع المخلفات، وإنما تتعامل تحديداً مع الجزء الذي يمكن تحويله إلى دخل سريع بالنسبة إلى العاملين في هذه المهنة.

 

فجامع القمامة الذي يقضي ساعات في الشوارع وبين أكوام المخلفات بحثاً عن الزجاجات والعلب المعدنية، لا ينظر إلى العبوة باعتبارها مجرد مخلف يحتاج إلى التخلص منه، وإنما باعتبارها سلعة لها قيمة يمكن بيعها، حتى وإن كانت قيمة كل قطعة منفردة محدودة.

 

ومع تجميع مئات أو آلاف العبوات يومياً، تتحول تلك القيم الصغيرة إلى مصدر دخل تعتمد عليه أسر عديدة، وهو ما يجعل أي تغيير في مسار هذه المواد مسألة اقتصادية واجتماعية، وليس مجرد إجراء لتحسين البيئة.

 

 

ضبط طفل أشعل الجدل

 

لم يتوقف الجدل عند التصريحات والمخاوف، إذ كشفت الأجهزة الأمنية عن ضبط طفل يبلغ من العمر 14 عاماً، يعمل في جمع القمامة، بعد ظهوره في مقطع فيديو أثناء محاولته إخراج عبوات بلاستيكية من إحدى الماكينات الموجودة في الدقي.
وقالت وزارة الداخلية إن الطفل أقر بأنه حصل على العبوات بهدف إعادة بيعها مقابل المال، موضحة أنه أودع إحدى دور الرعاية الاجتماعية.

 

 

 

وبعيداً عن التفاصيل القانونية للواقعة، فإن ظهور طفل يعمل في جمع المخلفات ثم محاولته استعادة العبوات من الماكينة يكشف جانباً اجتماعياً شديد الحساسية في القضية.

 

فالعبوات التي تعتبرها الماكينة مادة قابلة لإعادة التدوير، قد تمثل بالنسبة إلى طفل أو عامل فقير قيمة مالية مباشرة. ومن هنا تحولت الواقعة إلى صورة مصغرة للصراع بين منظومة جديدة تعتمد على التكنولوجيا وبين اقتصاد غير رسمي نشأ منذ سنوات حول جمع المخلفات وفرزها وبيع المواد القابلة للتدوير.

 

كما أعادت الواقعة إلى الواجهة قضية عمل الأطفال في مهن جمع القمامة، والظروف الاقتصادية التي تدفع بعض الأسر إلى الاعتماد على أعمال شاقة وهامشية لتوفير احتياجاتها اليومية.

 

 

التكنولوجيا في مواجهة الفقر

 

على المستوى البيئي، يصعب تجاهل الفوائد المحتملة لفكرة الماكينات. فجمع العبوات بصورة منفصلة يمكن أن يقلل من اختلاطها بباقي المخلفات، ويزيد من فرص إعادة تدويرها، كما أن منح المواطنين نقاطاً مقابل العبوات قد يشكل حافزاً للتخلص منها بطريقة منظمة بدلاً من إلقائها في الشوارع أو مع القمامة المنزلية، لكن البعد البيئي لا يلغي البعد الاجتماعي.

 

فالتحول إلى نظام يعتمد على التكنولوجيا لا يحدث في فراغ، وإنما داخل مجتمع توجد فيه فئات بنت مصادر دخلها حول المخلفات نفسها. وما يعتبره النظام الجديد «مخلفاً قابلاً لإعادة التدوير»، قد يعتبره عامل بسيط «مصدر رزق».