فجرت انقطاعات الكهرباء ومياه الشرب المتكررة غضبا في تونس، بعدما امتدت الأعطال إلى مناطق خلال موجة حر قاسية، ورافقتها ندرة المياه المعلبة وبعض المواد الأساسية، وسط احتجاجات تطالب بخدمات مستقرة.

 

وسجل المرصد التونسي للمياه خلال يوليو أكثر من 600 تبليغ عن اضطرابات التزود بمياه الشرب، فيما يتوقع خبراؤه ارتفاع الحصيلة مع استمرار الانقطاعات الطويلة واتساع شكاوى المواطنين في مناطق عديدة.

 

وفي المقابل أرجعت تصريحات رسمية جزءا من الأزمة إلى الارتفاع الكبير في الاستهلاك، بينما تحدث الرئيس قيس سعيد عن أعمال مدبرة تستهدف تأجيج الشارع، وهي رواية واجهتها انتقادات نقابية ومدنية.

 

وبالتزامن بلغت انقطاعات الكهرباء ذروة لافتة خلال الأسبوع الماضي، وانعكس تعطل التيار على نشاط مؤسسات اقتصادية وخدمات يومية، كما ارتبطت الأزمة بحالات صحية حرجة وتساؤلات بشأن جاهزية شبكات التوزيع والصيانة.

 

ومن ناحية أخرى أدى اضطراب المياه والكهرباء إلى نقص المياه المعلبة وبعض السلع الأساسية، ما ضاعف الضغط على الأسر خلال موجة الحر، ووسع دائرة الانتقاد الموجهة إلى أداء المرافق العامة.

 

وفوق ذلك لم تعد الأزمة محصورة في شكاوى، إذ شهدت مناطق احتجاجات وإغلاق طرق للمطالبة بإعادة المياه والكهرباء، بينما حذرت منظمات من أن استمرار الانقطاع يهدد الصحة والعمل والحياة اليومية.

 

 

العطش يضغط على الشبكات

 

ووفقا لمعطيات المرصد التونسي للمياه، دخلت البلاد مرحلة حرجة في ملف التزود، مع تفاوت حاد بين المناطق في مدة الانقطاع، ودعوات إلى تدخل عاجل يضمن استمرارية الإمدادات للمنازل والمنشآت الحيوية.

 

ومن جهته يرى حسين الرحيلي، خبير التنمية والموارد المائية، أن أزمة المياه مرتبطة بندرة المورد وضعف الحوكمة وتقادم الشبكات، ما يجعل ارتفاع الاستهلاك عاملا مضاعفا للمشكلة وليس تفسيرا وحيدا لها.

 

إلى جانب ذلك تكشف كثافة التبليغات عن فجوة بين الطلب وقدرة شبكات المياه على الاستمرار تحت الضغط، خصوصا في الصيف، حين ترتفع الحاجة الزراعية وتتراجع هوامش المناورة أمام مؤسسات التوزيع.

 

وعليه يصبح تفسير الأزمة بزيادة الاستهلاك ناقصا من دون احتساب التسربات وأعطال الشبكات وتأخر الاستثمارات، وهي عناصر تجعل كل موجة حر اختبارا للبنية الأساسية وتدفع المواطنين إلى بدائل أكثر كلفة.

 

 

الذروة تكشف هشاشة المرافق

 

أما في قطاع الكهرباء، فتضع موجات الحر الشبكة أمام طلب بسبب أجهزة التبريد، غير أن تكرر الانقطاعات يفتح النقاش حول الصيانة والاستثمار والاحتياط وقدرة الشركة التونسية للكهرباء والغاز على الاستيعاب.

 

وفي هذا الإطار يربط منجي مرزوق، الوزير السابق والخبير في الطاقة، أمن الكهرباء بقدرة المنظومة على التخطيط والاستثمار وتنويع المصادر، وهي عناصر تجعل إدارة الطلب ضرورية مع تحديث الشبكات المستمر.

 

ومع ذلك تتمسك السلطة بخطاب يحمّل الاستهلاك المرتفع وأعمالا مدبرة جزءا من المسؤولية، فيما يرى منتقدوها أن هذا التفسير لا يجيب عن أسئلة الصيانة والاستثمار ولا يوضح أسباب اتساع الانقطاعات.

 

وبحسب اتحاد الشغل، فإن تدهور الخدمات الأساسية يتزامن مع تراجع المقدرة الشرائية وانسداد قنوات الحوار، وقد دعا الاتحاد إلى تحرك وطني، معتبرا أن الملفات المعيشية باتت تمس قطاعات من المجتمع.

 

ومن ثم كشف أمين عام الاتحاد صلاح الدين السالمي عن مشاورات مع منظمات وطنية ومدنية للتحضير لتحرك يدافع عن مكتسبات البلاد، وانتقد رفض الحكومة التفاوض مع النقابات واستمرار تدهور الخدمات.

 

وعلى صعيد الشارع، سجلت مناطق تحركات احتجاجية وإغلاق طرق بسبب انقطاع المياه والكهرباء، فيما تزايد الغضب خلال الأيام الأشد حرارة، حين يصبح غياب الماء والتيار مسألة تمس السلامة والصحة والعمل.

 

وبموازاة ذلك أصدر اتحاد الشغل ومرصد المياه وجمعية الأطباء الشبان والمنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية مواقف تنتقد إدارة الأزمة، وتطالب بمعالجة أسبابها وفتح قنوات حوار بشأن تدهور الخدمات والضغوط المعيشية.

 

 

الغضب يوسع دائرة المواجهة

 

ومن منظور اقتصادي، يحذر رضا الشكندالي، أستاذ الاقتصاد، في قراءاته للأزمات من أن ضعف الاستثمار العمومي وقدرة المؤسسات على التمويل ينعكسان على جودة الخدمات ويزيدان كلفة التعطل على الإنتاج والأسر.

 

وفي الأثناء لا تقف الخسائر عند حدود المنازل، إذ يؤدي انقطاع الكهرباء إلى تعطيل الإنتاج والخدمات، بينما يرفع اضطراب المياه كلفة التشغيل، خصوصا للأنشطة التي تحتاج إمدادات مستقرة للعمل اليومي.

 

وبناء على ذلك تتداخل أزمة الخدمات مع ضغوط المعيشة والأسعار، لأن الأسرة التي تفقد الماء أو الكهرباء تتحمل نفقات لتأمين البدائل، في وقت تشكو فيه قطاعات من تراجع القدرة الشرائية.

 

غير أن خطاب الأعمال المدبرة يظل موضع نزاع واسع، إذ تطالب قوى مدنية ونقابية بإثباتات، وترى أن تحميل جهات المسؤولية لا يحل محل نشر بيانات الأعطال وخطط الصيانة ومواعيد الإصلاح.

 

وبالنتيجة تتسع الفجوة بين رواية رسمية تركز على الاستهلاك والتدبير المتعمد، ورواية مدنية تحمل إدارة المرافق مسؤولية التراكم، بينما يبقى المواطن أمام انقطاعات فعلية تؤثر في صحته وعمله وتدبير احتياجاته.

 

كذلك فإن إغلاق قنوات الحوار مع النقابات والمنظمات، وفق منتقدي السلطة، يحرم الحكومة من آلية لامتصاص الغضب وتبادل المعلومات، ويجعل كل انقطاع قابلا للتحول من شكوى خدمية إلى احتجاج محلي.

 

وفي المحصلة تكشف الأزمة أن صيف تونس لم يعد مجرد موسم ضغط استثنائي على الشبكات، بل اختبارا لقدرة الدولة على حماية خدمات أساسية، وسط بنية متقادمة وموارد محدودة وثقة تتآكل.

 

وأخيرا ستتحدد حدة الأزمة بقدرة السلطات على تقليص الانقطاعات ونشر معلومات عن الأعطال والاستثمارات، لا بمجرد تبريرها بارتفاع الاستهلاك، بينما تواصل النقابات والمنظمات الضغط لفتح الحوار ووضع جدول لإصلاح المرافق.