أظهر حصر المناصب التي يجمعها وزراء مصر عن شبكة واسعة تضع صانعي القرار فوق مقاعد الإدارة والرقابة معا، وتفتح بابا حادا للسؤال عن الكفاءة والمساءلة والمكافآت وحدود الفصل بين السلطة التنفيذية والمال العام.
ويضع اتساع الجهاز الحكومي المشكلة خارج نطاق الاستثناء، إذ تعمل 65 هيئة اقتصادية و173 هيئة خدمية و24 شركة قابضة، إلى جانب مئات الصناديق والبنوك والشركات التابعة والكيانات المنشأة بقوانين خاصة.
شبكة المناصب المغلقة
وفي قلب هذه الشبكة، تتبع الهيئات الاقتصادية أكثر من 112 شركة، بينما تدير الشركات القابضة 224 شركة تابعة، وتتشابك ملكياتها مع 578 شركة مشتركة تجمع المال الحكومي برؤوس أموال خاصة.
وبينما تعلن الدولة رغبتها في تقليص حضورها الاقتصادي، يستمر إنشاء أجهزة وهيئات وشركات جديدة، بما يوسع الحاجة إلى ممثلي الحكومة في الجمعيات العمومية ومجالس الإدارة، ويضاعف مواقع النفوذ المتاحة لكبار المسؤولين.
وفوق ذلك، لا تنشر جهات كثيرة قوائم مكتملة بعضويات مجالسها أو قيمة البدلات والمكافآت، ما يجعل أي حصر متاح أقل من الواقع، ويحرم المواطنين من قياس كلفة هذه المناصب وجدواها.
مدبولي يجمع بين رئاسة وعضوية 7 لجان
يحذر الخبير الاقتصادي ممدوح الولي من تشابك الجهاز التنفيذي مع القطاع المصرفي، موضحا أن 13 وزيرا يشغلون مقاعد في مجالس بنوك، إلى جانب وزراء سابقين ونواب ومساعدين ورؤساء هيئات حكومية.
وبحسب الولي، لا تقف الشبكة عند البنوك، لأن بعضها يملك شركات تابعة وشقيقة تستثمر بدورها في كيانات أخرى، ما يصعب تتبع النفوذ الحقيقي والمقابل المالي ومسارات اتخاذ القرار بين مستويات الملكية.
يتصدر رئيس الوزراء مصطفى مدبولي القائمة برئاسة 7 جهات، بينها جهاز تنمية المشروعات وصندوق تطوير التعليم والمجلس الصحي ووكالة الفضاء، فضلا عن عضوية مجالس ولجان تتصل بالأمن والاستثمار والتصدير والطاقة.
وإلى جانب مهامه الأصلية، يمثل مدبولي الدولة في مجالس عليا ومؤسسات مالية، بينما يترأس اجتماعات الحكومة والمحافظين، وهو تراكم يثير شكوكا عملية بشأن الوقت المتاح للمتابعة التفصيلية وتقييم الأداء داخل كل جهة.
أما وزير الزراعة علاء الدين فاروق، فيرأس هيئة التعمير ومركز البحوث الزراعية والمركز الوطني لتخطيط استخدامات الأراضي، ويشارك في مجالس جهاز مستقبل مصر وبنك وشركات عقارية وأسمدة وجهات غذائية وتصديرية.
الوزير يراقب نفسه
وفي المقابل، يجمع وزير التموين شريف فاروق بين إدارة ملف الغذاء ورئاسة هيئة السلع التموينية والجمعية العامة للشركة القابضة للصناعات الغذائية، مع عضويات في شركات اتصالات وإعلام ومصرف وأجهزة ومجالس تدريبية.
وبدوره، يرأس وزير الاتصالات رأفت هندي جهاز تنظيم الاتصالات وهيئة تنمية صناعة التكنولوجيا ومركز حماية البيانات، ثم يشارك في مجالس أمنية واستثمارية وتعليمية وشركات رقمية، بعضها واقع داخل نطاق وزارته المباشر.
ثم يظهر الخلل أوضح في وزارة الكهرباء، حيث يرأس محمود عصمت جهاز تنظيم مرفق الكهرباء وحماية المستهلك، رغم توليه إدارة القطاع الذي يفترض أن يراقبه الجهاز، بما يضع الجهة المنظمة والقطاع تحت سلطة واحدة.
كذلك تتولى وزيرة الإسكان رندة المنشاوي رئاسة 4 جهات تشمل المجتمعات العمرانية والتنمية السياحية وتنظيم المياه والإسكان الاجتماعي، إلى جانب عضوية بنك التعمير ومجالس أخرى ترتبط مباشرة بقرارات وزارتها ومشروعاتها.
قانونيا، يقول أستاذ القانون الدستوري عبدالله المغازي إن الوزير أو المحافظ يمنع من العمل الخاص، وإن قانون تعارض المصالح يحظر الجمع حين يرتبط المنصب الخاص مباشرة أو بصورة غير مباشرة بجهة المسؤول.
ومع ذلك، يظل القانون رقم 106 لسنة 2013 محدود الأثر العملي، رغم تعريفه حالات التعارض وإلزامه المسؤولين بتسوية المصالح المتعارضة، بسبب غياب إفصاح علني شامل يتيح فحص العضويات والقرارات والمكافآت.
اقتصاديا، لا تقتصر الكلفة على بدلات الجلسات، إذ يؤدي ازدحام المسؤول بالمناصب إلى ضعف المتابعة وتأخير القرار وتحويل مجالس الإدارة إلى امتداد للوزارة، بدلا من كونها مساحة مستقلة للمحاسبة والتقييم والتصحيح.
الإفصاح قبل المكافآت
ومن زاوية الحوكمة، يؤكد أستاذ القانون داود خير الله ضرورة كشف عضو المجلس أي تعارض محتمل، وامتناعه عن التداول أو التصويت في المسائل المرتبطة بمصلحته، مع وجود إجراءات مؤسسية واضحة لمعالجة الحالة.
ويضيف هذا المعيار بعدا غائبا عن الممارسة المصرية، فمجرد تمثيل المال العام لا يبرر جمع سلطة وضع السياسة وتنفيذها ومراقبتها، ولا يعفي العضو من إعلان المقابل المالي وسجل الحضور والقرارات المرتبطة به.
تبدأ المعالجة بإنشاء سجل حكومي موحد ومتاح، يتضمن كل منصب يشغله الوزير أو نائبه ورئيس الهيئة، وتاريخ التعيين والجهة المرشحة وقيمة المكافآت، فضلا عن محاضر الحضور وحالات الامتناع عن التصويت.
ويلي ذلك وضع سقف صارم لعدد العضويات، وربط أي استثناء بضرورة معلنة ومحددة المدة، مع اختيار خبراء مستقلين لمجالس الجهات الرقابية، خصوصا حين تكون الوزارة نفسها خاضعة لقرارات تلك الجهات.
بالتوازي، ينبغي فصل رئاسة الجهة المنظمة عن الوزير المختص، لأن الرقابة تفقد معناها عندما يراقب المسؤول قراراته، كما يتعين تمكين الأجهزة الرقابية من مراجعة التعيينات والمكافآت ونشر نتائج المراجعة دوريا.
ولضمان المساءلة، يحتاج البرلمان إلى تقرير سنوي يحصر العضويات الحكومية ويقارنها بالأداء المالي والخدمي، ويستدعي المسؤول عند تضارب الاختصاصات أو تراجع النتائج، بدلا من الاكتفاء بإقرار الموازنات والحسابات الختامية الكاملة.
أخيرا، يجب إخضاع الشركات المشتركة والتابعة للبنوك والصناديق السيادية لقواعد الإفصاح نفسها، لأن انتقال المال العام عبر طبقات الملكية لا يلغي صفته، بل يزيد أيضا ضرورة كشف ممثليه ومصالحهم ومكافآتهم.
عندئذ فقط يمكن تمييز التمثيل الضروري للدولة عن احتكار المواقع، وقياس ما إذا كانت العضويات تخدم المؤسسات أم أصحابها، بعدما جعل التوسع الحالي الوزير واضع السياسة ومنفذها ومراقبها في وقت واحد.

