رغم بقاء مصر خارج اتفاق مكة الذي يجمع السعودية وتركيا وباكستان في إطار دفاعي ثلاثي، يرى كاتب المقال أن القاهرة لا تبدو بعيدة عن الحسابات السعودية الأوسع بشأن الأمن الإقليمي. ويعكس الاتصال الهاتفي الأخير بين ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان ورئيس الانقلاب المصري عبدالفتاح السيسي، الذي ركز على خفض التوتر وتعزيز الأمن والاستقرار في المنطقة، استمرار الأهمية التي توليها الرياض لمصر باعتبارها قوة إقليمية يصعب تجاوزها مع إعادة تشكيل ترتيبات الأمن في الشرق الأوسط.


وبحسب عرب ويكلي، لا يشير الاتصال في حد ذاته إلى أن مصر تستعد للانضمام إلى الاتفاق الثلاثي، لكنه يأتي في سياق أوسع تتجاوز فيه العلاقات السعودية المصرية أطر التحالفات الجديدة التي تتشكل في المنطقة. وترتبط القاهرة والرياض بشبكة واسعة من المصالح المشتركة والتنسيق، بينما تحتفظ مصر بثقل عسكري وسياسي وجغرافي يجعل مشاركتها عنصرًا مهمًا في أي ترتيبات طويلة الأمد تتعلق بأمن البحر الأحمر والخليج والشرق الأوسط عمومًا.


وقد يكون قرار مصر البقاء خارج الاتفاق الثلاثي مقصودًا، وليس نتيجة استبعادها. فعلى مدار سنوات، اتبعت القاهرة سياسة تهدف إلى الحفاظ على هامش واسع للمناورة بين القوى العالمية والإقليمية الكبرى، وتجنبت الانخراط بسهولة في ترتيبات قد تضعها في مواجهة مباشرة مع طرف إقليمي أو دولي.


وأصبحت هذه السياسة أكثر أهمية في ظل التحولات الراهنة بالمنطقة، بينما لا تزال حدود التحالفات الناشئة وأهدافها النهائية قيد التشكل.


اتفاق مكة يعيد رسم معادلة الأمن الإقليمي

 


قد يعزز اتفاق مكة، الذي يجمع السعودية وتركيا وباكستان، دور الدول الثلاث في معادلة الأمن الإقليمي، لكن طبيعته المستقبلية ستتوقف على مدى تطوره من إطار دفاعي إلى ترتيبات أوسع. وأثار الاتفاق بالفعل نقاشًا حول إمكانية أن يشكل نواة لتحالف عسكري إسلامي جديد.


وبالنسبة إلى مصر، لا يتعلق السؤال ببساطة بالانضمام إلى الاتفاق، وإنما بطبيعة الترتيب الذي سيتحول إليه والاتجاه الذي سيسلكه مستقبلًا.


ومن المنظور السعودي، يصعب تصور إعادة بناء منظومة أمن إقليمية متماسكة من دون مصر، حتى إذا لم تكن القاهرة عضوًا رسميًا في كل إطار تحالفي جديد.


وتملك مصر أحد أكبر الجيوش في العالم العربي، فضلًا عن موقع استراتيجي يربط البحر المتوسط بالبحر الأحمر. كما تسيطر على قناة السويس وتتمتع بثقل سياسي في ملفات تشمل غزة والسودان وليبيا والبحر الأحمر.


ويمنح ذلك السعودية مساحة للتعامل مع مصر وفق صيغة أكثر مرونة؛ إذ لا يشترط وجود الدول داخل تحالف رسمي حتى تصبح جزءًا من معادلته الأمنية الأوسع.


وبموجب هذه المقاربة، يمكن للقاهرة أن تؤدي دورًا داعمًا أو موازيًا، أو أن تصبح شريكًا في قضايا محددة، دون أن تتحمل بالضرورة جميع التزامات العضوية الرسمية.


وقد تخدم هذه الصيغة مصالح الطرفين؛ إذ تحتفظ السعودية بدعم قوة عربية كبرى، بينما تحافظ مصر على هامش المناورة الذي تحتاج إليه في سياستها الخارجية.


ومن هنا يمكن فهم احتمال تحول مصر إلى عضو «بحكم الأمر الواقع». فالقاهرة ليست طرفًا في الاتفاق الثلاثي، لكنها تظل حاضرة في الحسابات السياسية والأمنية للدول الأعضاء فيه، وعلى رأسها السعودية.


ويؤكد الاتصال الأخير بين الأمير محمد والسيسي أن التنسيق بين البلدين لا يحتاج إلى إطار تحالفي جديد حتى يظل فعالًا. وناقش الزعيمان خفض التصعيد وتعزيز الأمن والاستقرار، وهي قضايا تقع في صميم النقاش حول مستقبل النظام الأمني الإقليمي.


كما نسقت القاهرة والرياض مواقفهما سابقًا بشأن أزمات إقليمية متعددة، وشدد الطرفان على أهمية الحلول السياسية والحفاظ على وحدة الدول وسلامة أراضيها.


ومن ثم، لا يعني قرار مصر عدم توقيع اتفاق مكة بالضرورة وجود خلاف استراتيجي مع السعودية، بل قد يعكس اختلافًا في طريقة تعامل البلدين مع التحالفات.


القاهرة تترقب أهداف التحالف الثلاثي

 


تظل معرفة طبيعة التحالف الثلاثي وأهدافه النهائية العامل الأهم بالنسبة إلى مصر.


فإذا تحول الاتفاق إلى إطار دفاعي مفتوح يركز على حماية أعضائه وردع التهديدات، فقد تقترب القاهرة منه، سواء عبر العضوية أو من خلال ترتيبات تعاون موازية.


أما إذا اتخذ التحالف طابعًا موجهًا ضد دولة بعينها، سواء إيران أو غيرها، فسوف تصبح حسابات مصر أكثر تعقيدًا.


ولا تبدو مصر راغبة في الانخراط في محور إقليمي جديد يقوم أساسًا على المواجهة، لا سيما أنها تسعى إلى الحفاظ على علاقات متعددة مع قوى متنافسة، من بينها الولايات المتحدة والصين وقوى إقليمية أخرى.


وظهر هذا النهج بوضوح في علاقة مصر بالصين. فخلال زيارة الرئيس الصيني شي جين بينج إلى القاهرة، شدد السيسي على أن مصر تتبع سياسة «التوازن الاستراتيجي» وتسعى إلى توسيع نطاق علاقاتها مع القوى الكبرى.


ويمكن للمنطق نفسه أن يفسر موقف القاهرة من التحالفات الإقليمية.


وهنا تحديدًا تكمن أهمية الموقف المصري. فإذا نجحت السعودية وتركيا وباكستان في تقديم الاتفاق باعتباره نواة لتعاون دفاعي وأمني مفتوح، لا يستهدف طرفًا بعينه ولا يتحول إلى محور للمواجهة الإقليمية، فقد تجد القاهرة مساحة أكبر للتعامل معه مستقبلًا.


أما إذا تحول الاتفاق إلى جزء من اصطفاف إقليمي واضح المعالم، فقد تفضل مصر البقاء خارجه مع مواصلة التعاون الثنائي ومتعدد الأطراف مع الدول الأعضاء فيه.


وفي كلتا الحالتين، لن تكون القاهرة بعيدة عن المشهد.


مصر والسعودية أمام معادلة أمنية مرنة

 


يعكس الموقف المصري من اتفاق مكة رغبة القاهرة في الحفاظ على قدرتها على المناورة وسط إعادة تشكيل التحالفات الأمنية في الشرق الأوسط. فعدم الانضمام الرسمي لا يعني بالضرورة الابتعاد عن ترتيبات الأمن الإقليمي، كما أن الشراكة مع السعودية لا تتطلب بالضرورة إطارًا تحالفيًا جديدًا.


وتملك مصر من المقومات العسكرية والجغرافية والسياسية ما يجعلها طرفًا لا يمكن تجاهله في أي تصور طويل الأمد لأمن البحر الأحمر والخليج والشرق الأوسط. وفي المقابل، يتيح لها البقاء خارج التحالفات الرسمية الحفاظ على علاقاتها المتوازنة مع الولايات المتحدة والصين والقوى الإقليمية المختلفة.


وبذلك، قد تتحول «العضوية بحكم الأمر الواقع» إلى صيغة عملية تسمح للقاهرة بالمشاركة في ترتيبات أمنية محددة دون الارتباط الكامل بالتزامات تحالف جديد، بينما تضمن للرياض استمرار التنسيق مع قوة عربية رئيسية.


وفي النهاية، سيظل اتجاه اتفاق مكة هو العامل الحاسم في تحديد مدى اقتراب مصر منه؛ فإذا بقي إطارًا دفاعيًا مرنًا، قد تتسع مساحة التعاون، أما إذا تحول إلى محور إقليمي قائم على المواجهة، فستجد القاهرة مصلحة أكبر في الحفاظ على موقعها خارجه مع استمرار التنسيق مع أعضائه.

 

https://thearabweekly.com/egypt-stays-out-mecca-pact-remains-key-saudi-security-calculus