أعاد قرار حكومي جديد بشأن تعويض المتضررين من بناء وتعلية خزان أسوان وإنشاء السد العالي ملف حقوق أهالي النوبة إلى الواجهة، بعدما أعلنت الجريدة الرسمية صرف تعويضات عينية ونقدية لعدد من المستحقين الذين لم يحصلوا على تعويضات في وقت سابق.

 

وبينما تقدم الحكومة القرار باعتباره خطوة لاستكمال ملف التعويضات، يرى ناشطون ومهتمون بقضايا النوبة أن ما أعلنته الحكومة لا يعالج جوهر الأزمة، ولا يستجيب للمطالب التي تصاعدت مؤخرًا داخل القرى النوبية، معتبرين أن التعويضات الحالية تمثل معالجة محدودة لملف أقدم وأوسع يتعلق بالتنمية والتمليك وحق الأهالي في المشاركة في تحديد مستقبل مناطقهم.

 

وجاء القرار بعد أيام قليلة من مؤتمر شعبي واسع عقد في قرية السيالة والمحرقة بالنوبة، بمشاركة المئات من أبناء المنطقة، وهو ما دفع مشاركين في تنظيم المؤتمر إلى التأكيد أن مطالبهم تتجاوز مجرد الحصول على تعويضات مالية أو عينية للمتضررين الأصليين.

 

 

تفاصيل التعويضات الجديدة


نص القرار الحكومي على تمليك 44 شخصًا من المتضررين من بناء وتعلية خزان أسوان، ممن تنطبق عليهم شروط استحقاق التعويض العيني، الأراضي المقامة عليها مساكنهم، وتقع غالبية هذه الأراضي في مناطق غرب سهيل والسيل الريفي.

 

كما تضمن القرار تخصيص نحو 133 فدانًا من الأراضي الزراعية في منطقتي خورقندي ووادي الأمل، لتوزيعها على المتضررين من إنشاء السد العالي.

 

وتشير الكشوف المرفقة بالقرار إلى استفادة 86 حالة من الأراضي الزراعية، من بينها حالات تخص ورثة لمستحقين أصليين، على أن يتولى محافظ أسوان إجراءات توقيع عقود هذه الأراضي مع أصحاب الاستحقاق.

 

ولم تقتصر التعويضات على الأراضي، إذ نص القرار على توزيع أربع وحدات سكنية على أربعة من المتضررين المستحقين للتعويض العيني.

 

وتوجد إحدى الوحدات السكنية في مركز كوم أمبو بمحافظة أسوان، بينما تقع ثلاث وحدات في مركز برج العرب الجديدة بمحافظة الإسكندرية، على أن تتولى وزارة الإسكان والمرافق والمجتمعات العمرانية إجراءات التوقيع على العقود الخاصة بها.

 

 

أكثر من 11 مليون جنيه نقدًا


تضمن القرار كذلك صرف مبالغ مالية للمتضررين المستحقين أو ورثتهم، بإجمالي يتجاوز 11 مليون جنيه، باعتبارها بديلًا عن الأراضي القابلة للزراعة أو الوحدات السكنية التي كان من المقرر الحصول عليها كتعويض عيني.

 

ووفق القرار، يتولى محافظ أسوان إصدار الإذن بصرف هذه المبالغ للمستحقين بعد استكمال الإجراءات المطلوبة.

 

لكن صرف التعويضات ليس تلقائيًا، إذ اشترط القرار تقديم إفادة رسمية معتمدة من الجهة الإدارية المختصة بمحافظة أسوان تفيد بعدم حصول المتضرر أو ورثته في وقت سابق على تعويض عن الأضرار الناتجة عن بناء أو تعلية خزان أسوان أو إنشاء السد العالي.

 

 

ملف التعويضات يعود منذ سنوات


لا يمثل القرار الجديد بداية ملف تعويض النوبيين، إذ سبق أن شكلت الحكومة في عام 2019 لجنة وطنية معنية بتعويض أهالي النوبة المتضررين من إنشاء السد العالي.

 

وضمت اللجنة ممثلين عن عدد من الوزارات والجهات والهيئات المعنية، وتولت وضع القواعد والآليات التنفيذية لصرف التعويضات، إلى جانب إعداد نماذج العقود الخاصة بتملك الأراضي الزراعية والأراضي المقامة عليها المساكن، فضلًا عن الوحدات السكنية وشهادات حق الانتفاع بأراضي طرح النهر المقامة عليها مساكن.

 

وفي عام 2023، أعلن وزير شؤون المجالس النيابية آنذاك علاء الدين فؤاد، أن اللجنة فتحت باب تلقي طلبات تحديد الرغبة من المستحقين في المرحلة الأولى خلال الفترة من يونيو إلى أغسطس 2019، قبل فتح المرحلة الثانية خلال الفترة من يناير إلى أبريل 2021.

 

وبحسب التصريحات الحكومية وقتها، تقدم 7209 مستحقين بطلبات تحديد الرغبة للحصول على التعويضات، من أصل نحو 11500 مستحق شملتهم المرحلتان.

 

وأعلنت اللجنة أسماء المتقدمين والتعويضات المخصصة لكل منهم، في إطار خطة حكومية لإنهاء ملف التعويضات المستحقة للمتضررين من عمليات التهجير التي صاحبت إنشاء السد العالي وتعلية خزان أسوان.

 

 

نشطاء: التعويضات مجرد مسكنات


رغم الطابع الرسمي للقرار، يرى نشطاء في الملف النوبي أن الإعلان الحكومي لا يمثل استجابة حقيقية للتحركات الأخيرة لأهالي النوبة.

 

وقال مصدران شاركا في تنظيم المؤتمر الشعبي الذي عقد في السيالة والمحرقة إن القرار لا يرتبط بالمطالب التي طرحها المشاركون خلال المؤتمر، واعتبرا أن التعويضات المعلنة لا تمثل معالجة للقضايا الأساسية التي يطالب بها أبناء النوبة.

 

ووصف أحد المصدرين، الذي طلب عدم نشر اسمه، القرار بأنه مجرد "مسكنات" تهدف إلى تهدئة حالة الحراك بين الشباب النوبي، معتبرًا أن مثل هذه الإجراءات تظهر عادة بالتزامن مع تصاعد المطالب النوبية.

 

ويرى المصدر أن القضية لم تعد مرتبطة فقط بالحصول على تعويض عن أضرار وقعت قبل عقود، وإنما تمتد إلى مطالب تتعلق بالتنمية والتمليك والاستثمار وعودة الحقوق المتعلقة بالمناطق النوبية.

 

 

ورثة كثيرون وتعويضات محدودة


وتتركز إحدى أبرز الانتقادات الموجهة إلى منظومة التعويضات في أن المستحق الأصلي للضرر غالبًا ما توفي منذ عقود، وبالتالي انتقلت حقوقه إلى عدد كبير من الورثة، وهو ما يؤدي إلى تجزئة قيمة التعويض بين عشرات الأشخاص في بعض الحالات.

 

وأوضح مصدر آخر مشارك في تنظيم المؤتمر أن بعض التعويضات، رغم أنها قد تبدو كبيرة عند الإعلان عنها، تصبح محدودة للغاية بعد توزيعها على الورثة.

 

وضرب مثالًا بحالة حصلت على تعويض مالي عام 2019 بقيمة 250 ألف جنيه، إلا أن صاحب الاستحقاق كان متوفى وله 13 وريثًا، ما أدى إلى حصول كل وريث على نحو 19 ألف جنيه فقط تقريبًا.

 

ويتفق مصدر ثالث، لم يشارك في مؤتمر السيالة والمحرقة، مع هذا التقييم، معتبرًا أن التعويضات أصبحت أقل جدوى مع مرور السنوات، نتيجة انتقال الاستحقاقات من المتضررين الأصليين إلى أعداد متزايدة من الورثة.

 

وتطرح هذه النقطة تساؤلات حول مدى قدرة التعويضات المالية والعينية الحالية على معالجة آثار التهجير التي بدأت منذ عقود، خصوصًا مع تغير أسعار الأراضي والعقارات وتكاليف المعيشة بصورة كبيرة خلال السنوات الماضية.

 

 

مطالب تتجاوز ملف التعويضات


في المقابل، حمل المؤتمر الشعبي النوبي الأخير مطالب أوسع من مجرد صرف التعويضات، وفي مقدمتها تفعيل المادة 236 من الدستور، التي تلزم الدولة بوضع وتنفيذ خطة للتنمية الاقتصادية والعمرانية الشاملة للمناطق الحدودية والمحرومة، ومن بينها مناطق النوبة، مع إشراك سكانها في مشروعات التنمية وإعطائهم أولوية الاستفادة منها، ومراعاة الأنماط الثقافية والبيئية للمجتمع المحلي.

 

وطالب المشاركون بتشكيل لجنة تضم متخصصين في مختلف المجالات، إلى جانب القيادات والشباب وممثلي القرى والهيئات النوبية، بهدف وضع رؤى وخطط للمشروعات التنموية في مناطق النوبة القديمة، والتنسيق بشأنها مع الجهات الحكومية والأمنية.

 

كما دعا المؤتمر إلى تحديد مواعيد للقاء ممثلي وزارة الدفاع والمخابرات العامة والمخابرات الحربية ومستقبل مصر والوزارات المعنية، لبحث الملفات المرتبطة بالتنمية والاستثمار والتعمير في المناطق النوبية.

 

 

التمليك والاستثمار في صدارة المطالب


وشملت المطالب أيضًا البدء في تمليك الشباب النوبي وحدات سكنية وتجارية في منطقة توشكى الجديدة، إلى جانب إقامة قرى نموذجية في مناطق النوبة القديمة.

 

وطالب المشاركون كذلك بإزالة العقبات أمام إقامة مشروعات استثمارية لأبناء النوبة في مناطقهم، سواء في القطاعات الزراعية أو التعدينية أو السمكية، مع إنشاء هيئة عليا تتولى إدارة هذه المشروعات وتخصيص مناطق مناسبة لها.