تواجه حكومة قائد الانقلاب العسكري عبد الفتاح السيسي مأزقًا صنعته سنوات التوسع في الاستدانة، بعدما أصبح اقتراض وزارة النقل ملفًا يستدعي تقييد الصلاحيات، وسط تساؤلات متصاعدة عن العائد الحقيقي للمشروعات ومسؤولية أصحاب القرار.
وبينما تسعى الحكومة لإخضاع القروض الخارجية الجديدة لموافقة لجنة الدين العام، يبقى المواطن محاصرًا بتكاليف التنقل والمعيشة، مطالبًا بتحمل نتائج قرارات لم يشارك فيها، ومشروعات لم تُعرض حساباتها كاملة أمامه.
رقابة متأخرة بعد تراكم الديون
بحسب معلومات منسوبة إلى مصدر حكومي، تعتزم الحكومة اشتراط موافقة لجنة الدين العام بمجلس الوزراء قبل أي اقتراض خارجي جديد لمشروعات النقل، مع تقييد التفاوض المباشر للوزارة مع جهات التمويل.
ويأتي التوجه بعدما اقتربت قروض مشروعات الوزارة، وفق التقديرات الواردة، من 14 مليار دولار، مقابل نحو 12.5 مليار سابقًا، وسط توقعات بارتفاع الالتزامات إلى 18 مليار دولار مع التمويلات الجديدة.
هذه الأرقام تضع السلطة أمام سؤال لا تجيب عنه بيانات الإنجازات: لماذا جاءت مراجعة صلاحيات الاقتراض بعد تراكم الالتزامات، وأين كانت أدوات الرقابة عندما جرى التوسع في التعاقدات والمشروعات؟
ويرى الدكتور مصطفى يوسف، الخبير الاقتصادي والباحث في الاقتصاد السياسي والتنمية، أن تقييد الاقتراض خطوة إيجابية من حيث المبدأ، بعدما بلغت الديون مرحلة حرجة دون نمو كافٍ للموارد الدولارية.
ويؤكد يوسف أن التمويل ينبغي توجيهه إلى احتياجات إنتاجية واضحة، مثل الصناعات الدوائية، منتقدًا التوسع في مشروعات مرتبطة بالعاصمة الإدارية والعلمين، باعتباره استنزافًا للإمكانات وإضافة لأعباء يصعب تبريرها اقتصاديًا.
لكن نقل سلطة الموافقة من الوزارة إلى لجنة حكومية لا يكفي وحده لإصلاح المسار؛ فالمشكلة تشمل معايير اختيار المشروعات، وطريقة احتساب عوائدها، ومدى خضوع أصحاب القرار للمساءلة الفعلية.
فاللجنة الجديدة تستطيع إبطاء التوسع في الاستدانة، لكنها لن تمحو أقساطًا مستحقة، أو تعيد أموالًا أُنفقت، أو تصحح تلقائيًا دراسات جدوى تحتاج إلى مراجعة مستقلة وإعلان نتائجها للرأي العام.
وفي المقابل، يدافع كامل الوزير عن قدرة الجهات التابعة لوزارته على السداد من مواردها، مستندًا إلى إيرادات الموانئ والشركات، وهو دفاع يحتاج إلى حسابات منشورة تثبت استدامة تلك القدرة.
وحتى مع توافر موارد للسداد، تبقى الأولوية الاقتصادية محل محاسبة؛ فتوجيه إيرادات عامة لخدمة قروض مشروع معين يحرم استخدامات أخرى منها، ويجعل السؤال عن البدائل جزءًا أساسيًا من التقييم.
مشروعات ضخمة وأولويات تدفع الثمن
تتصدر مشروعات المونوريل والقطارات الكهربائية واجهة الدعاية الحكومية، بينما يتركز الاعتراض على تكلفتها وتوقيت تنفيذها وحجم الطلب عليها، ومدى تناسبها مع اقتصاد يعاني ضغوطًا على موارده بالعملة الأجنبية.
وفي تحليل منشور، ينتقد الباحث الاقتصادي إلهامي الميرغني التوسع في الاستدانة منذ 2014، ويرى أن توجيه القروض إلى مشروعات غير إنتاجية، بينها المونوريل والقطار السريع، فاقم أعباء السداد.
ويربط الميرغني هذا المسار بتقييد التنمية واستنزاف الموارد، معتبرًا أن تضخم خدمة الديون يحول إدارة الاقتصاد نحو تلبية متطلبات الدائنين، على حساب الحقوق الاقتصادية والاجتماعية واحتياجات المواطنين الأساسية.
وتكشف هذه القراءة جوهر الخلاف مع سياسة الحكومة: تكلفة المشروع لا تُقاس بالعقد وحده، وإنما أيضًا بما كان يمكن إنجازه بالأموال نفسها في الصناعة والتعليم والصحة وتطوير المرافق القائمة.
فإنشاء شبكة حديثة قد يحقق منافع اقتصادية واجتماعية، لكن إثبات ذلك يستلزم بيانات عن الاستخدام الفعلي، وتكاليف التشغيل والصيانة، ونقل البضائع، وفرص العمل، وحجم الاستثمارات التي نشأت بسببها.
ولا تستطيع صور القطارات والمحطات أن تحل محل هذه البيانات؛ فالمشهد البصري لا يسدد أقساطًا، والشعارات عن المستقبل لا تعفي الحكومة من تفسير الأعباء التي تفرضها اختياراتها على الحاضر.
كما أن الحديث عن ربط المدن الجديدة لا ينهي النقاش حول العدالة في توزيع الاستثمار، خصوصًا عندما تتنافس تلك المشروعات مع احتياجات النقل اليومية داخل القرى والمدن والمحافظات.
وتصبح المقارنة أكثر إلحاحًا حين تتحمل الدولة التزامات بالعملة الأجنبية، بينما تتحقق إيرادات بعض الخدمات بالجنيه؛ إذ يمكن لتراجع العملة المحلية أن يرفع تكلفة الوفاء بالدين دون تحسن مماثل للإيرادات.
لذلك، فإن إعادة ترتيب الأولويات تتطلب وقف التعامل مع ضخامة المشروع باعتبارها دليل نجاح، وإخضاع كل توسع جديد لمقارنة معلنة بين منفعته وتكلفته والبدائل الممكنة، قبل توقيع التزامات إضافية.
المواطن يسدد والحساب مازال غائبًا
تظهر تبعات هذا النموذج بوضوح عند شبابيك التذاكر، حيث تتحول قرارات التمويل والتشغيل إلى أعباء يومية، بينما لا يملك الموظف أو الطالب رفاهية الاستغناء عن الانتقال للعمل أو الدراسة.
وقد شهدت خدمات المترو والقطارات زيادات متتابعة خلال السنوات الماضية، تبررها الوزارة بتكاليف التشغيل والصيانة والتطوير والالتزامات المالية، لكن هذه المبررات لا تلغي ضرورة مراعاة دخول المستخدمين وقدرتهم على الدفع.
ويحذر الخبير الاقتصادي مصطفى يوسف من أن خدمة الدين تضغط على الموارد المتاحة للدعم والأجور والتنمية، منتقدًا تمويل مشروعات يرى أنها لم تحقق العوائد المنتظرة مقابل ما تحملته الدولة.
ويمنح هذا التقييم الاعتراض على زيادات التذاكر بعدًا أوسع؛ فالمواطن قد يتحمل تكلفة الخدمة مباشرة، ثم يتضرر بصورة غير مباشرة عندما تضيق الموارد المتاحة لخدمات أساسية أخرى يحتاج إليها.
وفي هذا السياق، يصبح تحميل الركاب زيادات مستمرة أسهل سياسيًا من مراجعة القرارات السابقة، لكنه يكرس اختلالًا واضحًا: صاحب القرار يعلن الإنجاز، بينما يُطلب من المستخدم تدبير تكلفة استمراره.
وبالتوازي، أعادت مستندات نشرها الباحث والناشط المعارض مؤمن أشرف، وتحمل اتهامات تتعلق بعقود الوزارة وإسناد أعمال، طرح أسئلة عن الرقابة والمصالح المتداخلة؛ وهي اتهامات تحتاج إلى تحقيق مستقل لإثباتها أو نفيها.
ولا يثبت تزامن هذه الاتهامات مع توجه تقييد الاقتراض وجود علاقة سببية بينهما، لكن معالجة الشبهات تتطلب إعلان نتائج فحص موثق، بدل ترك المال العام محل تسريبات وردود غير حاسمة.
وتبدأ المحاسبة الجادة بنشر العقود ودراسات الجدوى ومصادر التمويل وجداول السداد، مع توضيح تكلفة كل مشروع وعوائده الفعلية، وتحديد المسؤولية عن أي تجاوز أو تقدير خاطئ تكشفه المراجعة.
أما الاكتفاء بتقييد توقيع القروض، مع استمرار الاختيارات نفسها وتحميل المواطنين نتائجها، فيبقي جذور الأزمة قائمة؛ فالإصلاح يُقاس بتغير أولويات الإنفاق ووضوح الحسابات، لا بعدد الجهات التي تعتمد الاستدانة.
وتتحمل حكومة السيسي مسؤولية تقديم هذا الحساب كاملًا: كم اقترضت، وأين أنفقت، وما الذي عاد على الناس؟ فحق المواطن في الإجابة يسبق مطالبته بدفع فاتورة جديدة باسم التطوير.

