لا تحتاج أزمة المدارس الحكومية في مصر إلى جولة مفاجئة كي تنكشف، بل إلى حكومة تفسر كيف ترتفع مخصصات التعليم بينما تبقى المقاعد متهالكة، ودورات المياه متداعية، ومديرو المدارس مطالبين بسد العجز من جيوبهم.

 

واقعة مدرستي قرية برقطا بالقليوبية أعادت وضع الإنفاق التعليمي أمام اختبار الواقع؛ فالأرقام التي تعلنها الحكومة لا تكتسب معناها من ضخامة قيمتها، وإنما مما توفره للطلاب من فصول صالحة وتجهيزات وخدمات أساسية.

 

 

زيادات الموازنة يلتهمها غلاء الأسعار

 

تنتقد سناء السعيد، عضو مجلس النواب عن الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي، الفجوة بين مخصصات التعليم وأوضاع المدارس، وتؤكد أن تدهور المرافق والتجهيزات كان من أسباب رفض نواب الحزب للموازنة العامة.

 

وبحسب الأرقام الواردة في تقرير المركز المصري للدراسات الاقتصادية، ارتفع الإنفاق الاسمي على التعليم من 193.7 مليار جنيه خلال العام المالي 2021 ـ 2022 إلى 229.9 مليار خلال 2023 ـ 2024.

 

هذه الزيادة، التي تقارب 19 في المئة، تبدو لافتة عند عرضها منفردة، لكن التقرير يقدر النمو الحقيقي بعد احتساب التضخم بنحو 0.3 في المئة فقط، بما يكشف محدودية التحسن في القوة الشرائية للمخصصات.

 

ولا تعني تلك النتيجة انعدام الإنفاق أو توقف الخدمات، لكنها تقوض تقديم الزيادة الاسمية باعتبارها توسعاً فعلياً مماثلاً في الموارد؛ فالمدرسة تشتري احتياجاتها بأسعار السوق، وليس بقيمة الأرقام عند إعلان الموازنة.

 

وتعلن الحكومة وصول مخصصات التعليم الجامعي وقبل الجامعي في موازنة 2026 ـ 2027 إلى 442.3 مليار جنيه، بزيادة 25 في المئة، لكن هذا الإجمالي وحده لا يوضح نصيب المدارس من التحسن.

 

فالمعيار الذي يحتاجه أولياء الأمور هو مقدار ما يصل إلى الفصول فعلياً، ونوعية الخدمات التي يشتريها، ومدى كفايته لمواجهة ارتفاع تكاليف الصيانة والتجهيز، إلى جانب الأعداد المتزايدة من الطلاب سنوياً.

 

وتقول السعيد إن زيارات المدارس تكشف تهالك الفصول ودورات المياه والمقاعد، فضلاً عن نقص التجهيزات، معتبرة أن الصورة الميدانية لا تتسق مع الحديث الرسمي عن المليارات المخصصة لتحسين العملية التعليمية.

 

أما إعلان استيفاء النسب الدستورية، فلا يغلق النقاش حول كفاية التمويل أو طريقة احتسابه وتوزيعه؛ إذ يبقى الالتزام الرقمي بحاجة إلى نتائج قابلة للفحص داخل المدارس، وتفاصيل تبين أوجه الصرف.

 

وتصبح مساءلة الحكومة أكثر إلحاحاً عندما تتكرر الشكاوى نفسها رغم زيادة الاعتمادات؛ فالمطلوب تفسير واضح للفجوة بين الأموال المرصودة والخدمات المتاحة، يتجاوز الاكتفاء بإعادة إعلان إجمالي الإنفاق في كل مناسبة.

 

 

المدرسة تمول عجزها من الجيوب

 

يرى مجدي حمزة، المتخصص في مجال التعليم، أن تردي المدارس الحكومية أزمة مزمنة، وينتقد إصلاحات يصفها بالشكلية، مؤكداً أن توفير التجهيزات اللازمة للعملية التعليمية يرتبط بوجود إرادة سياسية تعطيها الأولوية.

 

في برقطا، قالت مديرة المدرسة الثانوية إنها أنفقت 18 ألف جنيه من مالها الخاص لتغطية احتياجات المدرسة، بينما بلغت المخصصات التي تتلقاها من الجهة الإدارية خمسة آلاف جنيه، بحسب روايتها.

 

وقال مدير المدرسة الإعدادية في القرية نفسها إنه يشارك بنفسه في تنظيفها بسبب عدم تعيين عمال للخدمات، موضحاً أن ارتداءه الجلابية خلال وجوده فيها ارتبط بأداء هذا العمل داخل المدرسة.

 

هاتان الشهادتان تكشفان خللاً يتجاوز تصرفات المديرين؛ فعندما يتولى المعلم التنظيف وتمول المديرة الاحتياجات، تصبح استمرارية الخدمة معتمدة على تضحية شخصية، بينما يفترض أن تضمنها موارد مؤسسية منتظمة ومسؤوليات إدارية واضحة.

 

وأكد المديران أنهما خاطبا مديرية التعليم وهيئة الأبنية التعليمية بشأن صيانة الفصول والمقاعد دون تلقي رد، وهو ما يجعل مساءلة الجهات المعنية بالاستجابة جزءاً أساسياً من التحقيق في أسباب التدهور.

 

ويشير حمزة إلى استحواذ الأجور على الجانب الأكبر من موازنة التعليم، مقابل محدودية المتاح للبناء والصيانة، منتقداً ترتيبات تستحدث نماذج مدرسية جديدة عبر تقليص فصول مدارس قائمة، دون معالجة احتياجاتها.

 

وبحسب النسب الواردة في المادة، تستحوذ الأجور وفوائد الدين معاً على 67 في المئة من المخصصات، مقابل 17 في المئة للاستثمار، وعشرة في المئة لشراء السلع والخدمات، دون تفصيل بقية البنود.

 

هذه التركيبة تفرض مناقشة نوعية الإنفاق بقدر حجمه، وكيفية احتساب بنوده؛ فالزيادة الإجمالية قد تتزامن مع استمرار العجز التشغيلي، إذا لم تتوافر للمدرسة أموال كافية للصيانة والنظافة والتجهيزات المستخدمة يومياً.

 

وتكريم المديرين يعالج جانباً من الضرر المعنوي الذي لحق بهما، لكنه لا يوفر عاملاً أو يصلح مقعداً؛ وتبقى قيمة الاستجابة الحكومية مرهونة بتغيير الظروف التي دفعتهما إلى تحمل أعباء المدرسة.

 

 

تبرعات الأهالي تسد عجز الدولة

 

يحذر مجدي حمزة، المتخصص في التعليم، من لجوء إدارات مدرسية إلى طلب تجهيزات وأموال من أولياء الأمور تحت مسمى المشاركة المجتمعية، مشيراً إلى أن الممارسات المالية غير المنضبطة تفتح مجالاً للفساد.

 

وتوضح شهادة محمد سيد، ولي أمر طالب بالصف الأول الإعدادي، كيف يمكن أن تتحول احتياجات المدرسة إلى ضغط على الأسرة؛ إذ قال إن نقل نجله ارتبط بطلب المساهمة بمروحتين للمدرسة.

 

وبحسب روايته، أبلغه المدير أولاً بعدم وجود مكان، ثم أشار إلى أن المساهمة في تطوير المدرسة قد تساعد في إيجاده، فوافق الأب رغبة في الحصول على فرصة تعليمية أفضل لنجله.

 

وفي تجربة أخرى، قالت فايزة جمال إنها رفضت دفع ألفي جنيه طلبتهما مدرسة مقابل الموافقة على نقل ابنتها، وقررت الانتظار عاماً إضافياً لعدم قدرتها على تدبير المبلغ وسط أعباء الدراسة.

 

لا تكفي هاتان الشهادتان لتعميم الاتهام على جميع المدارس، لكنهما تكشفان خطورة ربط خدمة تعليمية بقدرة الأسرة على تقديم مساهمة، وتستدعيان فحص الشكاوى ومحاسبة المسؤولين عن أي اشتراط مالي مخالف.

 

ومن موقعها الرقابي، تطالب سناء السعيد باعتبار واقعة القليوبية بداية لمعالجة شاملة، وتنتقد الاكتفاء بالتقارير المعروضة على المسؤولين، داعية إلى تفقد المدارس والتنسيق بين الوزارة والمحافظات للتعرف على احتياجاتها الحقيقية.

 

في المقابل، تقول وزارة التعليم إنها توفر 500 ألف مقعد سنوياً، وإنشاء 150 ألف فصل خلال عشرة أعوام، إلى جانب تجديد الفصول ورفع كفاءة ألف مدرسة سنوياً، يعكس جهودها لتحسين الاستيعاب.

 

لكن أرقام الإنجاز تحتاج إلى ربطها بحجم العجز وتوزيعه الجغرافي وحالة المنشآت القائمة؛ فعدد المقاعد الجديدة وحده لا يبين عدد المقاعد التالفة، ولا يكشف المدارس التي تنتظر الصيانة منذ سنوات.

 

وتتضمن الخطة الحكومية رفع كفاءة 1600 مدرسة وتأهيل ألف مدرسة فنية، مع تخصيص ملياري جنيه لبناء المدارس وخفض الكثافات، ودعم هيئة الأبنية التعليمية بنصف مليار جنيه للصيانة؛ وهي تعهدات يستلزم تقييمها متابعة التنفيذ.

 

المساءلة المطلوبة تبدأ بإعلان ما تحصل عليه كل مدرسة، وما تنفقه، وموعد معالجة عجزها؛ فبقاء النظافة والصيانة مرهونتين بجيوب المعلمين والأهالي يجعل زيادة الموازنة خبراً رسمياً عاجزاً عن تغيير يوم الطالب.