تكشف دراسة برلمانية حول طريق القاهرة الإسكندرية الزراعي فجوة مقلقة بين تراجع الحوادث واستمرار الخطر، وتضع الحكومة أمام سؤال مباشر عن مسؤوليتها تجاه شريان يومي يدفع مستخدموه ثمن عيوب الرصف والإنارة والتنظيم.
تطرح الدراسة، التي أعدها النائب ياسر قورة، نائب رئيس الهيئة البرلمانية لحزب الوفد بمجلس الشيوخ، إعادة تأهيل 220 كيلومترًا، بعدما قدرت خسائر الحوادث بنحو 351 مليون جنيه، رغم انخفاض أعدادها بنسبة 84.1%.
تراجع الحوادث لا يمنح البراءة
انخفضت الحوادث، وفق الدراسة، من 1506 حوادث عام 2010 إلى 238 حادثًا عام 2023، وهو تحسن واضح، لكنه لا يلغي خطورة العيوب المرصودة، ولا يمنح الجهات التنفيذية إعفاءً من المساءلة.
فالمقارنة بعام 2010 تجيب عن اتجاه أعداد الحوادث، لكنها لا تجيب وحدها عن مستوى الأمان الحالي، أو جسامة الإصابات، أو توزيع الوفيات، أو مدى معالجة المواقع التي يتكرر عندها الخطر.
وتقدر الدراسة الخسائر المرتبطة بالوفيات بنحو 323 مليون جنيه، تمثل 92% من الإجمالي، مقابل 28 مليونًا للإصابات، بما يجعل حماية الأرواح القضية المركزية التي ينبغي أن تُقاس عليها كفاءة التدخل الحكومي.
ولا يوضح النص المعروض الفترة الزمنية التي يغطيها تقدير الخسائر، أو تفاصيل احتسابه، ولذلك لا يصح تقديمه باعتباره فاتورة سنوية مؤكدة، بينما تظل دلالته واضحة بشأن جسامة الأعباء التي رصدتها الدراسة.
وفي تصريحات سابقة بشأن إدارة مشروعات النقل، شدد الدكتور أسامة عقيل، أستاذ هندسة الطرق والنقل بجامعة عين شمس، على ضرورة إعلان الخطط وإتاحة المعلومات ومناقشة المشروعات مجتمعيًا قبل تنفيذها.
وطالب عقيل بإخضاع تلك الخطط لتقييم الجمهور والخبراء والمختصين، مع استمرار الرقابة بعد التنفيذ لتدارك القصور، وهي رؤية تجعل الشفافية والمراجعة عنصرين أساسيين في تقييم السياسة الحكومية بمجال الطرق.
وبتطبيق هذا المعيار على الزراعي، يصبح السؤال أكثر حدة: أين التقييم المعلن لكل قطاع، وما الأعمال التي نُفذت لمعالجة مخاطره، وكيف يستطيع المواطن التأكد من ارتباط الإنفاق بتحسن الأمان؟
وتزداد أهمية السؤال لأن الطريق يخدم، بحسب المذكرة، نحو ثلث سكان مصر في نطاقه، ويربط مناطق زراعية وصناعية وتجارية واسعة، ما يجعل مستوى سلامته شأنًا اقتصاديًا واجتماعيًا يتجاوز حدود النقل.
ومن ثم، فإن الاكتفاء بنسبة التراجع يختزل المشكلة في مؤشر واحد، بينما تفرض العيوب الموثقة مساءلة أوسع عن جودة الصيانة وكفاءة الرقابة، وما إذا كانت أولويات الحكومة تستجيب فعلًا لحجم الاستخدام.
شريان مزدحم وصيانة تحت الاختبار
تورد الدراسة حركة يومية مجموعها 278812 مركبة عبر القطاعات الثلاثة عام 2023، يتصدرها القطاع الجنوبي بين شبرا الخيمة وبنها، بما يعكس ضغطًا شديدًا يستلزم توزيع أعمال التطوير وفق الاحتياج الفعلي.
ويبلغ الرقم المسجل للقطاع الجنوبي 127178 مركبة، مقابل 102295 بالقطاع الأوسط بين بنها وكفر الزيات، و49339 بالقطاع الشمالي، وهي فروق تستدعي خططًا تفصيلية تراعي طبيعة الحركة في كل جزء.
كما ارتفعت الحركة بنسبة 167% بين عامي 2006 و2023، بالتزامن مع زيادة السكان والتوسع العمراني، وهو ما يضع استجابة الجهات المسؤولة لهذه التحولات تحت الاختبار، خصوصًا عند الاختناقات والمداخل المتداخلة.
وترصد المذكرة أكتافًا جانبية ضيقة وانحناءات مفاجئة واختناقات ببعض الكباري والأنفاق، خاصة في طوخ وكفر الحدادين، إضافة إلى اختلاط المركبات البطيئة بالسريعة، بما يكشف تعدد مصادر الخطر على امتداد الطريق.
وتشير كذلك إلى تدهور الرصف المرتبط بطبيعة التربة الطينية وضعف الإنارة واللوحات الإرشادية، وهي مشكلات تستوجب من الحكومة إعلان أولويات المعالجة، وتفسير أسباب استمرارها، وتحديد المسؤولية عن متابعة إصلاحها.
وفي رأي فني منشور سابقًا، دعا الدكتور عبد الله أبو خضرة، أستاذ هندسة الطرق والنقل والمرور بجامعة بني سويف، إلى استخدام الرصف الخرساني حيث تتكرر حركة النقل الثقيل بكثافة.
وأوضح أبو خضرة أن الرصف المرن يحتاج إلى صيانة أكثر تكرارًا، كما طالب بتعزيز دور السكك الحديدية والنقل النهري، لتخفيف الأحمال عن الطرق، إلى جانب التزام الجهات المختصة بالصيانة والرقابة.
وتفتح هذه الرؤية بابًا لنقد الاكتفاء بتجديد الأسطح دون إعلان معالجة أسباب التلف؛ فتقييم سياسة الصيانة يقتضي معرفة العمر المتوقع للأعمال، وتكلفتها المتكررة، ومدى ملاءمتها للأحمال والتربة بكل قطاع.
ويظل اختيار المعالجة المناسبة مرهونًا بالفحص الهندسي، لكن استمرار العيوب الواردة بالمذكرة يفرض سؤالًا عن فعالية الإنفاق السابق، ويجعل نشر نتائج الاختبارات وضمانات التنفيذ ضرورة لحماية المال العام ومستخدمي الطريق.
مسؤولية الحكومة تتجاوز أخطاء السائقين
تنسب الدراسة نحو ثلاثة أخماس الحوادث إلى سلوكيات السائقين، وتربط البقية بالبنية التحتية وحالة المركبات، لكن هذه القسمة لا تجعل مسؤولية الدولة محصورة في نسبة الحوادث المرتبطة بالطريق وحده.
فالرقابة على السرعات وصلاحية المركبات وتنظيم الحركة وفصل الاستخدامات المتعارضة تدخل ضمن أدوات الوقاية العامة، ويظل تقييم كفاءتها ضروريًا حتى عندما يكون الخطأ المباشر للحادث صادرًا عن أحد السائقين.
وفي طرح سابق لإصلاح إدارة السلامة، طالب أسامة عقيل بإسناد رئاسة مجلس السلامة على الطرق إلى رئيس الوزراء، لمعالجة العقبات الناتجة عن عدم التوافق بين الوزارات المعنية بهذا الملف.
ويضع هذا الطرح التنسيق الحكومي في قلب المشكلة، ويدعم مساءلة الإدارة عن تداخل الاختصاصات، بدل قبول توزيع المسؤولية بين جهات متعددة دون تحديد من يملك قرار التدخل ويتابع تنفيذه.
وتعتزم المذكرة الانتقال إلى مجلس الشيوخ خلال دور الانعقاد الثاني المقرر مطلع أكتوبر المقبل، عبر اقتراح برغبة يخاطب رئيس الوزراء والجهات الوزارية المعنية بالنقل والمالية والتنمية المحلية، بحسب النص المعروض.
ويطالب قورة بميزانية عاجلة ولجنة هندسية وتقييم للقطاعات الأكثر تضررًا وجدول تنفيذ ومتابعة شهرية، إلى جانب توسيع الأكتاف وتحديث الرصف والكباري والأنفاق وتحسين الإضاءة وتركيب كاميرات السرعة وحواجز الحماية.
لكن جدية الاستجابة الحكومية ستُختبر في قرارات التمويل ومواعيد التنفيذ وأسماء الجهات المسؤولة، وفي نشر ما أُنجز وما تعطل وأسبابه، حتى تصبح المتابعة الشهرية أداة للمحاسبة قابلة للفحص العام.
ويحتاج تنفيذ المقترحات أيضًا إلى تنظيم يحمي مستخدمي الطريق أثناء الأعمال، مع ترتيب التدخلات وفق خطورة المواقع وحجم الحركة، كي يؤدي التطوير إلى تقليل التعرض للخطر وتحسين انتظام الرحلات.
وتبقى الحكومة مطالبة بإجابة عملية عن موعد إزالة العيوب التي رصدتها الدراسة؛ فنجاح السياسة العامة هنا تقيسه سلامة الوصول وانخفاض جسامة الحوادث، وقدرة المواطنين على استخدام الطريق دون مخاطر يمكن معالجتها.

