عرض رئيس وزراء الاحتلال الصهيوني بنيامين نتنياهو خلال إحاطة أمنية رسمية عقدت أمس الأحد خريطة جديدة للتحالفات الإقليمية، والتي تعكس رؤيته الخاصة لمستقبل التحالفات السياسية والعسكرية في منطقة الشرق الأوسط وطبيعة علاقتها المباشرة مع دولة إسرائيل.
ونشر مكتب رئيس وزراء الاحتلال وثيقة رسمية عبر منصات التواصل الاجتماعي المختلفة تحت عنوان رئيس الوزراء نتنياهو يعرض مفهوم الأمن الإسرائيلي، وذلك بهدف استعراض الملامح الأساسية للتوجهات الأمنية والعسكرية الجديدة التي تتبناها حكومته في المرحلة الراهنة.
ملامح العقيدة الأمنية الإسرائيلية الجديدة
وأوضح نتنياهو في تدوينة رسمية أن الهجوم الذي وقع يوم 7 أكتوبر 2023 قد فرض على دولة إسرائيل خوض حرب مستمرة وواسعة على جبهات قتالية متعددة، وذلك بهدف صد ما وصفه بالتهديدات الوجودية الخطيرة.
وبناء على ذلك، استدعت هذه التطورات الميدانية المتسارعة ضرورة العمل على تحديث المبادئ الأساسية لعقيدة الأمن القومي الإسرائيلي، وهي العملية التي تمت بمساعدة مباشرة من مجلس الأمن القومي ومديره الحالي شموئيل بن عزرا.
ومن ناحية أخرى، تشمل المبادئ الأمنية الجديدة إعطاء الأولوية القصوى لتنفيذ الضربات الاستباقية وتبني استراتيجية الهجوم المباشر على حساب سياسة الاحتواء السابقة، إلى جانب العمل المستمر على تعزيز قدرات دفاع الجبهة الداخلية الإسرائيلية.
وفضلا عن ذلك، تهدف التحديثات المطروحة إلى ترسيخ مكانة إسرائيل بوصفها قوة إقليمية كبرى في المنطقة، مع السعي الحثيث لتحقيق استقلالية كاملة في إنتاج الذخائر، وتأمين التفوق التكنولوجي، واستثمار الفرص لبناء تحالفات إقليمية جديدة.
وفي سياق متصل، قدم نتنياهو خلال مؤتمر صحفي عقده مؤخرا تصوره الشامل للأمن القومي الإسرائيلي، ليمثل هذا الطرح أول وثيقة رسمية من نوعها يصدرها رئيس الوزراء الإسرائيلي منذ نحو عقد كامل من الزمن.
علاوة على ذلك، وضع رئيس الحكومة الإسرائيلية التهديد الإيراني في صدارة الأولويات الأمنية، معلنا في الوثيقة المؤلفة من 3 صفحات ومنها الغلاف أن إسرائيل مستعدة لشن ضربة استباقية للبرنامج النووي الإيراني دون تنسيق أمريكي.
كما أكد نتنياهو في الوثيقة المعلنة أن التحرك العسكري الإسرائيلي المحتمل ضد المنشآت النووية الإيرانية يمكن أن يتم بشكل منفرد تماما، وذلك حتى من دون الحصول على دعم أمريكي أو تنسيق مسبق مع واشنطن.
ومن جهة أخرى، اعتبر نتنياهو في مقدمة الوثيقة التي تضمنت 10 مبادئ مركزية أن أحداث يوم 7 أكتوبر 2023 فرضت خوض حرب واسعة، زاعما نجاح قواته في إبعاد ما وصفه بخطر إبادة نووية وشيكة.
وبالإضافة إلى ذلك، زعم رئيس الوزراء الصهيوني أن العمليات العسكرية التي شنتها قواته وامتدت من قطاع غزة إلى اليمن ومن لبنان إلى إيران، قد نجحت في تفكيك ما سماه حلقة الخنق التي فرضها المحور الإيراني.
كذلك أشار نتنياهو إلى أن هذه الحرب المتعددة الجبهات فرضت إعادة صياغة مبادئ أساسية في العقيدة الأمنية، وفي مقدمتها إعطاء الأفضلية لمنع التهديدات ومهاجمتها بدلا من احتوائها والدفاع في مواجهتها، عبر تنفيذ ضربات استباقية.
وعلى صعيد آخر، تصنف وثيقة نتنياهو الصواريخ الدقيقة والطائرات المسيرة والهجمات الإلكترونية والتهديدات السيبرانية ضمن أبرز الأخطار الأمنية، إلى جانب ما تصفه بالإرهاب الداخلي وأعداء الداخل، وحرب نزع الشرعية والعزلة الدولية في مختلف المحافل.
إلى جانب ذلك، تسلط الوثيقة الضوء على التهديدات الأمنية والعسكرية المستمرة على الحدود الشمالية والشرقية والغربية، وتنص على ضرورة الحفاظ على التفوق العسكري الإسرائيلي، وتطوير قدرات الردع والإنذار المبكر، والاستعداد لتنفيذ هجمات وقائية.
ومن ثم، تدعو الوثيقة الأمنية الجديدة إلى إقامة مناطق عازلة عند الحاجة على طول الحدود، وتعزيز حماية الجبهة الداخلية من أي هجمات مفاجئة، مع تطوير الصناعات العسكرية المحلية وتقليص الاعتماد على مصادر التسليح الخارجية.
وفي هذا الإطار، حذر نتنياهو من احتمال شن هجمات واسعة النطاق عبر الحدود، مشيرا إلى أن إسرائيل تقيم جدارا على الحدود الشرقية لمنع التسلل البري والمسيرات، مع تعزيز التفوق بالذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمومية والفضاء.
تقسيم المنطقة إلى 3 محاور
وفي غضون ذلك، عرض نتنياهو خلال المؤتمر الصحفي خريطة تظهر تصورا جديدا لتوزيع التحالفات وموازين القوى في الشرق الأوسط، إذ تقسم المشهد الإقليمي إلى 3 محاور رئيسية تتباين في توجهاتها السياسية وتحالفاتها الإستراتيجية.
حيث يبرز في الخريطة المحور الأزرق الذي يمثل التحالف القائم بين إسرائيل والإمارات والمحدد باللون الأزرق الداكن، بينما يشير اللون الأزرق السماوي إلى الدول والكيانات المصنفة ضمن الدائرة الصديقة لهذا التحالف الإقليمي البارز.
وتبعا لذلك، تشمل الأطراف المصنفة ضمن الدائرة الصديقة للمحور الأزرق كلا من إثيوبيا وأرض الصومال وقوات الدعم السريع في السودان، بالإضافة إلى القوات التابعة لخليفة حفتر في ليبيا، ومناطق في جنوب اليمن واليونان.
وفي المقابل، يظهر المحور الأخضر الذي تطلق عليه الخريطة اسم التحالف السني، ويضم 4 قوى إقليمية رئيسية هي السعودية وتركيا وباكستان ومصر، وتظهر جميع هذه الدول في الخريطة الإسرائيلية باللون الأخضر الداكن.
كما تصنف الخريطة مجموعة أخرى من الدول والأطراف باعتبارها صديقة لهذا التحالف السني وتميزها باللون الأخضر الفاتح، ومن أبرزها سوريا والأردن والسلطة الفلسطينية وقطر والكويت، مما يعكس رؤية إسرائيل لتوزع القوى الإقليمية الحالية.
وعلاوة على ما سبق، تضم قائمة الأطراف الصديقة للمحور الأخضر حكومة الوحدة الوطنية في ليبيا وقبرص التركية والسودان وإريتريا، فضلا عن مناطق محددة في كل من اليمن ولبنان تتقاطع مصالحها مع هذا التكتل.
ومن جانب آخر، يظهر المحور الإيراني أو ما يعرف بمحور المقاومة باللون الأرجواني المائل إلى الأحمر، وتتمركز فيه إيران باعتبارها القوة الإقليمية الرئيسية التي تقود هذا التكتل المناوئ للسياسات والتحالفات الإسرائيلية في المنطقة.
وبالتوازي مع ذلك، يضم المحور الإيراني جماعات وقوى حليفة لطهران تنتشر في أجزاء واسعة من اليمن ولبنان والعراق، وهو الأمر الذي يعكس امتداد النفوذ الإيراني عبر عدد من ساحات الصراع الإقليمية المشتعلة.
ردود الفعل ودوافع الدعاية الانتخابية
ونتيجة لذلك، أثارت هذه الخريطة تفاعلا واسعا فور نشرها، وأشار ناشطون سياسيون إلى أن الخريطة تتجاوز التصنيف الثنائي التقليدي بين إسرائيل وإيران، لتبرز محورا ثالثا يضم قوى كبرى مثل تركيا والسعودية ومصر وباكستان.
وهكذا يعكس هذا الطرح الإسرائيلي الجديد حجم التعقيد السياسي وتداخل مناطق النفوذ الإقليمي والدولي في عدة دول عربية تشهد صراعات داخلية وأزمات مستمرة، وفي مقدمتها العراق واليمن وليبيا والسودان خلال المرحلة الراهنة.
وفي الوقت ذاته، اعتبر مراقبون سياسيون أن عرض خريطة الشرق الأوسط الجديدة وتقسيمها إلى تحالفات سنية وإيرانية وإسرائيلية يمثل استفزازا علنيا، مشيرين إلى أن المنطقة تمر بالمرحلة الأخيرة من إقرار التوازنات لملء الفراغ الأمريكي.
وبناء عليه، يتنافس الفاعلون الإقليميون بقوة في الوقت الحالي لحسم صراع النفوذ وتحقيق مصالحهم الخاصة، في ظل التغيرات الجيوسياسية المتسارعة التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط وتراجع الدور الأمريكي المباشر في إدارة الأزمات.
وفي السياق ذاته، لفت مدونون الانتباه إلى إدراج سوريا ضمن التكتل السني، محذرين من إستراتيجية إسرائيلية ممنهجة وطويلة الأمد تستهدف تكريس واقع ميداني وأمني جديد هناك عبر التوغلات، ودعم مجموعات خارجة عن القانون.
وختاما، يتطلب هذا التحرك مقاربة استباقية لحماية السيادة السورية، خاصة أن الإحاطة تأتي قبل أيام من انتخابات الكنيست المقررة في 27 أكتوبر الجاري، وسط انتقادات المعارضة لافتقار الوثيقة لإستراتيجية تفصيلية وتوظيفها في الدعاية الانتخابية.

