يقف مفهوم الشهادة في الإسلام ذروةً سامقة لمعاني الفداء والتضحية، حيث يسطر الشهيد بدمائه الزاكية ملحمة الصمود والعزة التي ترتقي به إلى أرفع المنازل عند الخالق جل وعلا. 

 

كما إن الشهيد لا يفقد الحياة بالموت كما يتوهم القاصرون، بل ينتقل انتقالاً حقيقياً إلى دار الخلود والنعيم الأبدي، بعد أن نال شرف الاصطفاء الإلهي ليكون من الأحياء الذين تفيض عليهم أرزاق الرحمن بالرضا والكرامة في دار البقاء، حيث يحلون ضيوفاً مكرمين عند ربهم ليجدوا ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.
​
​
وتتجلى عظمة هذه المنزلة في القرآن الكريم والسنة النبوية بوصفها أعظم بيعة وتجارة رابحة يعقدها المؤمن مع ربه، فيبذل روحه وماله الزائلين ليظفر برضا الله ومرافقة النبيين والصديقين في أعلى درجات الفردوس. 

 

وتبرز النصوص الشرعية المكانة الاستثنائية للشهيد بما حُفَّت به من كرامات تختص جسده ودمه العاطر بالمسك في الدنيا، وأمان مطلق من فتن القبور وأهوال المحشر، وإكرام بحلل الوقار والشفاعة في الآخرة؛ لتبقى الشهادة وإعلاء كلمة الله روح الأمة الوثابة وسبيل عزتها ومنعتها في كل زمان ومكان.
​
​


أحياء عند ربهم ونعيم مقيم في حواصل طير خضر
​
​
أكدت آيات الذكر الحكيم خلود الشهداء ونفت عنهم صفة الموت في أبلغ بيان قرآني؛ حيث قال الله تعالى: ((وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ۝ فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ)) "آل عمران: 169-170". 

 

فأي نعيم أعظم من هذا النعيم، حيث هم أحياء وليسوا أمواتاً، يرزقون ورزقهم يأتيهم مباشرة من فيض كرم الله، مستبشرين وفرحين بما آتاهم من فضله، ويسرهم أن يلحق بهم إخوانهم من المجاهدين لينالوا ذات المكانة الرفيعة، فلا خوف يلحقهم ولا حزن يكدر صفو خلودهم في ضيافة رب العالمين.
​
​
وقد بين الإمام ابن كثير في تفسيره لهذه الآيات (م1/ص87) حقيقة هذا النعيم البرزخي المستمر كما جاء في صحيح مسلم، موضحاً أن أرواح الشهداء في حواصل طيور خضر، تسرح في الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى قناديل معلقة تحت العرش، فاطلع عليهم ربك فقال: ماذا تبغون؟ فقالوا يا ربنا وأي شيء نبغي وقد أعطيتنا ما لم تعط أحداً من خلقك؟ ثم عاد عليهم بمثل هذا فلما رأوا أنهم لا يتركون من أن يسألوا، قالوا نريد أن تردنا إلى الدار الدنيا فنقاتل في سبيلك حتى نقتل فيك مرة أخرى، لما يرون من عظيم ثواب الشهادة، فيقول الرب جل جلاله: إني قضيت أنهم إليها لا يرجعون.
​


​
عقد إلهي رابح ومرافقة مباركة للنبيين في الفردوس
​
​
لقد اقتضت حكمة الله وسنته أن يصطفي من عباده من يشاء، فيرفع قدرهم ويعلي شأنهم ويمدهم بعطاياه، ويعد مقام الشهادة من أسمى مقامات الاجتباء التي يمتن بها على صفوة خلقه؛ قال تعالى: ((وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَٰئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ ۚ وَحَسُنَ أُولَٰئِكَ رَفِيقًا)) "النساء: 69"، وتلك أشرف صحبة وأكرم رفقة تجتمع في منازل الفردوس الأعلى بجنات النعيم الخالدة.
​
​
والشهيد هو الذي جاد بدمه ونفسه في سبيل الله مسترخصاً هذه الحياة الفانية، ليعوضه الله حياة أبدية سرمدية لا نهاية لها، تبدأ كرامتها في عالم البرزخ وتكتمل في الجنة بعد الحساب؛ تقديراً لنفاسة هذه النفوس المؤمنة التي كتب الله معها عقد بيع لا نظير له في كتابه العظيم: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ۚ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ ۖ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ ۚ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ ۚ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ ۚ وَذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: 111]، ليمثل هذا العقد أصدق تعبير عن فضل الشهادة والمكانة الخاصة للشهداء.
​
​


تكريم نبوي مهيب ودماء زكية تعبق بشذا المسك
​
​
وكما عظم الله مقام الشهداء في القرآن الكريم، فقد توالت مظاهر تكريمهم في السنة النبوية وسيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم؛ إذ لم يغسل النبي شهداء المعارك، بل أمر بإبقائهم في ثيابهم التي جاهدوا فيها، حيث قال في شهداء أحد: "زملوهم بكلومهم ودمائهم فإنهم يبعثون يوم القيامة وأوداجهم تشخب دماً اللون لون الدم والريح ريح المسك" (النسائي: 1975)، ليبقى ذلك الدم الزاكي شاهداً وطيباً يعبق في الموقف العظيم.

 

ويتجلى التكريم النبوي والحفاوة الإلهية بالشهيد فيما ثبت في الصحيحين بشأن عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاري رضي الله عنه يوم أحد؛ فقد روى الإمام البخاري عن ابنه جابر قوله: "لما قتل أبي جعلت أبكي وأكشف الثوب عن وجهه فجعل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهوني والنبي صلى الله عليه وسلم لم ينه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا تبكه – أو ما تبكيه – ما زالت الملائكة تظله بأجنحتها حتى رفع" (البخاري: 3771)، ليظل هذا المشهد برهاناً ساطعاً على رعاية الملائكة للشهيد وإحاطته بالتبجيل والسكينة.
​
​


أمان من فتن القبور وفوز بخصال الشرف والكرامة
​
​
ومن عظيم عناية الله بالشهيد أن منحه الأمان التام في قبره، ودرأ عنه الفتنة والسؤال بفضل بذله وتضحيته؛ فعن راشد بن سعد عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أن رجلاً قال: "يا رسول الله ما بال المؤمنين يفتنون في قبورهم إلا الشهيد؟ قال: كفى ببارقة السيوف على رأسه فتنة"، فالإقدام في مواجهة لمعان السيوف في سبيل الله كان أعظم اختبار لصدق إيمانه، فاستحق به النجاة والأمان البرزخي.
​
​
وقد فصّل النبي صلى الله عليه وسلم ما ادخره الله للشهيد من منازل الشرف العظيمة؛ إذ أخبر المقدام بن معد يكرب عن هذه المزايا الكبرى بقوله: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "للشهيد عند الله ست خصال، يغفر له في أول دفعة، ويرى مقعده من الجنة ويجار من عذاب القبر ويأمن من الفزع الأكبر ويوضع على رأسه تاج الوقار، الياقوتة منها خير من الدنيا وما فيها ويزوج اثنتين وسبعين زوجة من الحور العين، ويشفع في سبعين من أقاربه" (الأربعون في فضل الشهادة، حسن قائد، ص21)، وهي خصال تجمع بين الغفران، والأمن الأخروي، والسيادة والشفاعة التي تسري بركتها إلى قرابته.
​
​
إن هذه المنزلة السامقة التي لا تدانيها رتبة تدل على عظيم كرم الله لأولئك الذين استرخصوا الحياة الدنيا وتغلبوا على شهواتهم طلباً لمرضاة الله، فاختار لهم خير الذكر وأشرف الخلود مع الأنبياء والصالحين. 

 

وإن إظهار هذا الدين وإعلاء رايته لا يتحقق إلا بيقظة المسلمين واستعدادهم للتضحية والجهاد في سبيل الله؛ فالجهاد هو روح الأمة الحية التي تصون عزتها، وأعز المجاهدين عند الله من صدق فاصطفاه ربه شهيداً، لتظل الشهادة أسمى أمنية يرجوها القلب المؤمن وأشرف غاية ينال بها الفوز العظيم والخلود في دار النعيم.

 

...........................

المراجع:

تفسير ابن كثير

فضل الشهادة ومنزلة الشهيد، محمد رسلان.

الأربعون في فضل الشهادة، حسن قائد، مركز الفجر للإعلام، 1432ه.

أحاديث الشهادة والشهيد، نزار ريان، رسالة ماستر، الجامعة الأردنية، الشريعة والحقوق والسياسة، 1990م.

صحيح البخاري.