ممدوح الولي
خبير اقتصادي ونقيب الصحفيين سابقًا
بلغت مخصصات الاستثمارات الحكومية المصرية في موازنة العام المالي الحالي والممتد حتى نهاية يونيو المقبل؛ 554 مليار جنيه، لتحتل الاستثمارات المركز الخامس بين أبواب الإنفاق الثمانية في الموازنة، بنصيب 6.8 في المئة، حيث سبقتها أقساط الديون الحكومية بنصيب 34 في المئة من الإنفاق، وفوائد الديون الحكومية بنسبة 30 في المئة، وكل من الدعم وأجور العاملين في الحكومة بنسبة 10 في المئة لكل منهما.
وهللت وسائل الإعلام لنمو مخصصات الاستثمارات الحكومية بنسبة 27 في المئة بالمقارنة بما تم تخصيصه لها في العام المالي السابق، إلا أن المفاجأة التي لا تتناولها وسائل الإعلام ولا أعضاء البرلمان، هو عدم تحقق مخصصات الاستثمارات الحكومية التي تعلنها الحكومية مع كل موازنة جديدة، منذ العام المالي 2013/2014 وحتى العام المالي 2024/2025 وهي آخر بيانات ختامية للموازنة، أي طوال 12 عاما متواصلة.
فقد جرت العادة على تفاخر المسؤوولين بقيمة مخصصات الاستثمارات الحكومية في الموازنة عند إعلان بيانات الموازنة، بينما تكشف الحسابات الختامية للموازنات عن عدم تحقق تلك المبالغ السابق الإعلان عنها، وهي الحسابات التي لا تتناولها وسائل الإعلام حتى لا تفسد صورة الإنجازات المستمرة للحكومة!
وتختلف الاستثمارات الحكومية عن باقي أبواب الإنفاق في الموازنة من حيث تحقيق منفعة تدوم لسنوات، فعندما تقوم ببناء مدرسة أو مستشفى أو طريق أو كوبري فإن المنفعة المتولدة منها تستمر لسنوات طويلة، بينما يقوم الموظفون باستهلاك الأجور التي يحصلون عليها بشكل شهري، كما تستهلك الجهات التعليمية ما تطبعه من كتب مدرسية خلال العام الدراسي، أو تستهلك المستشفيات ما يخصص لها من أدوية ومستلزمات طبية خلال العام، أو يستهلك المواطنون ما يخصص لهم من دعم للسلع التموينية والخبز خلال السنة.
ويشير التوزيع النسبي لقيمة الاستثمارات الحكومية المتوقعة في لعام المالي الحالي على القطاعات المختلفة، إلى استحواذ المباني والإنشاءات على نسبة 66 في المئة من الإجمالي، والآلات والمعدات والتجهيزات 18.5 في المئة، وتعويضات المقاولين 4.5 في المئة، والأبحاث والدراسات للمشروعات 2.9 في المئة والمعدات الطبية 1.5 في المئة، والدفعات المقدمة للمقاولين 1.2 في المئة، وشراء الأراضي سبعة في الألف، ووسائل النقل والانتقال 6 في الألف، والبعثات الدراسية 2 في الألف، والاحتياطيات العامة بنسبة 3.6 في المئة.
وهكذا فإنه عندما يتم تخصيص مبلغ للاستثمارات بجهة حكومية، أو زيادة قيمة الاستثمارات بها، فلا بد من معرفة نوع هذا الاستثمار، فليس شرطا أن يكون أمرا حيويا يفيد المجتمع، لكنه قد يوجه لشراء سيارات خاصة للمسؤولين بتلك الجهة، أو شراء أجهزة تكييف ومراوح ودفايات وسجاد وتلفونات وأجهزة كمبيوتر ونحو ذلك.
ويتطلب تناول قضية الاستثمارات الحكومية استعراض عددا من القضايا:
أولا: مدى استجابة الاستثمارات للأولويات المجتمعية:
الطبيعي أن تكون خريطة توزيع الاستثمارات الحكومية، أي التي تتم من خلال الوزارات والمحافظات والهيئات الحكومية، مرتبطة بخريطة الاحتياجات المجتمعية للمدن والقرى في أنحاء البلاد، لكن ما حدث من توسع في إنشاء الطرق والكباري على سبيل المثال كان على حساب أولويات أخرى، كالتعليم والصحة والصرف الصحي والطرق الداخلية في المدن والطرق الترابية في الريف، وتوفير وسائل المواصلات والانتقال في المحافظات ووسائل الربط بين ضفتي الترع في القرى والنجوع.
وها هي خريطة توزيع الاستثمارات على الوزارات في العام المالي الحالي تشير إلى استحواذ وزارة الإسكان وما يتبعها، على النصيب الأكبر بقيمة 152.5 مليار جنيه بنسبة 27.5 في المئة من الإجمالي، والصحة 84 مليار جنيه، والتنمية المحلية 38.7 مليار، والتربية والتعليم 34.6 مليار، ونفس القيمة لوزارة النقل والتعليم العالي 31 مليار، والري 25.5 مليار، والكهرباء 20 مليارا، والإتصالات 18 مليارا، والداخلية 15.5 مليار، والتخطيط 14 مليارا، والزراعة 5 مليارات، والبحث العلمي 4 مليارات، ونفس القيمة للعدل والخارجية، والصناعة 2.2 مليار، ونفس القيمة لوزارة الأوقاف.
وهكذا نجد صندوق مباني وزارة الخارجية في الخارج تُخصص له استثمارات بـ3.9 مليار جنيه، بينما هيئة الخدمات البيطرية المسؤولة عن صحة الحيوان واللحوم والدواجن والأسماك تحصل على 184 مليونا، وحصل المجلس القومي للمرأة على 518 مليون، ومكتبة الإسكندرية 617.5 مليون، وهيئة الرقابة الإدارية 307 ملايين، ودار الأوبرا 275 مليون، مقابل 245 مليون لهيئة نظافة وتجميل القاهرة، وهيئة نظافة الجيزة 184 مليون جنيه.
ثانيا: غياب عدالة التوزيع للاستثمارات بين الأقاليم:
فالأصل في الأمور أن تساهم الاستثمارات في سد الفجوات التنموية وتقليل حالة الفقر والحرمان من الخدمات، كأن تزيد المخصصات لبناء الفصول الدراسية في الأماكن التي تزيد بها معدلات الكثافة بالفصول، وهو أمر ميسر بالربط بين خريطة التنمية البشرية في المحافظات على مستوى المدن والقرى وخريطة الاستثمارات، بحيث يتم سد الفجوات التعليمية والصحية وفي المرافق وغيرها على عدة سنوات.
344 جنيه نصيب الفرد من الاستثمارات
لكن خريطة توزيع الاستثمارات في العام المالي الحالي تشير إلى أن سد الفجوات ما زال متعذرا في ظل المخصصات الاستثمارية غير الكافية، حيث بلغ متوسط نصيب الفرد من الاستثمارات الحكومية 142 جنيها في محافظة الغربية التي يسكنها 5.6 مليون شخص، و142 جنيها للفرد في محافظة الدقهلية التي يقيم بها 7.2 مليون نسمة، و149 جنيها في محافظة الشرقية التي تضم 8.2 مليون نسمة، و165 جنيها في محافظة الغربية، و178 جنيها في الجيزة، و190 جنيها في المنوفية، و207 جنيهات في المنيا، و207 جنيهات في البحيرة، و215 جنيها في الفيوم، ليصل متوسط نصيب الفرد من الاستثمارات على مستوى البلاد 344 جنيها، وذلك لتحسين مستوى الخدمات المتنوعة بالمحافظات!
شاهد آخر يتمثل في التفرقة بين مديرات الخدمات في المحافظات، حيث حصلت مديريات الشباب والرياضة على 188 مليون جنيه للاستثمارات في 27 محافظة، بينما لم يتم رصد أية مبالغ للاستثمارات في مديريات الزراعة والطب البيطري والطرق والإسكان والتنظيم والإدارة في كل المحافظات.
ثالثا: عدم تحقق وعود الاستثمارات الحكومية:
في العام المالي الأول للنظام الحاكم في مصر (2013/2014) وفي ظل حكومة الببلاوي، وبعد إعلان رقم الاستثمارات في العام المالي، قامت الحكومة بالإعلان عن حزمة تحفيزية لزيادة رقم الاستثمار المعلن عنه مسبقا للدفع بتحسين الخدمات للسكان، وبعد بضعة أشهر أعلنت الحكومة عن حزمة تحفيزية ثانية للاستثمارات، لكن عند إعلان الحسابات الختامية لذلك العام المالي، تبين أن الرقم أقل من الرقم الأصلي للاستثمارات، أي أن ما تم الإعلان عنه من حزم تحفيزية لم يحدث، رغم تدفق المعونات الخليجية حينذاك، وتكرر الصورة في السنوات المالية التالية بالإعلان عن رقم للاستثمارات الحكومية تهلل له وسائل الإعلام، ثم ظهور رقم أقل عند إعلان الحسابات الختامية لموازنة ذلك العام المالي.
وها هي الحسابات الختامية للعام المالي 2013/2014 تكشف عن نقص قيمة الاستثمارات المنفذة بنسبة 45 في المئة عما تم الإعلان عنه بعد الحزم التحفيزية، وفي عام 2016/2017 كانت نسبة التراجع عن الرقم المعلن في قانون ربط الموارنة بنسبة 26 في المئة، وفي العام 2019/2020 كانت نسبة الانخفاض 22 في المئة، وفي العام 2022/2023 كانت نسبة الانخفاض 23 في المئة، وزادت النسبة في العام المالي التالي إلى 47 في المئة، ثم وصلت إلى 22 في المئة في العام المالي 2024/2025 وهي آخر بيانات مالية معلنة، حيث يتأخر صدور البيانات الختامية للعام المالي بعد انتهائه بأكثر من عشرة أشهر ولهذا لم تصدر بعد بيانات 2025/2026.
رابعا: آخر بيانات ختامية شاهدة على عدم تحقق الوعود:
قبيل بدء العام المالي 2024/2025 تم الإعلان عن بلوغ الاستثمارات الحكومية 496 مليار جنيه، بينما أسفر العام المالي عن بلوغ ما تحقق منها 387 مليار جنيه، بنسبة انخفاض 20 في المئة.
فالهيئة القومية لمياه الشرب والصرف الصحي خُصص لها 43.4 مليار؛ انخفضت في الختامي إلى 31 مليارا، وفي الجهاز التنفيذي لمياه الشرب والصرف الصحي من 10.9 مليار إلى 8.6 مليار. وفي هيئة السلامة البحرية من 250 مليون إلى 106 ملايين، وفي مركز البحوث الزراعية من 1.473 مليار إلى 646 مليونا، وفي المركز القومي للبحوث من 215 مليونا إلى 166 مليون، وفي صندوق تطوير التعليم من 208 ملايين إلى 85 مليونا، وفي هيئة الإسعاف من 2.1 مليار إلى 1.4 مليار، وفي جامعة الزقازيق من 374 مليونا إلى 146 مليون جنيه، وفي هيئة الأبنية التعليمية المسؤولة عن بناء الفصول الدراسية من 24.1 مليار إلى 15.5 مليار جنيه.
وعلى الجانب الآخر زادت قيمة الاستثمارات في بعض الجهات، مثل مكتبة الإسكندرية من 91 مليونا إلى 353 مليونا، وفي أكاديمية الفنون من 272 مليونا إلى 361 مليونا، وفي هيئة الطرق والكباري من 22.3 مليار إلى 53.8 مليار جنيه.
خامسا: توقع عدم تحقق أرقام استثمارات العام المالي الحالي:
عادة ما تضطر وزارة المالية لخفض اعتمادات الاستثمارات الحكومية بسبب تغول نصيب تكلفة الدين الحكومي من فوائد وأقساط، حرصا على استطاعتها استمرار الاقتراض من الجهات المقرضة لها داخليا وخارجيا، وها هو العام المالي الحالي يشهد زيادة في معدلات الفائدة في الداخل والخارج، بالإضافة إلى ارتفاع أسعار الطاقة في العالم، واستمرار الاقتراض الداخلي والخارجي، مما يدفع الوزارة إلى الوفاء باحتياجات أبواب الإنفاق الأخرى أولا، خاصة فوائد وأقساط الديون، على حساب الاستثمارات كما جرت العادة منذ 14 عاما ماليا مضت.
وهو يعنى طول فترات تنفيذ المشروعات، بسبب عدم وفاء الدفعات المالية لها بالمطلوب لإتمامها، وهو ما يرتبط أيضا بارتفاع التكلفة خلال تلك السنوات، وبذلك يمكن القول إن تحسين الخدمات التعليمية والصحية والصرف الصحي في القرى والطرق الترابية أمر مؤجل لعدة سنوات قادمة.

