مصطفى عبد السلام
رئيس قسم الاقتصاد في موقع وصحيفة "العربي الجديد"
في نهاية عام 2025 وبداية العام الجاري تسابقت بنوك استثمار ومؤسسات مالية كبرى نحو طرح سيناريوهات متفائلة ومقلقة معًا تتعلق باتجاهات أسعار الذهب، وتنبّأت بأن تشهد الأسواق صعودًا قويًا مع الإقبال المحموم على الشراء والمضاربات غير المسبوقة. وقتها، زادت التوقعات بحدوث قفزات متتالية في أسعار المعدن النفيس، بعد أن وصل إلى أعلى مستوى في نهاية شهر يناير 2026، حيث تجاوز 5608 دولارات للأونصة (الأوقية).
في ذلك الوقت أيضًا شهدت أسواق المعادن الثمينة انتعاشًا غير مسبوق ومضاربات محمومة وغير مسبوقة في تاريخ المعدن، إذ ارتفع سعر أونصة الذهب إلى أعلى مستوى سُجل منذ بداية القرن، في ظل تراجع الثقة في السندات الحكومية، بما فيها الأميركية والأوروبية، وارتفاع مخاوف التضخم، وهو ما دفع المستثمرين والأفراد معًا إلى اللجوء إلى الذهب ملاذًا آمنًا وأداة استثمار قليلة المخاطر وشبه مضمونة.
بل إن توقعات محللين وأصحاب شركات كبرى ذهبت إلى أن سعر الذهب سيكسر حاجز عشرة آلاف دولار، وهو توقع كان صادمًا للأسواق والمستثمرين والمضاربين معًا، ومن بين هؤلاء ريان ليمند، الرئيس التنفيذي لشركة نيو فيجن لإدارة الثروات، الذي ذهب إلى إمكانية وصول سعر الأوقية إلى هذا المستوى قبل نهاية ولاية الرئيس الأميركي دونالد ترامب في بداية العام 2029.
وذهب تقرير نشرته شركة تريدز يونيو للأبحاث المالية، إلى أن الذهب قد يصل إلى 10 آلاف دولار بحلول 2027، وتوقع رجل الأعمال الأميركي مايك ليندل، وصول المعدن إلى هذا المستوى، وكذا المحلل الاقتصادي جيم ريكاردز، الذي ذهب إلى أن الذهب قد يصل إلى 10 آلاف دولار في منتصف 2027 أو نهاية العام، وربما قبل ذلك، وربط ريكاردز رؤيته باستمرار شراء البنوك المركزية الذهب، وثبات إنتاج المناجم، وتصاعد المخاطر الجيوسياسية، إضافة إلى التحرك السعري العنيف، كما رأينا في بداية العام.
بل إن بعض الآراء المتطرفة ذهبت إلى سيناريو أشد قتامة وهو وصول سعر الذهب إلى 100 ألف دولار على المدى البعيد، واستند هؤلاء، ومن بينهم بيتر شيف، المحلل المالي المعروف، إلى توقعات بانهيار النظام النقدي العالمي، أو حدوث تضخم مفرط وتضاعف الأسعار يوميًا تضاعفًا جنونيًا، كما حدث في اليونان 1944، والمجر التي شهدت أسوأ حالة تضخم مفرط عامي 1945 - 1946، وألمانيا 1923، وزيمبابوي (2007 - 2008) عندما طبعت ورقة بقيمة 100 تريليون لمواجهة أسوأ حالات التضخم المفرط في التاريخ، وفنزويلا 2018 حيث شهدت البلاد انهيارًا اقتصاديًا حادًا، وهبوطًا في إنتاج النفط، دفع التضخم إلى مستويات مفرطة بلغت عشرات الآلاف بالمئة سنويًا.
لكن تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن، حيث تراجع سعر الذهب يوم الجمعة لأقل من 3900 دولار وهو أدنى سعر منذ عام، ومستوى لم تتوقعه الأسواق في ظل توقعات مغايرة بزيادة السعر، مع زيادة التضخم في الاقتصادات الكبرى، ورفع كبريات البنوك المركزية الفائدة، وتوقعات بزيادة البنك الفيدرالي الأميركي السعر الشهر المقبل، واحتمالية تراجع مستوى المخاوف الجيوسياسية حول العالم، خصوصًا في الشرق الأوسط حيث الحرب على إيران، وفي شرق أوروبا حيث حرب روسيا وأوكرانيا.
ما يحدث في سوق الذهب لا يختلف كثيرًا عما يحدث في أسواق السلع الرئيسية، بما فيها مشتقات الطاقة، من نفط وغاز، وكذا الحبوب والمعادن، فهناك حالة تذبذب ملحوظة في الأسعار، وعدم استقرار واضح للمنحنى السعري، وبالتالي فإن النصيحة المقدمة بأن الوقت مناسب لشراء الذهب محفوفة أيضًا بالمخاطر رغم تراجع السعر لأقل مستوى في 2026، فقد يواصل السعر التراجع في الفترة القليلة المقبلة، بناء على مؤشرات عدة، منها تباطؤ عمليات شراء الصناديق المتداولة للذهب (ETFs) والبنوك المركزية الذهب، وتسارع وتيرة زيادة سعر الفائدة على العملات الرئيسية، وسحب البنوك المركزية مزيدًا من السيولة النقدية من الأسواق لمكافحة التضخم.
وقد يصعد سعر الذهب ويشهد قفزات سعرية تشبه ما جرى في نهاية عام 2025 وبداية العام الجاري، بناء على مؤشرات مغايرة، منها: تزايد توجه البنوك المركزية نحو التخلّص من احتياطيات الدولار مقابل شراء الذهب، وتصدّع النظام النقدي والمالي القائم، وعودة سياسة التفتيت الاقتصادي، ومخاطر الحروب الاقتصادية والتجارية، خاصة بين الولايات المتحدة والصين.
في أسواق الذهب، كل الاحتمالات قائمة بشأن اتجاهات الأسعار، ولذا يجب التأني عند الشراء والبيع، واستشارة متخصصين لديهم أمانة مهنية وخبرة طويلة في أسواق المعادن النفيسة وإدارة الثروات والأموال.

