أصدر آرثر بلفور في 2 نوفمبر من عام 1917 وعده المشئوم بمنح أراضٍ فلسطينية لا يملكها لكيان احتلالي لا يستحقها. وأسس هذا الإعلان الكارثي لنهج استعماري يسلب حقوق الشعوب العربية لصالح قوى طامعة ومحتلة.
وبالمقابل، سلم قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي أصولاً ومقدرات يملكها الشعب لجهات خارجية والصهينة. وتحولت هذه المفارقة التاريخية لواقع مرير يتجرعه المواطنون، بعدما تنازلت السلطة عن حقوق سيادية أصيلة دون قيد أو شرط.
إهدار ثروات الغاز لصالح الصهينة
وفي سياق متصل، تنازل قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي عن حقول غاز طبيعي استراتيجية بالبحر المتوسط لصالح الصهينة. وأدى هذا الإجراء لخسارة خزانة الدولة لمليارات الدولارات، محولاً البلاد لمستورد للطاقة بأسعار مضاعفة ومجحفة للغاية.
ومن هذا المنطلق، يرى أستاذ هندسة البترول والطاقة الدكتور رمضان أبو العلا أن التنازل عن مناطق استكشاف الغاز يدمر الاستقلال الاقتصادي. ويؤكد أن هذه التفاهمات تمنح تل أبيب هيمنة مطلقة على سوق الطاقة الإقليمي.
علاوة على ذلك، توقفت مصانع محلية ضخمة عن الإنتاج خلال شهر أكتوبر الماضي نتيجة شح إمدادات الغاز الموجهة للسوق الداخلي. وفضلت الإدارة الحالية تصدير الكميات المتاحة لسداد التزامات قروض متراكمة لا طائل منها.
وبناءً عليه، يشهد شهر يناير من كل عام زيادات جنونية في فواتير الكهرباء والغاز المنزلي. ويدفع المواطن البسيط ضريبة باهظة لقرارات سيادية كارثية، أهدرت موارد الدولة الطبيعية لصالح كيانات معادية تستنزف ثروات ومقدرات الأجيال.
وإلى جانب ذلك، فقدت المؤسسات الوطنية السيطرة الفعلية على محطات الإسالة والسواحل الاقتصادية الخالصة. وبات قطاع الطاقة بأكمله يخضع لابتزاز سياسي واقتصادي مستمر من قبل الصهينة، مما أفقد الدولة أبرز أوراق ضغطها الاستراتيجية.
ونتيجة لذلك، أصبحت أمنيات تحقيق الاكتفاء الذاتي مجرد سراب يتبدد أمام صفقات التنازل المجانية. وتستمر السلطة في رهن مقدرات البلاد الحيوية لمستثمرين أجانب، محولة الأصول المنتجة إلى أداة لخدمة مصالح أطراف خارجية طامعة.
التفريط في جزر ملاحية ومياه
وبموازاة ذلك، سلم قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي جزيرتين استراتيجيتين تتحكمان في ملاحة خليج العقبة لدولة مجاورة. ومثلت هذه الخطوة ضربة قاصمة للأمن القومي، حيث فتحت مضايق بحرية حيوية أمام تحركات سفن الصهينة بحرية تامة.
وفي السياق ذاته، يوضح أستاذ الجيولوجيا والموارد المائية الدكتور عباس شراقي أن التوقيع على إعلانات المبادئ المائية أضاع حقوقاً تاريخية. ويعتبر أن استمرار دول المنبع في تخزين المياه يهدد الرقعة الزراعية ويدمر الأمن الغذائي المصري.
فضلاً عن ذلك، تراجع نصيب الفرد من المياه النظيفة لمستويات مرعبة تقترب من حد الفقر المائي المدقع. وتجاهلت السلطة اتخاذ أي إجراءات رادعة لحماية تدفقات نهر النيل، مكتفية ببيانات دبلوماسية هزيلة لا تسمن ولا تغني.
إضافة إلى ذلك، غيرت اتفاقيات ترسيم الحدود البحرية خرائط السيطرة الإقليمية لصالح أطراف خارجية متعددة. وانسحبت الدولة طوعاً من مساحات بحرية غنية بالثروات، متنازلة عن مكاسب جيوسياسية تراكمت عبر عقود من التضحيات والدماء الوطنية.
ومن جهة أخرى، يرى خبراء أن ربط الأمن المائي والبحري بتوافقات خارجية غير مضمونة يعد انتحاراً استراتيجياً. وفقدت الخزانة العامة إيرادات سيادية ضخمة كانت تجنيها من السيطرة الحصرية على تلك الممرات المائية الشريانية الحساسة.
وخلاصة الأمر، يدفع ملايين المزارعين ثمن هذه السياسات الكارثية يومياً بعد بوار مساحات شاسعة من أراضيهم الخصبة. وأصبح الشارع يعيش حالة من الاحتقان المكتوم خوفاً من المستقبل المظلم الذي ينتظر الأجيال القادمة بلا موارد.
بيع الأصول الاستراتيجية لتسديد الديون
وفي خضم هذه الكوارث، طرح قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي أكثر من 3 قطاعات إنتاجية سيادية للبيع في مزادات دولية. واستحوذت صناديق سيادية إقليمية على حصص حاكمة في شركات كبرى تحقق أرباحاً مليارية مضمونة.
وبالتالي، يؤكد أستاذ الاقتصاد الدولي الدكتور مصطفى شاهين أن تصفية الشركات الرابحة وتأجير الموانئ يفرغ الدولة من مضمونها الاقتصادي. ويشدد على أن هذه الأموال تتبخر فوراً في سداد فوائد قروض ديون خارجية لا تتوقف.
وعلاوة على ما سبق، شهد شهر أغسطس الماضي وتيرة متسارعة لخصخصة مؤسسات قومية بأسعار تقل كثيراً عن قيمتها العادلة. ومررت الإدارة الحالية صفقات الاستحواذ في غرف مغلقة، متجاهلة تماماً قواعد الشفافية والمحاسبة الاقتصادية السليمة.
وبناءً على ذلك، تحولت البلاد لأكبر مقترض في المنطقة لتنفيذ مشروعات خرسانية تفتقر لأي دراسات جدوى حقيقية. وتلتهم خدمات هذه القروض أكثر من نصف الموازنة السنوية، مما أصاب قطاعات الصحة والتعليم بانهيار شبه كامل.
ومن زاوية أخرى، تمت مصادرة مساحات شاسعة من السواحل والمناطق العريقة لصالح شبكات من سماسرة العقارات الدوليين. وتسببت عمليات الإخلاء القسري في تشريد آلاف الأسر، تاركة إياهم يواجهون مصيراً مجهولاً في ظل غلاء معيشي طاحن.
وختاماً، يتطابق نهج التفريط الحالي مع أسوأ الحقب الاستعمارية التي سلبت مقدرات الأوطان ومواردها الأساسية. وتدفع هذه الممارسات المنهجية اقتصاد البلاد نحو ارتهان سياسي شامل، يسلب الإرادة الوطنية ويضع مستقبل الدولة تحت رحمة الدائنين.

