صادق مجلس النواب في جلسته العامة على قرار قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي رقم 74 لسنة 2026، القاضي بتمرير اتفاقية قرض مالي مع الوكالة الفرنسية للتنمية بقيمة 45 مليون يورو، وسط تصاعد الرفض البرلماني لسياسات التوسع في الاستدانة الخارجية دون تقديم كشوف حساب رسمية.
​
​
ويستهدف هذا التمويل المخصص لمشروع الصناعة الخضراء المستدامة قطاعات إنتاجية محددة، غير أن إقراره فجّر مواجهة حادة تحت القبة نتيجة غياب الرؤى التنفيذية لجدوى القروض السابقة، فضلاً عن تعاظم المخاطر الاقتصادية المترتبة على مضاعفة الالتزامات الدولية في توقيت تشهد فيه المؤشرات المالية ضغوطاً متزايدة وغير مسبوقة على الخزانة العامة.
​
​
تداعيات نيابية متصاعدة ضد الاقتراض الخارجي
​
​
وفي مستهل المداولات النيابية، أعلن الدكتور فريدي البياضي نائب رئيس الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي رفض هيئته البرلمانية للاتفاقية بصورة قاطعة، مشيراً إلى أن نهج الحكومة المتمثل في تكرار الاقتراض دون مراجعة العوائد الاقتصادية والتنموية والبيئية المتحققة فعلياً يسهم في تعميق الأزمة الهيكلية، لافتاً إلى ضرورة التوقف عن الاستنزاف المالي المستمر.
​
​
وتأسيساً على هذا الموقف المعارض، عبّر البياضي عن رفضه الترويج لكون القروض ميسرة بينما واقع المعيشة بات شديد التعقيد، مطالباً الجهاز التنفيذي بوضع خطة لإنهاء دوامة الاستدانة، محذراً في الوقت ذاته من إلقاء تبعات الفواتير المرهقة على كاهل الأجيال الصاعدة وتجريدها من مقومات الأمان الاقتصادي المستقبلي.
​
​
وفي سياق متصل بتصاعد السخط، وجّه برلمانيون تساؤلات حادة حول جدوى مواصلة الاقتراض دون التثبت من فاعلية التمويلات السابقة، واصفين الاتفاقيات الخارجية بأنها تشكل ضغطاً خانقاً على مقدرات الدولة، مؤكدين على أن الالتزامات التعاقدية باتت تستنزف الطاقات الإنتاجية بدلاً من تحفيزها، ما يضع السياسات الاقتصادية الراهنة تحت طائلة المساءلة.
​
​
وعلاوة على الاحتجاجات التشريعية، شهدت القاعة سجالات موسعة حول توقيت إقرار حزمة الـ 45 مليون يورو، حيث رأى نواب معارضون أن الخطوة تعكس انفصالاً تاماً عن الأولويات العاجلة للمواطنين، مؤكدين أن معالجة الأزمات لا تتم عبر الاستزادة من الديون، بل عبر مراجعة شاملة لقرارات استنزفت السيولة وعمقت الفجوة التنموية.
​
​
من جهته، يوضح الخبير الاقتصادي هاني توفيق أن استمرار التوسع في الاستدانة دون مسارات تشغيلية واضحة ومدرة للدخل الأجنبي يحول الالتزامات إلى أعباء تضخمية مركبة تصيب العملة الوطنية، مؤكداً أن تراكم الديون التنموية ينبغي أن يرتبط ارتباطاً وثيقاً بزيادة مؤشرات التصدير الحقيقي وتوفير سيولة تضمن سداد الأقساط دون عجز مالي.
​
​
وبناءً على تلك المعطيات، اعتبرت الهيئات البرلمانية المعارضة أن السياسات المتبعة تدفع نحو اختلالات هيكلية يصعب احتواؤها لاحقاً، لافتة إلى أن مواجهة العجز لا تتأتى بالاقتراض المتجدد، بل بإجراءات إنتاجية حقيقية تكبح الهدر المالي، مشددة على أن إصرار الحكومة على تجاوز التحذيرات يفاقم التأزم الاقتصادي ويضعف القدرة على التعافي المستدام.
​
​
نزيف الموازنة العامة وأعباء خدمة الديون
​
​
واستناداً إلى البيانات الرسمية لموازنة العام المالي 2026 / 2027، طرح الدكتور فريدي البياضي أرقاماً تجسد اختلال التوازن المالي، مبيناً أن فاتورة فوائد الديون وحدها بلغت نحو 2.42 تريليون جنيه لتبتلع قرابة 60% من الإيرادات العامة للدولة، مشدداً على أن هذه المعدلات تعكس بلوغ الأعباء مستويات بالغة الخطورة والتأثير.
​
​
وفي تفصيل أشد وطأة، أظهرت المؤشرات المالية البرلمانية تجاوز مخصصات سداد الفوائد والأقساط مجتمعة حاجز الـ 5.2 تريليون جنيه، بما يمثل نحو 129% من جملة الإيرادات العامة المتوقعة، لافتاً إلى أن الخزانة باتت ملزمة بسداد نحو 129 جنيهاً مقابل كل 100 جنيه تحصله الدولة، ما يهدد الاستقرار المالي بالانهيار.
​
​
وتأكيداً على خطورة هذا المنزلق، تساءل البياضي خلال الجلسة العامة عن مغزى العمل لصالح الدائنين الدوليين في ظل تحويل أغلب عوائد الضرائب والرسوم لخدمة التمويلات، داعياً إلى الوقف الفوري للاستدانة التي ترهق المواطنين وأبناءهم، معتبراً أن الاستمرار في هذا المسار يجرد التنمية من أبعادها الإنتاجية الحقيقية ويرسخ التبعية الاقتصادية.
​
​
وبالتوازي مع تلك الاعتراضات، ربط نواب في المجلس بين تصاعد تكاليف خدمة الدين وتراجع الإنفاق الموجه للخدمات الأساسية، معتبرين أن عجز الموازنة لم يعد مجرد بند حسابي، بل واقعاً يضغط على المعيشة، مشيرين إلى أن محاولات تجميل القروض بمسميات خضراء لا تغير حقيقة استنزافها للموارد وتحميلها المجتمع أعباء مضاعفة.

 

ويرى المستشار المالي الدكتور وائل النحاس أن التهام خدمة الديون لأكثر من كامل الإيرادات الفعلية يضع السياسة النقدية في مأزق تمويلي مستمر، مشيراً إلى أن اللجوء لاقتراض جديد لسداد التزامات قديمة يمثل حلقة مفرغة تفقد الدولة السيطرة المالية، مؤكداً ضرورة الاعتماد الصارم على الموارد الذاتية والإنتاج الحقيقي للخروج من الأزمة.
​
​
وتأسيساً على هذا المشهد المالي، طالبت المعارضة بفرض قيود ملزمة على الحكومة لمنع إبرام أية صفقات اقتراض مستقبلاً دون موافقة مشروطة بخطة سداد واضحة، مشددة على أن تمرير الاتفاقيات يهدد الاستقرار العام، لافتة إلى ضرورة ترشيد الصرف الحكومي ووقف الاستدانة الخارجية المتكررة التي باتت تستنزف الاحتياطيات النقدية بصورة مستمرة.
​
​
غياب الرقابة على تمويلات المشروعات الخضراء
​
​
وفي سياق مساءلة المشروعات البيئية، شدد الدكتور فريدي البياضي على ضرورة تقديم الحكومة كشف حساب دقيق لقرض سابق بقيمة 135 مليون يورو مقدم من بنك الاستثمار الأوروبي جرى تمريره في يناير 2025 لصالح البرنامج نفسه، مؤكداً وجوب بيان المبالغ المسحوبة والمصانع المستفيدة قبل الموافقة على اتفاقيات اقتراض جديدة.
​
​
وانطلاقاً من التدقيق المالي، طالب برلمانيون بتوضيح الضمانات الكفيلة بحماية الخزانة العامة وتوزيع مخاطر التعثر وفروق أسعار العملة الأجنبية، مشيرين إلى أن حماية البيئة ودعم التصنيع هدفان يستحقان الرعاية لكنهما يتطلبان خضوعاً للرقابة ودراسات جدوى واقعية، لافتين إلى أن التسميات البراقة لا تعفي الجهات الرسمية من تقديم الحسابات الختامية بشفافية.
​
​
وفي تصريحات صحفية لاحقة، شن عضو مجلس النواب هجوماً على استمرار الاستدانة باسم المواطنين وإجبارهم على دفع التكاليف بمفردهم، مؤكداً أن تغيير مسميات التمويل لن يحجب تدهور المعيشة، واصفاً المشروعات الراهنة بأنها تنمية مُستدانة تفتقر للاستدامة الحقيقية وترهن مستقبل الأجيال القادمة بالتزامات مالية خانقة تعوق التطور الاقتصادي والاجتماعي المنشود.
​
​
ويرى خبير التنمية المستدامة الدكتور مجدي علام أن تدشين مشروعات التحول الأخضر يجب ألا يتحول إلى ذريعة لتراكم المديونيات دون خطط تنفيذية مدققة، موضحاً أن التمويلات الخضراء تقتضي آليات محاسبية صارمة تضمن تحويل المبالغ إلى طاقات إنتاجية تخفف الضغوط الاقتصادية والبيئية بشكل ملموس يضمن تحقيق الجدوى الاستثمارية المستهدفة.
​
​
واستكمالاً لهذا التوجه النقدي، جددت الكتل النيابية الرافضة مطالبتها بوقف التصديق على الاتفاقيات الخارجية دون مراجعة مسبقة لأداء الصناديق الممولة دولياً، لافتة إلى أن حماية الخزانة تستلزم محاسبة شفافة للمسؤولين، مؤكدة أن تطوير الصناعة لا يتحقق بمراكمة الأعباء والتوسع في الاقتراض الذي يهدد استقلال القرار الاقتصادي الوطني برمته.