كشف حكم قضائي صادر في قضية اقتحام مركز شرطة كرداسة عام 2013 عن عدم وجود أدلة في أوراق الدعوى تثبت استخدام مادة كيميائية حارقة، المعروفة إعلاميًا باسم «ماء النار»، ضد ضباط الشرطة أو إجبار أحدهم على شربها، في تطور يعيد فتح ملف اتهامات لاحقت المعتقلة سامية شنن لسنوات، وجرى تداولها على نطاق واسع في وسائل الإعلام التابعة لعبدالفتاح السيسي.
وسلطت المنظمات الحقوقية الضوء على ما تضمنته حيثيات حكم إعادة المحاكمة، معتبرة أن المعلومات المنشورة بشأن القضية تكشف اختلافًا جوهريًا بين الروايات الإعلامية المتداولة وما ورد بالفعل في المستندات القضائية، خصوصًا فيما يتعلق بهوية السيدة المنسوب إليها استخدام المادة الحارقة وطبيعة الواقعة المزعومة.
وتكتسب هذه التطورات أهمية خاصة مع استمرار حضور الاتهام في الذاكرة الإعلامية، بعدما أعادت الدراما التلفزيونية تقديمه باعتباره واقعة مرتبطة بسامية شنن، دون إظهار ما كشفته الأوراق القضائية بشأن عدم ثبوت استخدام المواد الكيميائية الحارقة.
حكم المحكمة ينفي وجود أدلة
بحسب الحيثيات المنشورة لحكم إعادة المحاكمة الصادر في 2 يوليو 2017، برئاسة محمد شيرين فهمي، أكدت المحكمة أن أوراق القضية خلت من أي إشارة إلى استخدام أحد المتهمين مادة كيميائية حارقة أو كاوية، سواء من خلال إعطائها للمجني عليهم أو إلقائها عليهم.
وأشارت الحيثيات إلى ضرورة تحري الدقة في التعامل مع الوقائع المنسوبة إلى المتهمين، وعدم تداول روايات لا تجد لها أساسًا في أوراق الدعوى، وهو ما يمثل نقطة جوهرية في مراجعة الاتهام الذي ارتبط باسم سامية شنن خلال السنوات الماضية.
ولا يقتصر الأمر على غياب دليل يربط سامية شنن بالواقعة، بل إن مراجعة التحقيقات المنشورة تكشف أن الاتهام المتعلق باستخدام المادة الحارقة كان موجهًا إلى سيدة أخرى، وليس إلى شنن، بما يطرح تساؤلات حول كيفية انتقال الرواية إلى وسائل الإعلام وربطها باسمها.
عزة الزيني صاحبة الاتهام الأصلي
أظهرت التحقيقات التي نشرتها وسائل إعلام عام 2013 أن السيدة التي وُجه إليها اتهام استخدام مادة حارقة هي عزة عبد الجواد لطفي، المعروفة باسم «عزة الزيني»، وذلك على خلفية اتهامها بسكب مادة حارقة على جثمان العميد عامر عبد المقصود، نائب مأمور مركز شرطة كرداسة.
ونفت عزة الزيني الاتهام المنسوب إليها، وأُخلي سبيلها لاحقًا، بينما لم يكن الاتهام المتعلق باستخدام المادة الكيميائية موجهًا إلى سامية شنن وفقًا لما تكشفه التحقيقات المنشورة.
كما أظهرت مراجعة التغطيات الإعلامية وجود تضارب في تحديد هوية الضابط المرتبطة به الواقعة، إذ أشارت بعض الروايات إلى العميد محمد جبر، مأمور مركز شرطة كرداسة، بينما تحدثت روايات أخرى عن العميد عامر عبد المقصود، نائب المأمور.
مسلسل الاختيار أعاد تداول الرواية
عادت قصة «ماء النار» إلى الواجهة مجددًا عام 2021، عقب عرض مسلسل «الاختيار 2»، الذي تناول أحداث فض اعتصامي رابعة العدوية والنهضة.
وتضمنت الحلقة الخامسة من المسلسل مشهدًا لسيدة تُجبر أحد رجال الشرطة على شرب مادة كيميائية حارقة، بالتزامن مع تغطيات إعلامية ربطت المشهد بسامية شنن، وقدمت الواقعة باعتبارها جزءًا من الاتهامات المنسوبة إليها.
وترى المنظمات الحقوقية أن تقديم اتهام جنائي خطير بهذه الصورة، ثم تداوله باعتباره حقيقة ثابتة رغم خلو الأوراق القضائية من أدلة تثبته، يثير مخاوف تتعلق بحقوق المتهمين وسمعتهم، فضلًا عن المساس بقرينة البراءة.
محطات قضية سامية شنن
تعود قضية سامية شنن إلى أحداث اقتحام مركز شرطة كرداسة في أغسطس 2013، وهي القضية التي صدرت فيها أحكام قضائية متعددة بحق عدد من المتهمين، من بينهم شنن.
وبحسب إفادات أسرتها، ألقت قوات الأمن القبض عليها من منزلها في 19 سبتمبر 2013، برفقة نجلها حسن، عقب مداهمة المنزل بحثًا عن نجلها الأكبر طارق.
وفي 2 فبراير 2015، صدر حكم بالإعدام بحق سامية شنن، قبل أن تقرر محكمة النقض إلغاء الحكم في فبراير 2016، وإعادة محاكمتها أمام دائرة أخرى.
وفي 2 يوليو 2017، أصدرت محكمة جنايات القاهرة حكمًا بالسجن المؤبد بحقها، قبل أن تؤيد محكمة النقض الحكم في سبتمبر 2018، ليصبح نهائيًا.
الأسرة تتحدث عن التعذيب والإكراه
على جانب آخر، قدمت أسرة سامية شنن رواية مغايرة بشأن ظروف القبض عليها ومراحل احتجازها، مؤكدة أنها لم تكن موجودة داخل مركز شرطة كرداسة وقت وقوع الأحداث.
وقال نجلها أسامة إن والدته كانت في منطقة ناهيا، وشاركت في مسيرات احتجاجية عقب فض اعتصامي رابعة العدوية والنهضة، نافيًا وجودها داخل المركز خلال الأحداث التي شهدها.
واتهمت الأسرة عناصر أمنية بتعريض سامية شنن للضرب والإهانة والتهديد بالاعتداء الجنسي، فضلًا عن إجبارها على الإدلاء بأقوال مصورة تحت وطأة التعذيب والإكراه.
كما أشارت شهادات منسوبة إليها إلى أنها أنكرت الاتهامات الموجهة إليها، وطالبت بعرضها على الطب الشرعي لإثبات ما قالت إنها تعرضت له من اعتداءات خلال فترة احتجازها.
وتؤكد هذه الشكاوى، بحسب المنظمات، ضرورة التحقيق في ظروف القبض والاحتجاز، وفحص الادعاءات المتعلقة بالتعذيب والإكراه بصورة مستقلة، بما يضمن عدم تجاهل أي انتهاكات محتملة لحقوق المحتجزين.
مطالب بالتحقيق وتصحيح المعلومات
وأعربت المنظمات الحقوقية عن قلقها إزاء استمرار تداول اتهامات جنائية خطيرة بحق محتجزين باعتبارها وقائع مؤكدة، رغم عدم ثبوتها في الأوراق القضائية، محذرة من الآثار المترتبة على ذلك من تشهير وإضرار بالحقوق القانونية والإنسانية للأشخاص المعنيين.
وطالبت المنظمات بتصحيح المعلومات المضللة المتداولة بشأن سامية شنن، وتوضيح ما كشفته الحيثيات القضائية عن عدم ثبوت واقعة استخدام المادة الكيميائية الحارقة، إلى جانب التحقيق المستقل في شكاوى التعذيب والإكراه المنسوبة إلى جهات أمنية.
كما دعت إلى مراجعة مدى احترام ضمانات المحاكمة العادلة في قضيتها، وضمان حقها في الانتصاف القانوني، والإفراج عن جميع المحتجزين تعسفيًا على خلفية قضايا سياسية، وفي مقدمتهم الأشخاص المحتجزون بسبب ممارستهم السلمية لحقوقهم.

