أعلنت مجموعة "شينغ فا" الصينية للكيماويات اعتزامها ضخ استثمارات تصل إلى ملياري دولار في مشروع متكامل للبحث عن خام الفوسفات واستخراجه وتصنيع منتجات عالية القيمة في مصر، على ثلاث مراحل بمنطقة المثلث الذهبي بالصعيد، بحسب بيان وزارة البترول المصرية وتصريحات رسمية نقلتها بعض وسائل الإعلام.
الحكومة قدّمت الخبر باعتباره دليلًا على نجاحها في جذب الاستثمارات وتطوير قطاع التعدين، لكن خلف الأرقام تظل الأسئلة الحقيقية مطروحة: من يملك الفوسفات فعليًّا؟ وما نصيب المصريين من ثروة تُستخرج من أرضهم؟ وهل نحن أمام شراكة عادلة أم امتياز جديد يمنح الشركة الأجنبية النصيب الأكبر من العائد مقابل رسوم محدودة تدخل الخزانة العامة؟
مليارا دولار على الورق.. لكن من يضمن حصة المصريين؟
بحسب البيانات المعلَنة، سيشمل المشروع البحث عن خام الفوسفات، واستخراجه، وإنشاء مجمع صناعي لمنتجات فوسفورية عالية القيمة، ليكون أكبر مركز للمجموعة خارج الصين. لكن لا توجد حتى الآن أي تفاصيل منشورة عن صيغة التعاقد: مدة الامتياز؟ نسب اقتسام الأرباح؟ حقوق الدولة في الإدارة؟ شروط نقل التكنولوجيا؟ حماية البيئة؟
هنا يظهر تحفُّظ الخبير الاقتصادي د. زياد بهاء الدين، نائب رئيس الوزراء الأسبق، الذي يكرّر في مقالاته وتصريحاته أن مشكلة الاقتصاد المصري ليست في غياب الاستثمارات الأجنبية، بل في طبيعة البيئة التي تدخلها هذه الاستثمارات، ودور الدولة التي ما زالت تزاحم القطاع الخاص وتتعامل مع الاقتصاد بعقلية السيطرة لا التنظيم. ويؤكد أن تحسين بيئة الاستثمار وحُسن إدارة الموارد هي مسؤولية الدولة وليست مهمة صندوق النقد أو المستثمر الأجنبي.
إذا تم توقيع عقد يمنح "شينغ فا" امتيازًا طويل الأجل مع أفضلية لاسترداد التكاليف والأرباح بالدولار، بينما تتحمل مصر المخاطر البيئية وتكتفي برسوم محدودة، فنحن أمام إعادة إنتاج لنفس نمط إدارة الموارد الذي أوصلنا لأزمة ديون خانقة، لا "إنجاز" اقتصادي جديد. السؤال الجوهري: هل سيتعامل النظام مع الفوسفات كملف سيادي يخضع لنقاش مجتمعي ورقابة برلمانية، أم كصفقة مغلقة تُدار في الغرف المغلقة ثم تُسوَّق في الإعلام؟
المثلث الذهبي.. كنز تعدين يُدار بعقلية “المقاول الباطن”
المثلث الذهبي بين قنا وسفاجا والقصير يُعد من أغنى مناطق مصر بالثروات المعدنية؛ تقارير رسمية تشير إلى أنه يضم نحو ٩٥ تواجُدًا من الخامات، تمثل حوالي ٧.٦٪ من موارد مصر التعدينية، بينها الفوسفات، والحديد، والنحاس، والذهب، والرخام. هذه المنطقة كان يمكن أن تصبح قاعدة لصناعات وطنية كبرى في الأسمدة والكيماويات، لو وُجدت إرادة لإقامة نموذج استغلال عادل وشفاف.
الجيولوجي د. عبد العال عطية، أحد مسؤولي هيئة الثروة المعدنية السابقين، انتقد قبل سنوات سياسات الحكومة في تصدير الخامات، وقال صراحة إن الدولة تفرض رسوماً على بعض الخامات الثانوية بينما تترك الفوسفات يُصدَّر بالملايين من الأطنان دون رسوم عادلة، معتبرًا أن بعض القرارات الحكومية كانت "آخر طعنة في ظهر صناعة التعدين في مصر". كلام عطية يكشف نمطًا واضحًا: الدولة تتعامل مع الثروة التعدينية كمصدر عملة صعبة سريع من خلال تصدير الخام، بدلًا من بناء سلسلة قيمة متكاملة تخلق صناعة قوية ووظائف مستدامة.
من جانبه، يحذر د. حسن بخيت، وكيل وزارة البترول لشؤون التعدين سابقًا، من استمرار "إهدار الخامات المعدنية" بسبب سوء الإدارة وضعف الرقابة، لافتًا إلى أن قطاع المحاجر وحده يمثل أكثر من ثلثي الثروة المعدنية المصرية، ومع ذلك تُهدر كميات كبيرة بسبب أساليب استخراج بدائية وتدمير لاحتياطات يمكن استغلالها مستقبلًا. إذا كان هذا هو واقع الإدارة في المشروعات المحلية، فكيف يمكن الاطمئنان إلى أن مشروعًا بهذا الحجم مع "شينغ فا" سيُدار بما يضمن تعظيم نصيب الدولة من الخام والقيمة المضافة، لا أن تتحول مصر إلى "مقاول باطن" يوفر الأرض والبنية التحتية والخام الرخيص، بينما تُصدَّر الأرباح والتكنولوجيا للخارج؟
من غاز إسرائيل إلى فوسفات الصين.. نمط واحد لاستنزاف الموارد
التجربة المصرية مع الغاز تكشف الكثير. الخبير الاقتصادي د. أحمد السيد النجار وثّق بالأرقام كيف حوَّلت اتفاقيات الغاز مع إسرائيل مصر من دولة مكتفية ذاتيًا إلى مستورد يعتمد على الغاز الإسرائيلي لتغذية محطات الإسالة في إدكو ودمياط، ما منح تل أبيب أداة ضغط سياسية واقتصادية خطيرة، وأتاح لها أرباحًا سنوية بمليارات الجنيهات على حساب المال العام المصري.
جوهر نقد النجار أن إدارة ملف الطاقة تمت بعقلية تضيّع الاستقلال الاقتصادي وتحوّل موردًا استراتيجيًا إلى ورقة ضغط بيد طرف خارجي. اليوم، ونحن أمام مشروع صيني ضخم في الفوسفات، يُخشى أن نكرر نفس النمط:
امتياز طويل الأجل لشركة أجنبية مسنودة بدولة كبرى.
خامات تُستخرج بكثافة من منطقة استراتيجية (المثلث الذهبي) دون شفافية كافية حول العوائد الحقيقية.
اعتماد متزايد على مستثمر خارجي في قطاع حيوي، مع غياب رقابة مجتمعية جادة.
بدل أن يكون الفوسفات رافعة لاستقلال اقتصادي، قد يتحول – إذا تمت الصفقة بشروط مجحفة – إلى قناة جديدة لخروج العملة الصعبة، عبر تحويل أرباح مليارية إلى شركة عالمية مدرجة، بينما يبقى المواطن المصري في صعيد "المثلث الذهبي" أسير بطالة وفقْر وخدمات متدهورة.
ختاما فاستثمار "شينغ فا" ليس مشكلة في ذاته؛ المشكلة في حكومة عاجزة عن إدارة موارد البلاد بشفافية وعدالة، وتاريخ طويل من الصفقات التي تمنح الشركات الأجنبية النصيب الأكبر من الثروة مقابل فتات يدخل إلى الموازنة.
أصوات خبراء مثل زياد بهاء الدين، وعبد العال عطية، وحسن بخيت، وأحمد السيد النجار، تُجمِع – كل من زاويته – على أن الخلل في نموذج الإدارة لا في حجم الموارد. الحل الحقيقي يبدأ من نشر تفاصيل العقود، ووضع سقف زمني عادل للامتيازات، وربط أي حوافز استثمارية بنقل التكنولوجيا وتوطين الصناعات وتحديد حد أدنى ملزم لحصة الدولة من الأرباح. بدون ذلك، سيبقى شعار "القيمة المضافة" مجرد لافتة لتبرير عقود تستنزف الفوسفات كما استنزفت من قبل الغاز والذهب، بينما يدفع المصريون ثمن الفاتورة وحدهم.

