فتح تعليق ساخر لرجل الأعمال المصري نجيب ساويرس النار على سياسات الجباية المتصاعدة، وعلى دوره نفسه في صناعة هذا الواقع.

 

ساويرس علّق على موجة الضرائب قائلاً: «بُكره يحطّوا ضريبة على الطعمية السخنة»، في جملة خطفتها مواقع التواصل لتتحول إلى عنوان لغضب شعبي متراكم من ضرائب ورسوم لا تتوقف، لكنها في الوقت نفسه أعادت تذكير كثيرين بأن صاحب التعليق كان أحد أبرز الداعمين للنظام الذي يفرض هذه الجباية اليوم. ما بين الضحكة المرّة والسخرية اللاذعة، جاء تفاعل المستخدمين كاشفًا لحدود التعاطف مع رجل أعمال يرى البعض أنه يشكو الآن من نارٍ ساهم في إشعالها.

 

«ضريبة على الطعمية».. نكتة تتحول إلى مرآة للوجع اليومي

 

القصة بدأت من تغريدة للمدوّن أحمد طحان كتب فيها باقتضاب يعكس المزاج العام:

بكره يحطوا ضريبة على الطعمية السخنة

 

 

التغريدة لامست إحساس كثيرين بأن الدولة تبحث عن أي منفذ لفرض رسوم جديدة، حتى لو كانت على أبسط وجبة شعبية. ساويرس التقط الخيط وردّ ساخرًا: «كده برضه، طب وحياتك ليحطوا عليها ضريبة هي كمان ☺️»، في محاولة للجمع بين المزاح وانتقاد سياسة الضرائب:

 

 

المستخدم رمضان علاء نقل المزحة إلى أرض الواقع، مذكّرًا بأن وجبة الفقير لم تعد رخيصة أصلًا: «باظت من بعد ما السندوتش بقي بـ ٢٠ جنيه»، في إشارة إلى الارتفاع الجنوني في الأسعار:

 

 

أما هيثم عمار فذهب إلى أقصى تخوّف الناس من جشع الجباية: «كده مش هيبقى ناقص غير الهوا اللي بنتنفسه يا هندسة، ولا ده كمان هيحطوا عليه ضريبة؟»، ليلخص شعورًا عامًا بأن الدولة لا ترى في المواطن سوى «حصالة» مفتوحة:

 

 

ويتوسع المغرّد سيد في قصيدة ساخرة تلخص منطق الجباية بلا حدود:

 

 

بين هذه التعليقات، تبدو نكتة «ضريبة الطعمية» بعيدة كل البعد عن كونها مجرد طرفة؛ إنها انعكاس لحياة مواطن صار يترقب فاتورة جديدة في كل خطوة: على الفاتورة، على الخدمة، على السكن، وحتى على هاتفه القادم من الخارج.

 

غضب من تحت: «أنتم اللي بنيتوا الجمهورية دي»

 

رغم أن البعض تلقّى تعليق ساويرس كتعبير عن تضامن متأخر من «رأس مال كبير» مع المواطن، فإن قطاعًا واسعًا من المستخدمين ذكّره سريعًا بماضيه السياسي. التركي باشا كتب موجهًا إليه: «ياريتك ما تنسى انك كنت من دافع للنظام»، في ربط واضح بين ساويرس وبين وصول هذا النظام إلى السلطة:

 

 

المغرد سمير كان أكثر حدة، فوصف ساويرس بأنه «شارك بقوة في انقلاب 30 يونيو»، في إشارة إلى دعمه المالي والإعلامي لمسار 2013، حين لعبت قنواته وصحفه دورًا مركزيًا في الهجوم على ثورة يناير وشرعنة الحكم الحالي:

 

 

أما شيرين جودة فقد لخّصت الموقف من زاوية أخرى، قائلة إن «الميزة إن الأغنيا بقوا يشتكوا بالنيابة عننا، واحنا حاطّين جزَم في بوقنا»، مذكّرة بأن تصريحات ساويرس وقبلها حديث يوسف بطرس غالي عن الضرائب لا تغيّر حقيقة أن أحدًا من المسؤولين لن يتحرك لإنقاذ الشعب:

 

 

هذه الردود تكشف أن جزءًا معتبرًا من الجمهور يرفض منح ساويرس «شهادة معارضة» لمجرد إطلاق نكتة على الضرائب؛ فالرجل بالنسبة لهم شريك أصيل في بناء منظومة اقتصادية وسياسية جعلت من الضرائب والرسوم والديون أسلوب حكم، قبل أن يشعر هو نفسه بحرارتها على مصالحه أو على صورته العامة.

 

بين أسعار الداخل والخارج.. الضريبة عنوان لفشل شامل

 

وسط سيل السخرية، جاء تعليق رمضان هريدي ليلفت النظر إلى جوهر القضية: «ما فيش مقارنة بين أسعار مصر والخارج والكل يعرف ذلك»، في إشارة إلى أن مساواة الدولة بين ضرائب الداخل والخارج، أو استخدام «المعايير العالمية» كغطاء للجباية، هو ببساطة تجاهل لفارق الدخل والقوة الشرائية بين المواطن المصري ونظرائه:

 

 

فالدولة التي تفرض رسومًا على تحويلات الخارج، وعلى الهواتف القادمة من المغتربين، وتلوّح كل يوم بضريبة جديدة، لا تقدّم في المقابل خدمات تعليم وصحة ونقل تقترب حتى من الحد الأدنى المقبول. هنا تصبح نكتة ساويرس عن «ضريبة الطعمية» جزءًا من صورة أوسع: اقتصاد يعالج عجزه عبر جيوب الفقراء، بينما يظل عبء تصحيح السياسات، ووقف نزيف الديون، وإيقاف مشروعات البذخ، خارج أي حساب.

 

في النهاية، ما كشفته هذه الجولة القصيرة على «إكس» أن السخرية من الضرائب أصبحت لغة مشتركة بين الملياردير والغلبان، لكن الفارق أن الأول يملك رف luksus الشكوى من موقع آمن، بينما يدفع الثاني ثمن هذه السياسات من لقمة عيشه ومستقبل أولاده. وبينهما تقف ذاكرة لا تُمحى: ذاكرة أن من يشتكون اليوم، كانوا بالأمس على رأس من صاغوا «الجمهورية» التي جعلت مجرد التفكير في «طعمية سخنة» عبئًا جديدًا على ميزانية بيتٍ مسحوق.