في موازنة تعمل لحساب البنوك لا لحساب المواطنين، كشفت الأرقام الرسمية عن النصف الأول من العام المالي 2025–2026 عن أن مصر دخلت عمليًا مرحلة «الاقتصاد الخادم للدَّيْن». عجز موازنة يصل إلى 4.2% من الناتج المحلي في ستة أشهر فقط، ومدفوعات فوائد ديون تبلغ 1.26 تريليون جنيه بزيادة تقارب 34.6% عن العام الماضي، والأخطر أن هذه الفوائد وحدها التهمت نحو 92% من إجمالي إيرادات الدولة خلال الفترة نفسها.

 

في المقابل، تستمر الحكومة في بث رسائل طمأنة عن «تحسن مؤشرات الدين» و«انخفاض نسبته إلى الناتج»، بينما تشير تقارير مستقلة إلى ارتفاع الدين الخارجي إلى نحو 161.2 مليار دولار بنهاية يونيو 2025، مع شحّ في الموارد الدولارية واضطرار الدولة لسداد عشرات المليارات سنويًا كأقساط وفوائد.

 

في هذا السياق، يرى خبراء مثل هاني توفيق وعبد المطلب عبد النبي ود. مراد علي أن ما يجري لم يعد «اختلالًا عابرًا»، بل مسارًا ماليًا يفقد الموازنة قدرتها على القيام بوظائفها الأساسية، ويحوّل المواطن إلى ممول دائم لخدمة الدين عبر الضرائب وغلاء الأسعار، دون أن يلمس مقابلًا في الخدمات أو مستوى المعيشة.

 

أرقام لا ترحم.. موازنة تعمل لخدمة الدَّيْن لا لخدمة المجتمع

 

الواقع المالي كما تكشفه الأرقام الرسمية يضع مصر في وضع نادر عالميًا: فوائد الديون وحدها تقترب من ابتلاع كامل الإيرادات العامة.

 

البيانات الأحدث تُظهر أن خدمة الدين (الفوائد فقط) خلال النصف الأول من 2025–2026 وصلت إلى نحو 1.26 تريليون جنيه، أي ما يعادل 92% من حصيلة الإيرادات في الفترة ذاتها، بينما يُفترض أن تذهب هذه الإيرادات إلى التعليم والصحة والدعم والاستثمار العام، لا إلى البنوك والدائنين.

 

هذه الصورة تؤكد ما حذّر منه الخبير المالي هاني توفيق مرارًا؛ إذ سبق أن لفت إلى أن فوائد ديون الحكومة وحدها في الموازنة الجديدة تعادل أو تتجاوز إجمالي إيرادات الدولة، ما يعني أن «كل جنيه ضرائب أو رسوم أو عوائد عامة يذهب عمليًا لخدمة الدَّيْن، بينما تُموَّل بقية بنود الإنفاق بالاقتراض الجديد».

 

ويضيف توفيق – في تحليلات سابقة لمسار المديونية – أن الخطر الأكبر لم يعد في حجم الدين الخارجي فقط، بل في الدين المحلي وفوائده المتصاعدة، التي تقلّص قدرة الحكومة على الإنفاق الاجتماعي، وتدفعها إلى مزيد من الضرائب غير المنتجة على الاستهلاك والخدمات بدل توسيع القاعدة الإنتاجية.

 

بمعنى آخر:

 

•  العجز البالغ 4.2% من الناتج في نصف عام،

•  مع فاتورة فوائد تقترب من كامل الإيرادات،

 

يعني أن الموازنة لم تعد أداة لإدارة أولويات المجتمع، بل أصبحت دفتر حساب لخدمة الدائنين؛ ما يتناقض تمامًا مع خطاب رسمي يتحدث عن «ضبط مالي» و«تحسن هيكلي» في إدارة الدين.

 

رواية رسمية مطمئنة.. وواقع تكذّبه الديون والأرقام المستقلة

 

تُصرّ الحكومة على التأكيد بأنها تسير على «مسار نزولي للدَّيْن»، وتشير إلى خطط لخفض نسبة الدين الحكومي بنحو 11% خلال عامين، والوصول به إلى أقل من 80% من الناتج بحلول يونيو 2026.

 

لكن تقارير مستقلة – من بينها تقارير لوكالات دولية وصحف اقتصادية – ترسم صورة أكثر قتامة:

 

•  إجمالي الدين العام يقترب من 15 تريليون جنيه بنهاية يونيو 2025، مع دين خارجي يبلغ نحو 161.2 مليار دولار ويواصل الصعود.

•  البنك المركزي يشير إلى مدفوعات خدمة دين خارجي في عام واحد تقترب من 39 مليار دولار، ما يضغط على الاحتياطي النقدي وميزان المدفوعات.

 

الخبير الاقتصادي عبد المطلب عبد النبي – في تحليلاته لملف الدين – يشدد على أن المشكلة ليست في «نسبة» الدين التي يجري تجميلها أحيانًا عبر تغيير سنة الأساس أو طريقة الاحتساب، بل في قدرة الاقتصاد الحقيقي على توليد موارد تكفي لخدمة هذه الديون دون خنق الموازنة والمواطن. وقد حذّر أكثر من مرة من أن استمرار الاقتراض بنفس الوتيرة، مع ضعف الصادرات وتراجع عوائد بعض القطاعات، يضع مصر في منطقة خطرة من حيث استدامة الدين وقدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها دون «بيع أصول استراتيجية أو تحميل المواطنين مزيدًا من الأعباء».

 

ويتقاطع ذلك مع تحليلات صادرة عن مراكز بحث دولية مثل مركز كارنيغي، الذي ربط بين تضخم فاتورة الدَّيْن وبين نموذج اقتصادي يعتمد على الاقتراض الخارجي والمشروعات كثيفة التكلفة المحدودة العائد الإنتاجي، ما يزيد هشاشة الموقف المالي أمام أي صدمة خارجية في أسعار الفائدة أو الطاقة أو التمويل.

 

النتيجة الواضحة:

هناك فجوة متزايدة بين السردية الحكومية التي تتحدث عن «تحسن» في مؤشرات الدين، وبين الأرقام الفعلية التي تعكس مديونية أكبر، وفوائد أعلى، وقدرة أضعف على السداد دون ضغط اجتماعي داخلي.

 

ضرائب بلا عدالة وإصلاحات على الورق… والمواطن يدفع ثمن «اقتصاد الدَّيْن»

 

لكي تموّل الدولة هذه الفوائد المتضخمة، لم تذهب إلى مسار إصلاح ضريبي عادل يطال الثروة والاحتكارات والرأسمال الريعي، بل ركزت – كما يلاحظ كثير من الاقتصاديين – على توسيع الجباية من جيب المواطن العادي عبر:

 

•  زيادات متكررة في الضرائب غير المباشرة،

•  ورسوم على الخدمات الأساسية،

•  وتوسيع قاعدة من يخضعون للتحصيل من دون تحسين حقيقي في الخدمات.

 

الخبير الاقتصادي د. مراد علي يرى أن هذا النهج يفاقم فجوة الثقة بين الدولة والمجتمع؛ إذ يتزامن مع بيانات دولية تُظهر أن مصر كانت بين أسوأ دول العالم أداءً في إدارة ملف الدَّيْن خلال السنوات الأخيرة، ومع ذلك تُقدَّم للناس رواية رسمية تقول إن «كل شيء تحت السيطرة». وقد أشار في أكثر من تعليق إلى أن ما يراه المواطن من انهيار في القوة الشرائية للعملة، وارتفاع في الأسعار، وتآكل في الخدمات، يناقض تمامًا أي حديث عن «قصص نجاح» في إدارة المديونية.

 

ويضيف علي أن التضحية بالإنفاق الاجتماعي لصالح خدمة الدَّيْن – عبر تخصيص نسب متدنية من الناتج للتعليم والصحة مقارنة بما ينص عليه الدستور – تعني أن الأجيال القادمة ستتحمل كلفة مزدوجة:

1.  دين عام أعلى يحتاج إلى سنوات من العمل لسداده،

2.  ومستوى تعليم وصحة أقل بكثير من الحد الأدنى المطلوب لمنافسة اقتصادات المنطقة.

 

أما هاني توفيق، فيربط بين هذا المسار وبين تآكل شرعية السياسات الاقتصادية نفسها؛ إذ يرى أن الحكومة لا يمكنها الاستمرار في مطالبة الناس بمزيد من الضرائب والرسوم بينما ترفض فتح نقاش جدي وشفاف حول أولويات الإنفاق، وجدوى المشروعات الكبرى، وحدود الاقتراض المقبول.

 

في النهاية، عجز يصل إلى 4.2% في نصف عام، وفوائد تبتلع 92% من الإيرادات، ودَيْن خارجي يتجاوز 161 مليار دولار؛ ليست مجرد «تحديات ظرفية»، بل مؤشرات على نموذج مالي وصل إلى حدوده القصوى.

 

الرسالة التي يبعثها خبراء الاقتصاد الأبرز اليوم واضحة:

لا يمكن إصلاح هذا المسار بمجرد تعديل أرقام في الموازنة أو تغيير طريقة احتساب نسب الدين، بل بإعادة تعريف دور الدولة من اقتصاد يخدم الدائنين إلى اقتصاد يخدم المجتمع، وبشفافية كاملة حول حجم الأزمة ومن يتحمل ثمنها الحقيقي.