مع افتتاح الفصل التشريعي الجديد لمجلس نواب الانقلاب، كسر حزب العدل حالة السكون البرلماني بتقديم أول استجواب في هذا الدور، عبر نائبه الدكتور محمد فؤاد، موجّهًا إلى وزير البترول والثروة المعدنية بشأن أزمة الغاز والطاقة في مصر، بوصفها ملفًا سياديًا ضرب الأمن الطاقي، والاستقرار المالي، والقدرة الإنتاجية للاقتصاد.

 

الاستجواب – المدعوم بأرقام ومستندات من داخل الوزارة نفسها – لا يكتفي بتوصيف الأزمة، بل يتهم إدارة الملف بالتضليل، وسوء التخطيط، وتحميل المواطن والصناعة ثمن أخطاء سياسية وفنية متراكمة. في الخلفية، تبدو حكومة يعتبرها خصومها «حكومة انقلاب» أمام اختبار ديمقراطي حقيقي: هل يُسمح لأداة رقابية جادّة بأن تعمل حتى النهاية، أم يُدفن الاستجواب في أدراج البرلمان مثل غيره؟

 

أزمة إنتاج الغاز: أرقام الاستجواب تُكذّب خطاب «النجاحات»

 

يرصد الاستجواب مسارًا هابطًا واضحًا لإنتاج الغاز الطبيعي منذ عام 2022؛ إذ تراجع متوسط الإنتاج اليومي من حوالي 6.5–7 مليارات قدم مكعب إلى قرابة 4 مليارات قدم مكعب بنهاية 2025، أي انخفاض تراكمي يقترب من 17–18% خلال فترة تولّي الوزير الحالي، من دون مؤشرات فنية حقيقية على انقلاب هذا الاتجاه رغم الخطاب الرسمي المكرر عن «زيادة الإنتاج» و«الطفرة في الاكتشافات».

 

اللافت في طرح حزب العدل هو تركيزه على الفجوة بين الأرقام التي قُدمت للقيادة السياسية ضمن خطط 2025–2026، وبين الواقع الفعلي؛ فبحسب نص الاستجواب، جرى إدراج آبار ومشروعات لم يبدأ حفرها، أو لم تثبت جدواها بعد، كطاقات إنتاجية مفترضة تم البناء عليها في قرارات تخص الكهرباء والاستيراد.

 

وفي مثال حقل ظُهر، يشير الاستجواب إلى أن العروض الرسمية استهدفت إنتاج 230 مليون قدم مكعب يوميًا، بينما لم يتجاوز الإنتاج الفعلي 130 مليون قدم مكعب، بعجز يقارب 43%، وهو ما انعكس مباشرة على قدرة الشبكة الكهربائية، واضطرار الدولة إلى الاعتماد المتزايد على الوقود البديل والاستيراد، بدلًا من معالجة أصل المشكلة في الحقول والسياسات الاستثمارية.

 

محمد فؤاد نفسه لخّص فلسفة الاستجواب في منشوره على فيسبوك، مؤكدًا أنه جاء بعد «متابعة متأنية لمسار الملف منذ عامين لم ندّخر فيهما نقدًا وتحليلًا ونصحًا»، وأن المساءلة تستهدف «مصارحة حقيقية حول وضع الطاقة، وتصحيح المسار بدل ترحيل الأزمات، وحماية المواطن من تحمّل كلفة اختلالات لم يكن طرفًا فيها».


 

وحدات تغويز متأخرة وفاتورة استيراد منفجرة

 

أحد أكثر ملفات الفشل حدّة في الاستجواب هو ملف وحدات التغويز العائمة (FSRU) التي قُدمت للجمهور باعتبارها «حلًا عاجلًا» لأزمة صيفية في الكهرباء. لكن بحسب ما أورده الاستجواب – وأكدته تغطيات صحفية لاحقة – فإن سوء التنسيق والتأخير في إدخال الوحدات للخدمة ترتب عليه غرامات تأخير يومية تتراوح بين 100 و150 ألف دولار، وتكلفة شهرية تقارب 12 مليون دولار لوحدات لم تعمل في التوقيتات المعلن عنها، ما يعني نزيفًا مباشرًا للعملة الصعبة دون أي عائد تشغيلي.

 

هذا الخلل في إدارة ملف التغويز اقترن بتضخّم غير مسبوق في فاتورة استيراد الوقود؛ إذ قفزت واردات مصر من الوقود إلى نحو 21 مليار دولار خلال عام 2025، بزيادة تقارب 5 مليارات دولار عن 2024، وفق بيانات تحليلية حديثة، في وقت تعاني فيه الموازنة العامة من ضغط الديون وخدمة الفوائد القياسية.

 

بدل أن تُعالج فجوة الطاقة عبر تسريع التعافي الإنتاجي، يشير الاستجواب إلى أن الهيئة العامة للبترول لجأت إلى تمويل خارجي يقدّر بنحو 1.455 مليار دولار، استُخدم في تغطية واردات عاجلة، لا في تمويل توسعات إنتاجية مستدامة، لتحوَّل أزمة الغاز إلى التزام مالي جديد يُضاف إلى جبل الديون القائم.

وفي الخلفية، يفاخر رئيس الوزراء بسداد 5 مليارات دولار من مستحقات الشركاء الأجانب، والتعهد بخفض المتأخرات إلى 1.2 مليار دولار بحلول يونيو 2026، دون أن ينعكس ذلك على استقرار الإمدادات أو تخفيف فاتورة الاستيراد.

 

النتيجة المباشرة ظهرت في الصناعة؛ فاستجواب حزب العدل يتحدث عن خفض أو توقف جزئي في عمل قطاعات كثيفة الاستهلاك للطاقة، وعن تحمل قطاع الكهرباء تكلفة وقود بديل أعلى، بما يهدد استدامة التعرفة الحالية، ويُنذر في النهاية بمزيد من الضغط على المواطن، سواء عبر انقطاعات أو زيادات جديدة في الأسعار.

 

برلمان تحت الحصار.. هل يمرّ الاستجواب أم يُدفن؟

 

سياسيًا، لا يمكن فصل هذا الاستجواب عن سياق أوسع لمنظومة حكم تُوصَف من معارضيها بأنها «حكم انقلاب عسكري» يعيش على تقييد السياسة وتجفيف المجال العام. في هذا المناخ، يصبح تقديم استجواب حاد من حزب معارض صغير – كحزب العدل – بمثابة اختبار حقيقي لقدرة النظام على تحمّل حد أدنى من الرقابة البرلمانية الجادة.

 

الدكتور محمد فؤاد أكد في تصريحات صحفية أنه «لا يقيّم أشخاصًا بل مؤشرات وأرقام»، وأن الاستجواب مدعوم بمستندات رسمية صادرة عن الوزارة نفسها، متهمًا إدارة الملف بحالة «تضليل لمتخذ القرار» وأخطاء حسابية جسيمة لا تليق بوزارة سيادية.

 

لكن السؤال الأهم: ماذا بعد؟ حتى لحظة إعداد هذا التقرير، يشير فؤاد إلى أنه لم يُخطر بعد بإدراج الاستجواب على جدول أعمال المجلس، وأنه يتابع مع مكتب المجلس لضمان مناقشته في أقرب وقت. هنا يتجلّى جوهر «الاختبار الديمقراطي»:

 

•  هل يُسمح لمعارضة برلمانية جادة بأن تكشف على الهواء فجوة الأرقام والتخطيط في ملف يمس الكهرباء والصناعة وجيوب المواطنين؟

•  أم يُواجه الاستجواب بالمماطلة والتسويف، تمهيدًا لإجهاضه أو تحويله إلى جلسة بروتوكولية تنتهي بتوجيه الشكر للوزير؟

 

في دولة طبيعيّة، ما ورد في هذا الاستجواب كفيل بإسقاط وزير أو إعادة هيكلة كاملة لملف الطاقة. أما في نظام مغلق، فإن أقصى ما قد يحدث هو التضحية ببعض المسؤولين الأدنى، مع الإبقاء على المسار نفسه الذي قاد إلى الأزمة.

 

استجواب حزب العدل لا يقدّم وصفة سحرية، لكنه يذكّر بأن هناك قلة قليلة ما زالت تحاول استخدام الأدوات الدستورية والرقابية لتصحيح المسار، في مواجهة منظومة لا ترى في البرلمان سوى قاعة تصفيق. فإذا مُنع هذا الصوت، أو جرى الالتفاف عليه، فإن الرسالة ستكون واضحة: حتى المساحة الضيقة للرقابة من داخل «برلمان الانقلاب» لم تعد مرغوبة، وأن المواطن سيواصل دفع ثمن السياسات الخاطئة بلا مساءلة حقيقية ولا أمل قريب في تغيير المسار.