بينت المواقف المتلاحقة داخل الولايات المتحدة وخارجها أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لم ينجح في تحويل الحرب على إيران إلى معركة تحشد خلفه الحلفاء، بل دفع واشنطن إلى وضع أكثر ارتباكًا، مع تصدع داخل معسكره نفسه، ورفض أوروبي وآسيوي للمشاركة في فتح مضيق هرمز، وتصاعد أسئلة الداخل الأمريكي عن كلفة الحرب وجدواها، ومن الذي دفع إليها، ومن الذي سيحصد خسائرها السياسية والاقتصادية في النهاية؛ هذا المشهد لا تصنعه تغريدة واحدة ولا تعليق منفعل، بل تؤكده استقالة مدير المركز الوطني الأمريكي لمكافحة الإرهاب جو كينت احتجاجًا على الحرب، وتؤكده تقارير عن امتناع حلفاء رئيسيين عن مساعدة ترامب في هرمز، وتؤكده كذلك تقديرات داخل واشنطن عن تباين الأهداف بين الولايات المتحدة وإسرائيل مع دخول الحرب أسبوعها الثالث.

 

أسامة رشدي وضع الاتهام في صيغته السياسية المباشرة، معتبرًا أن ترامب يتحمل المسؤولية الرئيسية عن الحرب مع إيران، وأن دائرته المقربة تضم أشخاصًا يدافعون بشدة عن إسرائيل ويرتبطون منذ سنوات بتمويلات انتخابية ذات صلة بها، وهي صياغة تلخص واحدة من أكثر التهم تداولًا في النقاش الأمريكي نفسه، أي أن قرار الحرب لم يكن منفصلًا عن شبكة ضاغطة تحيط بالرئيس وتدفعه إلى مسار يتجاوز حتى بعض شعاراته القديمة عن تجنب الحروب الكبرى.

 

 

هذا الاتهام اكتسب وزنًا إضافيًا بعد استقالة جو كينت، الذي قال صراحة إنه لا يستطيع تأييد الحرب بضمير مرتاح، وإن إيران لم تكن تمثل تهديدًا وشيكًا، في واحدة من أخطر الشهادات الخارجة من داخل المؤسسة الأمريكية نفسها، لأن الرجل لم يكن معارضًا من خارج الدولة بل مسؤولًا أمنيًا رفيعًا في قلبها، واستقالته تحولت إلى إشارة علنية على أن رواية البيت الأبيض لم تعد مقنعة حتى لبعض من يُفترض أنهم جزء من بنائها.

 

الإعلامي عماد البحيري التقط هذا المعنى من زاوية أخرى، حين أشار إلى أن تقارير الاستخبارات واستقالة كينت وضعت إدارة ترامب في مأزق بسبب الاحتجاج على جر البلاد إلى الحرب، وهو توصيف يجد ما يسنده في التغطيات الأمريكية الأخيرة التي أبرزت أن الاستقالة لم تكن حدثًا إداريًا عابرًا، بل تحديًا مباشرًا لتبرير الحرب نفسه.

 

 

ياسر الزعاترة أضاف أن التطورات الدرامية تلاحق ترامب، وأن استقالة كينت وما نُقل عن مستشار الأمن القومي البريطاني جوناثان باول بشأن جدية العرض الإيراني السابق، جعلا عقدة العقد بالنسبة للرئيس الأمريكي هي اتهامه بالتبعية للكيان وأدواته داخل أمريكا، وهي صياغة حادة لكنها تعكس حقيقة سياسية ثابتة، وهي أن الحرب لم تمنح ترامب صورة القائد الحاسم بقدر ما فتحت عليه باب التشكيك في استقلال قراره.

 

 

صلاح بديوي لخص المأزق بعبارة «ندم المشتري»، مستندًا إلى ما قال إنه تقرير لموقع «أكسيوس» عن قلق داخل الدائرة الضيقة لترامب مع دخول الحرب أسبوعها الثالث، وعن تحول الرهان على ضربة خاطفة إلى صراع استنزاف معقد؛ وهذه القراءة تجد سندًا واضحًا في تقرير «أكسيوس» المنشور اليوم عن تباين الأهداف النهائية بين واشنطن وتل أبيب وازدياد القلق داخل الإدارة من فوضى النهاية المحتملة.

 

https://x.com/bedewi110/status/2034066625385652408

 

أوروبا لا تريد أن تدفع ثمن حرب ترامب

 

الكاتبة آن آبلباوم قدمت واحدًا من أكثر التفسيرات تماسكًا للموقف الأوروبي، إذ قالت إن حلفاء الولايات المتحدة لم ينسوا الرسوم الجمركية التي فرضها ترامب، ولا تهديداته لحلف شمال الأطلسي، ولا تقليصه للمساعدات لأوكرانيا، ولذلك لا ينبغي أن يتفاجأ من عدم استعدادهم لمساعدته في إيران؛ وهي ملاحظة تتطابق مع ما أكدته وكالة أسوشيتد برس من أن ترامب عبّر عن غضبه من رفض حلف الأطلسي وحلفاء آخرين مساعدته في تأمين مضيق هرمز، فيما شدد الأوروبيون على أنهم لم يُستشاروا في هذه الحرب أصلًا.

 

 

شاهيناز الطاهر صاغت الموقف الأوروبي بلغة ساخرة لكنها شديدة الدلالة، حين قالت إن أوروبا لا تريد أن تحارب ولا أن تخسر لأجل إسرائيل، وإنها «باعت واشنطن في نص الطريق»؛ وهذه المبالغة التعبيرية تقوم فوق حقيقة سياسية واضحة، وهي أن الاستجابة الأوروبية لطلبات ترامب العسكرية جاءت فاترة أو رافضة، وأن القارة لا ترى مصلحة مباشرة في الانخراط في حرب هجومية لم تبدأها ولم تشارك في قرارها.

 

 

هذه الفكرة نفسها ظهرت في منشور آخر تداولته منصة «ميم»، وفيه أن ترامب يتوسل مساعدة أوروبا في حرب إيران بعد أن ورط نفسه في مضيق هرمز، بينما يأتيه الرد بأن أحدًا لن يشارك في حربه؛ والمهم هنا ليس الصياغة الانفعالية بل مضمونها، لأن البيانات والتقارير المنشورة اليوم تؤكد أن طلبات ترامب شملت شركاء أوروبيين وآسيويين، وأن أكثر من طرف رئيسي اختار البقاء خارج المهمة المقترحة في هرمز.

 

 

قناة «الشرق» أعادت التذكير باللقاء الذي قال فيه إيمانويل ماكرون إن فرنسا لن تشارك في عمليات فتح مضيق هرمز، وهو موقف يعكس أن الرفض الأوروبي لم يعد تسريبًا أو قراءة صحفية فقط، بل صار خطابًا سياسيًا معلنًا، ويفسر جزئيًا لماذا بدا ترامب في الأيام الأخيرة أكثر عصبية تجاه الحلفاء الذين يذكرهم بالدعم الأمريكي التاريخي، ثم يكتشف أنهم لا يريدون رد الجميل في حرب لا يرونها حربهم.

 

 

الباحث د. صريح صالح القاز قرأ السلوك الأمريكي من زاوية أوسع، معتبرًا أن ترامب يتعامل مع أوروبا بمنطق الابتزاز، إما أن تكونوا مع الفيل الأمريكي أو نترككم للدب الروسي؛ وهي صياغة سياسية قاسية، لكن خلفها حقيقة لا يمكن تجاهلها، وهي أن العلاقة عبر الأطلسي تعرضت خلال عهد ترامب إلى استنزاف كبير بفعل الرسوم والتهديدات واللغة الفوقية، ولذلك جاء الرفض الأوروبي الحالي بوصفه نتيجة تراكم لا مجرد رد فعل لحظي على معركة هرمز.

 

 

الصحفي سامح عسكر ذهب في الاتجاه نفسه حين سخر من تناقض ترامب بين التفاخر بأن أمريكا أكبر قوة في العالم وبين طلبه مساعدة جيوش أضعف لفتح هرمز، وهي سخرية تصيب جوهر المأزق، لأن مجرد اضطرار البيت الأبيض إلى طلب هذا النوع من الدعم يكشف أن الحرب لم تسر بالطريقة السهلة التي تخيلها الرئيس، وأن القوة الأمريكية المطلقة لم تعد كافية وحدها لفرض حل آمن في هذا الممر البحري شديد الحساسية.

 

 

هرمز يطارد ترامب وفاتورة الحرب تتضخم

 

نظام المهداوي قدم تصورًا تصعيديًا يقول إن النصر الذي يبحث عنه ترامب يتمثل في احتلال جزيرة خارج الإيرانية، وإنه استدعى قوات خاصة من اليابان، لكن هذه الجزئية الأخيرة لم أجد لها تأكيدًا موثقًا في المصادر المفتوحة التي راجعتها اليوم، لذلك لا يصح التعامل معها كحقيقة ثابتة، بينما الثابت بالفعل أن مضيق هرمز صار مركز الأزمة، وأن ترامب يواجه تعثرًا واضحًا في حشد شركاء لتأمينه، وأن تقارير متعددة تتحدث عن شلل في الملاحة وقلق اقتصادي عالمي مع تعمق الحرب.

 

 

عمار علي حسن نقل مطولًا عن مقال في «فاينانشيال تايمز» يرى أن هرمز سيطارد ترامب طويلًا بعد انتهاء الحرب، وأن دول الخليج لن تُستدرج إلى المستنقع الأمريكي، وأن إغلاق المضيق بات بحد ذاته سلاح ردع استراتيجيًا في يد إيران؛ وهي قراءة تلتقي مع ما أكدته وكالة أسوشيتد برس من أن الحلفاء يرفضون حتى الآن الانخراط في تأمين الممر، ومع ما أوردته تقارير عن أن طلبات ترامب ذهبت أيضًا إلى الصين وغيرها من القوى الكبرى من دون استجابة عملية.

 

 

الباحث اليمني أنيس منصور ركز على كلفة الحرب، مشيرًا إلى سؤال المعارضة الأمريكية عن 23 مليار دولار، ومستندًا إلى اتهام من عضو الكونغرس جيم ماكغفرن بأن إدارة ترامب أهدرت هذا الرقم حتى الآن؛ وهذه قيمة يصعب تثبيتها بدقة نهائية في لحظة حرب مفتوحة ومتغيرة، لكن الأهم سياسيًا أن ملف الكلفة المالية صار جزءًا من الهجوم الداخلي على الرئيس، إلى جانب ملف الضحايا وملف غياب استراتيجية الخروج.

 

 

عائشة السيد أضاءت زاوية آسيوية مهمة، حين تحدثت عن ضغوط صحف يابانية على رئيسة الوزراء لإرسال قوات دفاع ذاتي بحرية إلى المشهد، رغم القيود الدستورية والمخاطر العالية؛ وهذه الزاوية تتقاطع مع ما أكدته أسوشيتد برس من أن اليابان نفسها لم تستجب لطلب ترامب بشأن هرمز، بما يعني أن الرفض لم يكن أوروبيًا فقط، بل امتد إلى شركاء آسيويين يعرفون أن دخول هذا المسرح لا يشبه أي مهمة بحرية روتينية.

 

 

د. حذيفة عبدالله عزام استدعى تشبيهًا لافتًا منسوبًا إلى الجنرال الفرنسي المتقاعد ميشيل ياكوفليف، مفاده أن الانضمام إلى تحالف ترامب اليوم يشبه شراء تذاكر عشاء ورقص في الليلة التي تلت اصطدام «تايتانيك» بجبل جليدي، وهو تشبيه قاسٍ لكنه يلخص المزاج الغالب خارج واشنطن، أي أن الحرب تبدو لكثيرين مغامرة دخلت بالفعل منطقة الخطر ولم تعد تستحق المخاطرة السياسية أو العسكرية من أجل إنقاذ صاحب قرارها.

 

 

في المحصلة، لا تبدو المشكلة الأساسية لترامب الآن في إيران وحدها، بل في أن الحرب كشفت حدود قدرته على الإقناع والحشد والقيادة؛ فداخل واشنطن خرج مسؤول أمني رفيع ليقول إن المبررات غير مقنعة، وداخل الإعلام الأمريكي تسربت تقارير عن قلق وندم وتباين أهداف، وخارج الولايات المتحدة يرفض الحلفاء الالتحاق بالمغامرة، بينما يتضخم ملف هرمز من أزمة تشغيل ملاحي إلى امتحان ثقيل لصدقية القوة الأمريكية نفسها.

 

الخلاصة أن النصوص والتغريدات التي تتهم ترامب بالغرور، وبالارتهان لضغوط إسرائيل، وبخسارة أوروبا، وبفتح «صندوق باندورا» في الشرق الأوسط، ليست كلها وقائع موثقة بالدرجة نفسها، وبعضها يظل تحليلًا أو موقفًا سياسيًا خالصًا، لكن ما صار موثقًا بالفعل يكفي وحده لصنع صورة ثقيلة على البيت الأبيض؛ رئيس أمريكي يواجه حربًا دخلت أسبوعها الثالث، حلفاء يرفضون تلبية ندائه في هرمز، مسؤول أمني كبير يستقيل احتجاجًا، وتقارير تتحدث عن تباعد في الأهداف بينه وبين نتنياهو، وهذه كلها إشارات تقول إن ترامب لم يعد يقود حربًا من موقع قوة مريحة، بل يدير أزمة تتسع حوله من كل اتجاه.