أظهر الضرر الذي أصاب منشآت حيوية في خليج حيفا بعد سقوط شظايا صاروخ إيراني جرى اعتراضه منذ أيام أن قطاع الطاقة في إسرائيل يواجه خللًا بنيويًا يتجاوز حادثًا موضعيًا. التقارير التي أعقبت الهجوم ربطت بين الضرر المباشر في حيفا وبين اعتماد السوق على عدد محدود من المنشآت والحقول، وهو اعتماد يجعل أي إصابة تشغيلية أزمة إمداد وأسعار في وقت واحد.

 

أضرار حيفا أعادت ملف الاعتماد على منشآت محدودة إلى الواجهة

 

ثم بيّن تقرير كالكاليست أن الشظايا التي سقطت في خليج حيفا أصابت بنية كهربائية ومبانٍ تشغيلية داخل مجمع بازان، وهو ما عطّل جزءًا من النشاط وأعاد تشغيل جزء آخر بصورة تدريجية. هذا التطور لم يُقرأ في إسرائيل بوصفه حادثًا فنيًا محدودًا، لأن بازان تمثل عقدة مركزية في الوقود المكرر، وأي تعطل فيها ينعكس فورًا على سلاسل الإمداد الداخلية.

 

وبعد ذلك اكتسبت أرقام الاعتماد على بازان دلالة أشد، لأن كالكاليست أوضحت أن الشركة توفر نحو 45 بالمئة من استهلاك إسرائيل من الوقود المكرر، بينما أظهرت بيانات منشورة في يونيو 2025 أن المجمع وفر 65 بالمئة من ديزل النقل و59 بالمئة من البنزين و52 بالمئة من الكيروسين. هذه النسب تشرح لماذا بدا الضرر في حيفا تهديدًا مباشرًا للسوق لا مجرد خبر أمني عابر.

 

ولذلك جاء تحذير الخبير مارسيلو شتيرنبرغ، أستاذ بيئة التغير المناخي في جامعة تل أبيب، ليضيف بعدًا آخر للمشهد. شتيرنبرغ قال في 21 مارس 2026 إن المصفاة تمثل "قنبلة موقوتة" بسبب موقعها قرب مناطق مكتظة، وأضاف أن الخطر لا يتعلق فقط بما وقع فعلًا، بل بما كان يمكن أن يقع لو كان الضرر أوسع في منشأة بهذا الحجم والحساسية.

 

وفي السياق نفسه وثّقت تقارير سابقة أن الموقع نفسه تعرض في يونيو 2025 لضربات أدت إلى مقتل ثلاثة عمال وتدمير محطة بخار رئيسية داخل المجمع، وقدرت الخسائر حينها بما يصل إلى 200 مليون دولار قبل أن تعود المنشآت إلى طاقة كاملة لاحقًا. تكرار الاستهداف خلال أقل من عام واحد أكد أن المشكلة ليست في حادث منفرد، بل في هشاشة متكررة داخل مركز إمداد حاسم.

 

توقف الغاز رفع كلفة التشغيل ودفع القطاع إلى بدائل أعلى ثمنًا

 

ثم انتقلت الأزمة من حيفا إلى البحر، لأن الحكومة الإسرائيلية أمرت بإيقاف حقلي ليفياثان وكاريش كإجراء احترازي مع اتساع المواجهة. بيانات الطاقة الإسرائيلية التي نقلتها منصة ستاندرد آند بورز أوضحت أن ليفياثان أنتج 11.3 مليار متر مكعب في 2024، وأن كاريش أنتج 5.8 مليارات متر مكعب، وهو ما يفسر حجم الفجوة التي يخلقها التوقف المفاجئ.

 

وبعد ذلك صار الضغط على منظومة الكهرباء مسألة تشغيل يومي لا تقديرًا بعيدًا، لأن توقف الحقلين أبقى إسرائيل مع اعتماد أكبر على حقل تمار وحده لتغطية الطلب المحلي. بيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية أكدت أن إغلاقات يونيو 2025 كانت احترازية لأسباب أمنية، لكنها أظهرت أيضًا أن الحقول الكبرى هي عماد التزويد المحلي، وأن توقفها يضرب التوازن سريعًا.

 

ومن ثم لجأت محطات كهرباء إلى وقود بديل أعلى كلفة بعد توقف جزء كبير من تدفق الغاز، ونقل موقع غلوبس أن بعض المحطات اضطرت إلى حرق الديزل بدل الغاز للحفاظ على الإنتاج المنتظم. كما نقل كالكاليست أن استمرار الحرب يعني اعتمادًا أكبر على أنواع وقود أغلى من الغاز، بما يدفع أسعار الكهرباء إلى الصعود ثم يرفع كلفة المياه تباعًا.

 

وفي هذا الموضع قدّم الباحث والمستشار البيئي دانيال مادر توصيفًا مباشرًا لطبيعة الخطر الذي أنتجه استهداف المجمع. مادر قال إن الضربات التي أصابت بازان أنشأت مخاطر كبيرة على التربة والمياه والهواء، وهو تقدير يتجاوز أثر اللهب الأول إلى أثر التلوث المحتمل إذا تعطل الإنتاج أو النقل أو التخزين في مجمع يتعامل مع مشتقات نفطية ومواد قابلة للاشتعال.

 

إسرائيل بين تفكيك مركز الخطر أو الإبقاء على مورد يغطي السوق

 

ثم أعادت هذه التطورات الجدل القديم داخل إسرائيل حول بقاء مجمع حيفا أو تفكيكه. تقارير منشورة بعد ضربة يونيو 2025 ذكرت أن ناشطين وسلطات محلية طالبوا منذ سنوات بإغلاق منشآت بازان ونقل نموذج التوريد إلى الاستيراد والتخزين، بسبب التلوث وخطر الاستهداف في قلب منطقة حضرية كبيرة. الضربة الأخيرة منحت هذا الجدل سندًا أمنيًا إضافيًا بعد أن كان ملفًا بيئيًا وصحيًا أساسًا.

 

وبعد ذلك جاء رأي رافيت شتوسل، منسقة منظمة "تنظيف خليج حيفا" وعضوة لجنة جودة البيئة في المدينة، ليصوغ المسألة بعبارة أكثر حسمًا. شتوسل قالت في فبراير 2026 إن بازان تمثل "نقطة فشل أساسية" في استمرارية اقتصاد الطاقة الإسرائيلي، ودعت إلى إخلاء المجمع الخطر وتسريع حلول الاستيراد والتخزين الموزع بدل ترك السوق رهينة موقع واحد قابل للإصابة.

 

ولذلك لم يعد السؤال الإسرائيلي محصورًا في سرعة إصلاح الكابلات أو إعادة تشغيل بعض الوحدات، لأن المصدر نفسه في كالكاليست أشار إلى أن استمرار القتال يفرض على الدولة خيارين مكلفين. الخيار الأول هو الإبقاء على مركز تكرير رئيسي يوفر حصة ضخمة من الوقود مع ما يحمله من خطر مركّز، والخيار الثاني هو تفكيك هذا التركز وبناء بدائل موزعة تحتاج وقتًا واستثمارات ضخمة.

 

وفي الخلاصة تكشف ضربة حيفا أن إسرائيل لم تواجه فقط ضررًا ماديًا في منشآت كهرباء ووقود، بل واجهت اختبارًا مباشرًا لبنية طاقة قامت على التركز والاعتماد على الغاز والربط بين منشآت محدودة. الهجوم أظهر أن أي إصابة في خليج حيفا، مع توقف ليفياثان وكاريش، تدفع السوق فورًا نحو وقود أعلى كلفة وضغط أكبر على الكهرباء والمياه، وتضع الدولة أمام سؤال لم تعد تستطيع تأجيله: كيف تؤمّن الإمداد من دون أن تبقي السوق كلها معلقة فوق هدف واحد.

 

https://www.youtube.com/watch?v=pjH2t29-ucM

 

https://www.youtube.com/shorts/baw0nV8SDLs