أطلق خبراء معهد التمويل الدولي في واشنطن (IIF) تحذيرات وُصفت بأنها “جادة ومقلقة” بشأن مسار الدين الخارجي لمصر، الذي يقترب من مستوى 164 مليار دولار، بما يعادل ما بين 85% إلى 90% من الناتج المحلي الإجمالي، في وقت تواجه فيه البلاد التزامات سداد ثقيلة تُقدَّر بنحو 27 مليار دولار خلال عام 2026 وحده.
ورغم أن هذه النسبة لا تُعد الأعلى عالميًا مقارنة باقتصادات كبرى تتجاوز فيها المديونية 100% من الناتج المحلي، فإن التقرير أشار إلى أن “خطورة الحالة المصرية لا تكمن في الحجم فقط، بل في هيكل الدين وتوزيع آجاله وتوقيت استحقاقاته”، وهو ما يضع الاقتصاد في مواجهة مباشرة مع ضغوط سيولة متزايدة.
الخطر الصامت.. هيكل دين معقد وضغوط إعادة التمويل
وصف خبراء المعهد الدولي للتمويل (IIF)، وهو مؤسسة بحثية تضم نحو 400 مؤسسة مالية عالمية، الوضع بأنه “خطر صامت” يتشكل تدريجيًا داخل الاقتصاد المصري، حيث تتزايد أعباء إعادة التمويل في بيئة عالمية لم تعد توفر نفس مستويات السيولة الرخيصة كما في السنوات الماضية.
وأكد التقرير أن انتهاء ما يُعرف بـ”عصر المال الرخيص” جعل من إعادة تمويل الديون عملية أكثر تكلفة وتعقيدًا، مع ارتفاع العوائد المطلوبة من المستثمرين وتزايد الحذر تجاه الأسواق الناشئة، خصوصًا في ظل التوترات الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط والخليج.
ضغط ثلاثي على الاقتصاد: عملة صعبة، وفائدة مرتفعة، واستحقاقات عاجلة
أشار التقرير إلى أن الاقتصاد المصري يواجه “ثلاث دوائر ضغط متزامنة”، تتمثل في:
استحقاقات خارجية قصيرة الأجل ضخمة تصل إلى 27 مليار دولار خلال عام واحد.
بيئة تمويل عالمية صعبة تتسم بارتفاع أسعار الفائدة وتراجع شهية المخاطرة.
حاجة مستمرة لتوفير النقد الأجنبي لتأمين الواردات ودعم استقرار الجنيه.
هذا التداخل، بحسب الخبراء، يجعل أي تأخير في تدفقات الاستثمار أو التمويل الخارجي عامل ضغط مباشر على الاحتياطي النقدي وسعر الصرف، ويزيد من هشاشة الموقف المالي العام.
منطقة رمادية في الاقتصاد وإشكالية النمو بالدين
في السياق ذاته، وصف وزير المالية الأسبق أحمد جلال الوضع الاقتصادي لمصر بأنه يقع داخل “منطقة رمادية”، موضحًا أن الدولة تعتمد بشكل متزايد على الاقتراض لتمويل احتياجاتها رغم امتلاكها قاعدة اقتصادية متنوعة وموارد بشرية كبيرة.
وأشار جلال إلى وجود اختلالات هيكلية، من بينها التركيز على القطاع العقاري الذي يمثل نحو 20% من الناتج المحلي، على حساب القطاعات الإنتاجية والصناعية، إضافة إلى تحديات تتعلق بغياب الشمول الكامل لبعض بنود الإنفاق العام، بما يخلق فجوات في كفاءة تخصيص الموارد.
ودعا إلى ضرورة تبني برنامج إصلاح اقتصادي وطني يعيد توجيه النمو نحو القطاعات الإنتاجية، مع التعامل المرن مع سعر الصرف كأداة لامتصاص الصدمات بدلًا من اللجوء إلى سياسات متشددة قد تربك الأسواق.
تسريع بيع الأصول.. ورهان حكومي على القطاع الخاص
في المقابل، تكثف الحكومة تحركاتها للإسراع ببرنامج الطروحات الحكومية عبر طرح حزمة جديدة من الأصول خلال الأسابيع المقبلة، في محاولة لإظهار تقدم ملموس قبل مراجعة جديدة لبرنامج بيع أصول مصر المتفق عليه مع صندوق النقد الدولي، والذي تبلغ قيمته نحو 8 مليارات دولار.
وأكد رئيس حكومة الانقلاب، استمرار توجه الدولة نحو “تمكين القطاع الخاص” وتعزيز دوره في الاقتصاد، مع تسريع إنهاء تقييم الأصول المستهدفة للطرح قبل نهاية العام المالي.
وفي السياق ذاته، كشف رئيس وحدة الشركات المملوكة للدولة عن خطة موسعة لإعادة هيكلة وإدارة الطروحات عبر إنشاء منظومة وطنية لحصر الشركات العامة وحوكمتها، مع الاستعانة بمستشارين ماليين مستقلين لتحديد القيمة العادلة للأصول.
وتتضمن الخطة قيد نحو 20 شركة تابعة لقطاع الأعمال العام في البورصة، إلى جانب تجهيز 10 شركات من قطاع البترول، في إطار مساعٍ لتعويض تراجع بعض مصادر النقد الأجنبي ودعم التدفقات الدولارية.

