يتواصل العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة رغم اتفاق وقف إطلاق النار، في مشهد يعكس اتساع الفجوة بين المسار السياسي والواقع الميداني، حيث تتصاعد عمليات القصف وإطلاق النار والتجريف، بالتوازي مع تعمّق الكارثة الإنسانية والصحية التي يعيشها أكثر من مليوني فلسطيني داخل القطاع المحاصر.

 

ففي الوقت الذي تتحدث فيه الوساطات الإقليمية والدولية عن جهود لإحياء المفاوضات والانتقال إلى مراحل جديدة من التهدئة، تواصل قوات الاحتلال فرض وقائع عسكرية جديدة على الأرض، عبر توسيع المناطق العازلة واستهداف المناطق السكنية، إلى جانب استمرار انهيار المنظومة الصحية وارتفاع أعداد الضحايا والمرضى المهددين بالموت البطيء.

 

قصف متواصل وإصابات جديدة رغم وقف إطلاق النار

 

وشهد قطاع غزة، اليوم الاثنين، موجة جديدة من الخروقات الإسرائيلية لاتفاق وقف إطلاق النار، بعدما كثفت قوات الاحتلال عمليات القصف المدفعي وإطلاق النار في مناطق متفرقة شمالي وجنوبي القطاع.

 

وأفادت مصادر محلية بإصابة خمسة فلسطينيين، بينهم أم وطفلها، جراء قصف مدفعي استهدف منطقة تل الذهب في بلدة بيت لاهيا شمالي غزة، فيما أصيب طفل آخر برصاص قوات الاحتلال في المنطقة ذاتها.

 

وفي مدينة غزة، أصيب شاب برصاص الاحتلال قرب مفترق السامر، بالتزامن مع إطلاق دبابات الاحتلال نيرانها بشكل مكثف تجاه المناطق الشرقية للمدينة.

 

وامتدت الاعتداءات إلى جنوب القطاع، حيث تعرضت المناطق الشرقية من خانيونس لقصف مدفعي وإطلاق نار كثيف من الآليات العسكرية الإسرائيلية، في وقت واصلت فيه قوات الاحتلال عمليات التدمير والتجريف داخل المناطق الحدودية.

 

كما اعتقلت قوات الاحتلال ثلاثة صيادين أشقاء أثناء عملهم قبالة شاطئ مدينة غزة، في استمرار لسياسة التضييق على مصادر الرزق وحرية الحركة داخل القطاع.

 

وبحسب بيانات وزارة الصحة الفلسطينية، ارتفع عدد الشهداء منذ بدء وقف إطلاق النار في أكتوبر الماضي إلى 854 شهيداً، إضافة إلى 2453 إصابة، فضلاً عن تسجيل 770 حالة انتشال لجثامين من مناطق مدمرة.

 

أما الحصيلة الإجمالية للعدوان الإسرائيلي على قطاع غزة منذ السابع من أكتوبر 2023، فقد بلغت نحو 72,740 شهيداً و172,555 إصابة، وسط تحذيرات من استمرار ارتفاع الأعداد في ظل تدهور الأوضاع الإنسانية والصحية.

 

“الخط البرتقالي”.. واقع عسكري جديد يلتهم غزة

 

وفي موازاة التصعيد العسكري، يواصل الاحتلال الإسرائيلي توسيع سيطرته الميدانية داخل قطاع غزة عبر فرض ما بات يُعرف بـ”الخط البرتقالي”، وهو نطاق عسكري جديد يتجاوز حدود “الخط الأصفر” الذي جرى التوافق عليه ضمن تفاهمات وقف إطلاق النار.

 

وبحسب التفاهمات التي رعتها مفاوضات شرم الشيخ، كان “الخط الأصفر” يشكل منطقة فصل ميداني تُبقي نحو 47% من مساحة القطاع متاحة للسكان الفلسطينيين، مقابل خضوع 53% من مساحة غزة للسيطرة الإسرائيلية.

 

لكن التطورات الميدانية الأخيرة أظهرت توسعاً إسرائيلياً إضافياً نحو الغرب، ما أدى إلى استحداث “الخط البرتقالي”، الذي يقتطع نحو 11% إضافية من مساحة القطاع، لترتفع بذلك نسبة المناطق المقيدة أو المحظورة أمام الفلسطينيين إلى نحو 65% من إجمالي مساحة غزة.

 

ويرى حقوقيون فلسطينيون أن هذه الخطوة تمثل تحولاً خطيراً في طبيعة السيطرة الإسرائيلية على القطاع، إذ تدفع أكثر من 2.1 مليون فلسطيني إلى التكدس داخل مساحة لا تتجاوز 35% فقط من مساحة غزة، وسط انهيار الخدمات الأساسية وتفشي الأزمات الصحية والبيئية.

 

وكان مركز غزة لحقوق الإنسان قد حذر من أن توسيع المناطق المحظورة يهدد بخلق أوضاع إنسانية كارثية، خصوصاً مع استمرار عمليات القصف ومنع عودة مئات آلاف النازحين إلى مناطقهم.

 

جمود سياسي ومفاوضات بلا اختراق

 

سياسياً، تتزامن هذه التطورات مع استمرار حالة الجمود في المفاوضات التي تستضيفها القاهرة منذ منتصف أبريل الماضي، بمشاركة الفصائل الفلسطينية والوسطاء الإقليميين والدوليين.

 

ولم تحقق جولات التفاوض الأخيرة أي تقدم ملموس، في ظل تمسك الفصائل الفلسطينية بضرورة تنفيذ المرحلة الأولى من الاتفاق قبل الانتقال إلى مناقشة ملفات المرحلة الثانية، وفي مقدمتها الانسحاب الإسرائيلي الكامل وإدخال المساعدات ووقف القصف.

 

في المقابل، تصر حكومة الاحتلال برئاسة بنيامين نتنياهو على ربط أي تقدم سياسي بملف نزع سلاح المقاومة الفلسطينية، من دون تقديم التزامات واضحة تتعلق بإعادة الإعمار أو إنهاء الحصار.

 

وقال عضو المكتب السياسي لحركة حماس عبد الجبار سعيد إن الحركة أبلغت الوسطاء رفضها “فرض وقائع ميدانية جديدة داخل القطاع”، مؤكداً أن أي مفاوضات مستقبلية يجب أن تسبقها خطوات عملية تشمل الانسحاب ووقف الاعتداءات وإدخال المساعدات.

 

من جهته، اعتبر مسؤول العلاقات الفلسطينية في حركة الجهاد الإسلامي يوسف موسى أن “الخط البرتقالي” يمثل محاولة إسرائيلية لإنشاء أحزمة أمنية جديدة داخل القطاع، واستخدامها كورقة ضغط سياسية وعسكرية في أي ترتيبات قادمة.

 

مرضى الثلاسيميا.. معركة يومية مع الموت البطيء

 

وعلى الجانب الإنساني، تتفاقم معاناة المرضى داخل غزة بصورة غير مسبوقة، خصوصاً مرضى الثلاسيميا الذين يواجهون انهياراً شبه كامل في خدمات الرعاية الصحية.

 

فداخل المستشفيات المكتظة، ينتظر عشرات المرضى ساعات طويلة للحصول على وحدات دم قد لا تتوفر، في وقت تعاني فيه المستشفيات من نقص حاد في أكياس الدم والأدوية والمستلزمات الطبية.

 

وتقول مها أبو شويخ، وهي مريضة ثلاسيميا تبلغ من العمر 18 عاماً، إن حياتهم أصبحت “مرتبطة بموعد كيس الدم”، مضيفة أن أي تأخير يعني مزيداً من الإنهاك وربما انهياراً كاملاً للحالة الصحية.

 

الأزمة لا تتوقف عند نقص الدم، بل تمتد إلى غياب الفلاتر الطبية المستخدمة لتنقية الدم أثناء عمليات النقل، ما يدفع الأطباء إلى إجراء عمليات نقل “خام” قد تسبب مضاعفات خطيرة للمرضى.

 

ويؤكد أطباء أن النقص الحاد في أدوية طرد الحديد يهدد حياة المرضى بصورة مباشرة، إذ يؤدي تراكم الحديد داخل الجسم إلى تلف عضلة القلب والكبد والغدد الصماء.

 

وبحسب وزارة الصحة في غزة، بلغت نسبة العجز في أدوية طرد الحديد التخصصية 100%، فيما أصبحت غالبية الفحوصات المخبرية الأساسية غير متوفرة داخل المستشفيات.

 

مرضى القلب.. حصار يضاعف الخطر

 

ولا يختلف وضع مرضى القلب كثيراً عن مرضى الثلاسيميا، إذ تحولت الأمراض المزمنة في غزة إلى تهديد يومي بالموت بسبب انهيار النظام الصحي.

 

وتشهد مستشفيات القطاع تراجعاً حاداً في خدمات القلب والقسطرة، مع نقص الدعامات والبالونات الطبية وتعطل الأجهزة التشخيصية.

 

ويقول رئيس قسم القلب في مستشفى ناصر الدكتور أشرف حلس إن القطاع الصحي فقد القدرة على التعامل مع أمراض القلب بشكل شبه كامل، موضحاً أن نحو 80% من العمليات المجدولة توقفت بسبب نقص الإمكانيات.

 

ويواجه آلاف المرضى خطر الوفاة في ظل تعذر السفر للعلاج خارج القطاع، نتيجة القيود الإسرائيلية المفروضة على حركة المرضى والإحالات الطبية.

 

وبحسب وزارة الصحة، تشكل أمراض القلب نحو 56% من إجمالي الوفيات داخل غزة، في وقت يواجه فيه نحو 20 ألف مريض صعوبات حقيقية في الوصول إلى العلاج.

 

المقابر المكتظة.. مأساة تتجاوز حدود الحياة

 

ومع استمرار ارتفاع أعداد الضحايا، لم تعد معاناة سكان غزة تتوقف عند حدود الحياة، بل امتدت إلى الموت نفسه، بعدما أصبحت المقابر عاجزة عن استيعاب أعداد الشهداء.

 

وفي مقبرة الشيخ رضوان بمدينة غزة، يقول الأهالي إن العثور على مساحة صغيرة للدفن بات مهمة شبه مستحيلة، مع ارتفاع تكاليف القبور وامتلاء معظم المقابر العاملة.

 

واضطرت عائلات كثيرة إلى دفن ذويها داخل ساحات المنازل أو الحدائق الخاصة، في ظل تعذر الوصول إلى المقابر العامة أو تحمل نفقات الدفن.

 

وتسببت بدائية بعض القبور، التي أُنشئت باستخدام الركام والطين وألواح الصفيح، في حوادث صادمة تمثلت بقيام كلاب ضالة بنبش بعض القبور السطحية وإخراج جثامين منها، في مشاهد تعكس حجم الانهيار الإنساني الذي يعيشه القطاع.

 

كما وثقت تقارير ميدانية عمليات تجريف واسعة نفذتها قوات الاحتلال داخل عدد من المقابر، ما أدى إلى اختفاء معالم القبور واختلاط الرفات وحرمان عائلات من معرفة أماكن دفن أبنائها.

 

وبين القصف والجوع والحصار والانهيار الصحي، تبدو غزة اليوم أمام واحدة من أعقد الكوارث الإنسانية في تاريخها الحديث، حيث يتحول البقاء على قيد الحياة إلى معركة يومية يخوضها السكان وسط غياب أي أفق واضح لنهاية الحرب أو تخفيف المعاناة.