حذرت تقارير هندسية ومداخلات لمهندسين متخصصين من تحول مشروع المونوريل الذي تنفذه الحكومة المصرية في القاهرة والعاصمة الإدارية إلى عبء مالي وهندسي طويل الأمد، بعدما تجاوزت تكلفته مليارات الدولارات وسط اعتماد كامل على القروض الأجنبية والتكنولوجيا المستوردة، بالتزامن مع تصاعد الشكوك بشأن الجدوى الاقتصادية للمشروع وصعوبة صيانته وتشغيله مستقبلًا.
وكشفت حالة الجدل المتصاعدة حول المشروع عن اتساع الانتقادات لسياسات عبد الفتاح السيسي القائمة على الإنفاق الضخم في مشروعات البنية التحتية المرتبطة بالعاصمة الجديدة، بينما تواجه البلاد أزمة ديون خانقة وتراجعًا حادًا في الخدمات الأساسية، في وقت يحذر فيه متخصصون من أن فشل المونوريل سيحوّل الخرسانة المعلقة فوق القاهرة إلى أصول عديمة القيمة يدفع المصريون ثمنها لعقود.
ديون ضخمة ومخاطر تشغيلية تهدد المشروع منذ البداية
أعلنت الحكومة المصرية خلال السنوات الأخيرة التوسع في تنفيذ مشروع المونوريل بطول يتجاوز 90 كيلومترًا لربط شرق القاهرة والعاصمة الإدارية بمدينة السادس من أكتوبر، ضمن مشروعات النقل المرتبطة بخطة التوسع العمراني التي يقودها النظام الحالي في الصحراء الشرقية والغربية.
كما اعتمدت الدولة في تمويل المشروع على قروض واتفاقات تمويل أجنبية ضخمة مع شركات وتحالفات دولية، بينما ارتفعت التكلفة الإجمالية للمشروع بصورة متتالية مع زيادة أسعار مواد البناء وتراجع قيمة الجنيه وارتفاع أعباء خدمة الدين الخارجي خلال الفترة الأخيرة.
ويرى أستاذ هندسة الطرق والنقل ممدوح حمزة أن المونوريل يمثل نموذجًا واضحًا لمشروعات الدعاية السياسية التي تُنفذ دون دراسة حقيقية لأولويات النقل داخل القاهرة، موضحًا أن الحكومة تجاهلت تطوير شبكات النقل التقليدية الأقل تكلفة والأكثر ارتباطًا باحتياجات المواطنين اليومية.
وأضاف حمزة أن أنظمة المونوريل عالميًا تحتاج إلى مصروفات تشغيل وصيانة مرتفعة للغاية مقارنة بوسائل النقل الجماعي التقليدية، بينما تواجه مصر أصلًا أزمة مزمنة في صيانة البنية التحتية الحالية، ما يثير مخاوف من تراجع كفاءة المشروع سريعًا بعد تشغيله بسبب نقص التمويل والخبرة الفنية المحلية.
وفي السياق نفسه أثار متخصصون تساؤلات حول قدرة المشروع على تحقيق عائد اقتصادي يغطي تكلفته الضخمة، خاصة أن مساراته الرئيسية تخدم مناطق جديدة لا تزال كثافتها السكانية محدودة، في وقت تعاني فيه مناطق القاهرة القديمة من تدهور حاد في وسائل النقل والخدمات الأساسية.
اليابان تراجعت عن التوسع والمصريون يتحملون المخاطرة
كشفت تقارير دولية أن اليابان نفسها خففت التوسع في مشاريع المونوريل خلال العقود الأخيرة بسبب ارتفاع تكاليف الإنشاء والصيانة وصعوبة التوسع المستقبلي، بينما اتجهت مدن عديدة إلى أنظمة نقل أكثر مرونة وأقل كلفة مثل المترو والقطارات الكهربائية التقليدية.
كما واجهت مشروعات مونوريل في دول أخرى أزمات تشغيلية ومالية دفعت بعضها إلى تقليص الخدمة أو إعادة هيكلة خطوط التشغيل بعد سنوات قليلة من التنفيذ، نتيجة ارتفاع تكاليف قطع الغيار واعتماد الأنظمة بالكامل على شركات أجنبية متخصصة.
وفي وقت سابق وقبل اعتقاله، اعتبر الخبير الاقتصادي عبد الخالق فاروق أن الحكومة المصرية تنقل إلى الداخل نماذج نقل مرتفعة التكلفة دون امتلاك اقتصاد قادر على تحمل نفقات التشغيل طويلة الأجل، مؤكدًا أن الاعتماد على القروض الخارجية في هذه المشروعات يضاعف الضغوط على الموازنة العامة.
وأوضح فاروق أن الدولة توسعت خلال السنوات الأخيرة في الاقتراض من أجل تنفيذ مشروعات مرتبطة بالعاصمة الإدارية والمدن الجديدة، بينما تراجعت مخصصات قطاعات حيوية مثل التعليم والصحة والدعم الاجتماعي، وهو ما أدى إلى اتساع الفجوة بين الإنفاق الحكومي واحتياجات المواطنين الفعلية.
كذلك ترتبط مخاوف المهندسين بطبيعة البنية الخرسانية الضخمة للمونوريل التي يصعب إعادة توظيفها حال توقف المشروع أو فشله اقتصاديًا، ما يعني أن القاهرة قد تواجه خلال سنوات منشآت مرتفعة التكلفة بلا جدوى تشغيلية حقيقية إذا تعثرت منظومة الصيانة أو انخفض الإقبال على الاستخدام.
العاصمة الجديدة تبتلع المليارات بينما تتراجع الخدمات الأساسية
واصلت الحكومة ربط مشروع المونوريل بخطط التوسع في العاصمة الإدارية الجديدة باعتباره وسيلة نقل رئيسية لموظفي الوزارات والسكان المستهدف انتقالهم إلى المدينة الجديدة، رغم استمرار الجدل حول معدلات الإشغال الفعلية وتكاليف المعيشة المرتفعة داخل العاصمة.
وفي المقابل يرى مراقبون أن النظام يوجه الجزء الأكبر من الإنفاق العام نحو مشروعات العاصمة الجديدة بهدف تثبيت الصورة الدعائية لما يسميه “الجمهورية الجديدة”، بينما تتراجع أوضاع المرافق والخدمات في المحافظات القديمة التي يعيش فيها عشرات الملايين من المصريين.
وأكد أستاذ التخطيط العمراني حمدي عرفة أن الحكومة تتعامل مع العاصمة الجديدة باعتبارها أولوية سياسية وليست تنموية، موضحًا أن مشروعات النقل المرتبطة بها تُنفذ بسرعة كبيرة رغم غياب الشفافية المتعلقة بالعائد الاقتصادي الحقيقي والتكاليف المستقبلية للصيانة.
وأشار عرفة إلى أن القاهرة الكبرى تحتاج بصورة عاجلة إلى تطوير شامل للبنية الأساسية التقليدية وشبكات الصرف والمياه والطرق والنقل الجماعي منخفض التكلفة، بدلًا من ضخ مليارات الجنيهات في مشروعات تخدم شريحة محدودة وتضيف أعباءً مالية جديدة على الدولة والمواطنين.
ومن جهة أخرى تصاعدت الانتقادات بعد تداول تحذيرات هندسية تتعلق بصعوبة صيانة المونوريل واعتماد تشغيله على أنظمة تقنية معقدة تحتاج إلى خبرات أجنبية دائمة، ما يهدد بتحويل المشروع إلى عبء تشغيلي مزمن مع أي أزمة اقتصادية أو تراجع في توافر العملة الأجنبية.
وفي الوقت الذي تتسع فيه ديون مصر الخارجية وتواصل الحكومة فرض إجراءات تقشفية ورفع أسعار الخدمات الأساسية، يزداد الجدل حول جدوى استمرار الإنفاق على مشروعات عملاقة مرتبطة بالعاصمة الجديدة، بينما يخشى كثيرون أن يتحول المونوريل خلال سنوات إلى رمز جديد لسياسات التوسع المكلف التي يدفع المواطن المصري فاتورتها وحده.

