أعلن رئيس وزراء الانقلاب مصطفى مدبولي، خلال جولته داخل مقر هيئة النقل العام بالقاهرة في يونيو 2026، تطبيق منظومة التحصيل الإلكتروني في 300 أتوبيس ضمن المرحلة الأولى، مع استهداف 1800 أتوبيس بنهاية 2027.
وتفتح الخطوة بابًا جديدًا لمخاوف ركاب النقل العام من أن يتحول خطاب التطوير إلى تكلفة إضافية، خاصة أن الحكومة تربط الخدمة هذه المرة بالكروت مسبقة الدفع والتطبيقات، بينما لم تعلن ضمانًا يمنع رفع التعريفة لاحقًا.
التطوير الحكومي يبدأ بالخدمة وينتهي بسؤال السعر
جاءت الجولة الحكومية داخل هيئة النقل العام بالقاهرة بمشاركة عدد من المسؤولين، بينهم وزير الأوقاف ومحافظ القاهرة ونائبة المحافظ للمنطقة الشرقية ورئيس الهيئة، إضافة إلى ممثلين عن شركات متخصصة في صناعة وسائل النقل.
وخلال الجولة، قدمت الحكومة المشروع باعتباره جزءًا من منظومة نقل عام مطورة تستهدف خدمة حضارية وآمنة ومستدامة، لكن هذا الخطاب لم يشرح أثر التحصيل الإلكتروني على تعريفة الركوب أو كلفة الانتقال اليومية.
وبحسب عرض محافظة القاهرة، تنقل هيئة النقل العام نحو مليون راكب يوميًا عبر 173 خطًا، ويضم أسطولها نحو 2500 أتوبيس موزعة على 17 جراجًا، إضافة إلى 1800 ميني باص.
لذلك لا تخص المنظومة الجديدة شريحة محدودة من الركاب، بل تمس عمالًا وطلابًا وموظفين وأصحاب دخول منخفضة يستخدمون أتوبيسات القاهرة بوصفها وسيلة يومية أقل تكلفة من بدائل النقل الأخرى.
وتظهر خطورة الملف في أن الحكومة لم تربط الإعلان بتعهد واضح بعدم رفع التعريفة بعد التعميم، رغم أن الركاب خبروا سابقًا قرارات زيادة أعقبت تحريك أسعار الوقود أو تعديل منظومة التشغيل.
ويخدم رأي الباحث العمراني يحيى شوكت هذا المحور، إذ يؤكد في كتاباته أن النقل داخل المدن يجب أن يوفر خدمة جماعية ميسورة التكلفة، وأن الإدارة الحضرية تحتاج إلى إصلاح يحمي احتياجات السكان.
ومن هنا يصبح السؤال المركزي ليس عن وجود كاميرات أو تطبيقات فقط، بل عن قدرة الراكب على دفع تكلفة الرحلة بعد اكتمال المنظومة، لأن التطوير الذي لا يحمي السعر يتحول إلى عبء جديد.
الكروت مسبقة الدفع قد تعقد رحلة الفئات الأضعف
تعتمد منظومة التحصيل الإلكتروني على تطبيقات ذكية وكروت مسبقة الدفع، مع تسجيل الصعود والنزول إلكترونيًا، وتحويل الإيرادات إلى الحسابات البنكية دون تدخل بشري، بحسب العرض الرسمي المقدم خلال الجولة.
لكن هذا الانتقال من الدفع النقدي إلى الكارت يفرض شروطًا جديدة على الراكب، لأن المواطن يحتاج إلى شراء الكارت وشحنه ومتابعة رصيده والوصول إلى منفذ شحن قبل استخدام خدمة عامة.
وبالتزامن مع ذلك، أعلنت الحكومة إتاحة وسائل بديلة لكبار السن وغير القادرين على استخدام التكنولوجيا، بينها توفير الكروت في المحطات النهائية ومنافذ شحن متعددة وكروت طوارئ مع السائقين.
غير أن وجود كروت طوارئ يكشف مسبقًا أن المنظومة قد تتعطل أمام مواطن لا يملك رصيدًا أو لا يعرف استخدام التطبيق أو لا يجد منفذ شحن قريبًا من سكنه.
كما أن العمالة اليومية لا تتحرك دائمًا وفق رحلات ثابتة أو رصيد مخطط، وقد يجد عامل أو طالب نفسه مضطرًا لاستخدام الأتوبيس فجأة، بينما يمنعه نفاد الرصيد من ركوب وسيلة عامة.
ويخدم رأي الكاتب الاقتصادي وائل جمال هذا المحور، لأنه يربط سياسات الإصلاح بنقل تكلفة الخدمات إلى المواطنين، ويقرأ الرقمنة والخصخصة الجزئية بوصفهما أدوات لا تكفي وحدها لحماية الفئات الأضعف.
وعلى هذا الأساس، لا تكمن المشكلة في التحصيل الإلكتروني كفكرة، بل في تطبيقه دون شبكة ضمان، لأن الحكومة تراقب الإيرادات والأعطال والركاب، لكنها لا تضمن أن الكارت لن يصبح عائقًا أمام الفقراء.
النقل الأخضر لا يجب أن يصبح مبررًا لزيادة التعريفة
استمعت الحكومة أيضًا إلى عرض حول التحول نحو النقل الأخضر، من خلال التوسع في الأتوبيسات العاملة بالغاز الطبيعي والكهرباء، ضمن خطاب رسمي يربط النقل العام بتقليل الانبعاثات والتحول الرقمي والشمول المالي.
وفي التفاصيل، تنفذ هيئة النقل العام برنامجًا لتحويل 1962 أتوبيسًا للعمل بالغاز الطبيعي على 6 مراحل، بواقع 327 أتوبيسًا في كل مرحلة، مع انتهاء المرحلتين الأولى والثانية بإجمالي 654 أتوبيسًا.
إلى جانب ذلك، أضافت الهيئة 151 أتوبيسًا يعمل بالغاز الطبيعي، وقالت إن هذه الإجراءات خفضت استهلاك السولار بنسبة 73.5% خلال الفترة من يوليو 2025 حتى مايو 2026.
كما تحدث العرض عن تشغيل 70 أتوبيسًا كهربائيًا مكيفًا، ومشروع لتوريد 100 أتوبيس كهربائي جديد، وتطوير جراج الأميرية بمحطات شحن حديثة ضمن مشروع تحسين جودة الهواء بالقاهرة بتمويل من البنك الدولي.
وبالإضافة إلى ذلك، عرضت الهيئة خطة مستقبلية لتدبير 2000 أتوبيس كهربائي بالتعاون مع شركات وطنية لتجميعها محليًا، مع تطوير ورش الإصلاح ورفع كفاءة البنية التحتية لضمان استدامة التشغيل.
ورغم أهمية تقليل الانبعاثات، لا يجب أن يدفع الراكب محدود الدخل تكلفة التحول البيئي وحده، خاصة إذا كانت الحكومة تعلن في الوقت نفسه خفضًا كبيرًا في استهلاك السولار داخل الأسطول.
وتخدم كتابات الباحثة الاقتصادية سلمى حسين هذا المحور، لأنها تربط عدالة السياسات العامة بقدرة المواطنين على الوصول إلى الخدمات الأساسية، وتحذر من تحميل الأسر آثار التضخم وخفض الدعم دون حماية كافية.
ولهذا يحتاج ملف النقل الأخضر إلى شفافية مالية، تكشف كلفة التشغيل الجديدة ومصادر التمويل وأثر خفض السولار على التعريفة، بدل ترك المواطن ينتظر قرارًا لاحقًا يقدمه المسؤولون باعتباره ضرورة تشغيلية.
من غرفة التحكم إلى جيب المواطن
تفقد رئيس الوزراء غرفة التحكم المركزية المطورة، التي تتابع حركة الأتوبيسات لحظة بلحظة، وتعرض بيانات التشغيل والإيرادات والأعطال والكاميرات الداخلية والخارجية، بما يعزز قدرة الإدارة على الرقابة المباشرة.
لكن غرفة التحكم، رغم أهميتها الفنية، لا تجيب وحدها عن سؤال العدالة، لأن متابعة الإيراد لحظة بلحظة قد تخدم الدولة، بينما يحتاج الراكب إلى ضمان وصول الخدمة بسعر مفهوم ومستقر.
وفي ملف النقل النهري، عرضت الهيئة التعاقد على تصنيع 3 وحدات نهرية جديدة، إضافة إلى 5 وحدات أخرى تعمل بالدفع الكهربائي، بهدف تحديث أسطول الأتوبيس النهري ورفع كفاءة الخدمة.
كذلك استعرضت الهيئة برامج تدريب العاملين والخدمات الصحية التابعة لها، بينها مستشفى بطاقة 150 سريرًا وعيادات ومراكز طبية، وهي عناصر تشغيل مهمة لا ينبغي أن تغطي على سؤال التعريفة.
ومع ركوب رئيس الوزراء ومرافقيه أحد الأتوبيسات الحديثة، ظهر الجانب الاحتفالي في الإعلان، لكن الراكب العادي لا يعنيه العرض الرسمي بقدر ما يعنيه توفر الكارت، وقيمة الشحن، وسعر الرحلة بعد التعميم.
لذلك يجب أن تعلن الحكومة قواعد واضحة قبل توسيع المنظومة، تشمل سعر استخراج الكارت، الحد الأدنى للشحن، آلية رد الرصيد، بدائل الدفع النقدي المؤقتة، واشتراكات مخفضة للطلاب والعمال وكبار السن.
وفي النهاية، يكشف مشروع التحصيل الإلكتروني في أتوبيسات القاهرة أزمة أوسع من جهاز عند الباب، لأن الحكومة تتحدث عن تطوير الخدمة، بينما يخشى المواطن أن يجد نفسه أمام تعريفة أعلى وكارت أكثر تعقيدًا.
وتبقى الخلاصة أن النقل العام ليس مجالًا للتجربة على حساب الفقراء، وأي تطوير لا يبدأ بضمان السعر وحماية الراكب سيبدو في نظر المواطنين خطوة جديدة لتحصيل المال قبل تحسين الخدمة.

