كشف تقرير رسمي لوزارة الصحة المصرية، الثلاثاء الماضي، عن تغير لافت في خريطة مصر السكانية، بعدما أعلن انكماش المناطق الأعلى احتياجًا للتدخل، وتراجع عدد المحافظات الأكثر اكتظاظًا بالسكان، وانخفاض أعداد المواليد خلال 2025 إلى أقل من 2 مليون مولود لأول مرة منذ سنوات.
وجاء الاحتفاء الحكومي بهذه المؤشرات باعتبارها إنجازًا في ضبط النمو السكاني، بينما يرى معارضون وخبراء أن تحويل المصريين إلى عبء ديموغرافي يبرئ السلطة من فشل إدارة الموارد، ويهدد مستقبل سوق العمل والكتلة الشبابية والقوة الإنتاجية للدولة.
أرقام حكومية تحتفي بتراجع المواليد
أعلن الإصدار الثامن من المؤشرات السكانية، الصادر عن وزارة الصحة المصرية، تحسنًا وصفته الحكومة بالملموس في خريطة التنمية السكانية، بعدما انكمش عدد المناطق الحمراء الأكثر احتياجًا للتدخل إلى 20 منطقة فقط بنهاية 2025، مقارنة بـ43 منطقة في الإصدار السابع، ونزولًا من 74 منطقة في الإصدار السادس.
كما كشف الإصدار نفسه عن ارتفاع عدد المحافظات الخالية تمامًا من المناطق الحمراء إلى 13 محافظة بنهاية 2025، بعد أن كانت 3 محافظات فقط في الإصدار السادس، مع تحسن باقي المناطق المصنفة ضمن الخريطة السكانية.
وفي الاتجاه نفسه، ارتفعت أعداد المناطق الصفراء والخضراء، وهي الأفضل تنمويًا بحسب تصنيف المؤشرات، حيث سجلت المناطق الصفراء 223 منطقة مقارنة بـ194 منطقة، بينما وصلت المناطق الخضراء إلى 39 منطقة مقارنة بـ14 منطقة.
وأظهرت الأرقام التي نقلتها وزارة الصحة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء انخفاض أعداد المواليد تحت حاجز 2 مليون مولود خلال 2025، بمعدل مولود كل 15.9 ثانية، مع تراجع معدل المواليد إلى 18.1 في الألف مقارنة بـ19.4 في الألف عام 2023.
وتراجع معدل الإنجاب الكلي إلى 2.34 طفل لكل سيدة مقارنة بـ2.54 طفل في 2023، وهو ما قدمته وزارة الصحة والإعلام المصري كدليل على نجاح سياسات الدولة، بينما اعتبر وزير الصحة خالد عبدالغفار أن ما حدث يمثل إنجازًا كبيرًا في ضبط معدلات النمو السكاني وتحسين الخصائص الديموغرافية.
ويأتي ذلك ضمن توجه بدأه عبد الفتاح السيسي منذ وصوله إلى الحكم منتصف 2014، حين ركز خطابه العام على أن النمو السكاني السريع يعرقل التنمية ويضغط على الموارد، رغم أن مصر تحتل المرتبة 13 عالميًا من حيث عدد السكان، وتعد أكبر دولة عربية وشرق أوسطية سكانًا، وثالث أكبر دولة في أفريقيا بعد نيجيريا وإثيوبيا.
ورغم تراجع معدل الخصوبة من 3.5 طفل لكل امرأة عام 2014 إلى 2.41 طفل عام 2024، لا تزال الحكومة تعتبر هذه الأرقام غير كافية، وتسعى إلى خفض المعدل إلى 2.1 طفل بحلول 2027.
وخلال الأربعاء الماضي، قدم وزير التخطيط أحمد رستم إلى مجلسي النواب والشيوخ وثيقة خطة التنمية الاقتصادية والاجتماعية لمدة 3 سنوات، وحددت الوثيقة، وفق ما نقله موقع برلماني، هدف خفض معدل النمو السكاني إلى 1.5 بالمئة في 2026/2027، ثم إلى نحو 1.3 بالمئة خلال 2029/2030.
وتشير بيانات الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء إلى أن مصر سجلت بين نوفمبر 2024 وأغسطس 2025 نحو 1.48 مليون ولادة، بمعدل 5165 ولادة يوميًا، أو ولادة واحدة كل 16.7 ثانية، وفق بيانات أغسطس 2025.
منطق العبء بدلًا من استثمار الثروة البشرية
يرى الخبير في الشؤون السياسية والاستراتيجية الدكتور ممدوح المنير، في حديثه لـعربي21، أن الاحتفال بانخفاض عدد السكان يعكس مهانة وتخلفًا حضاريًا، لأن دولًا توصف بالتمدن والتحضر تقاتل لزيادة سكانها، وتستخدم الحوافز والهجرة واستقبال اللاجئين للاستفادة من القوة البشرية.
ويؤكد المنير أن الأرقام لا يجوز قراءتها كإنجاز مجرد، لأن المشكلة في مصر لا تكمن في ضبط النمو السكاني وحده، بل في تعامل النظام مع الإنسان بوصفه عبئًا على الموازنة لا ثروة وطنية تحتاج إلى تعليم وصحة وفرص عمل.
ويرى أن الخطر لا يقتصر على خفض الإنجاب، بل على خفضه داخل دولة تفشل في بناء الإنسان، وتدفع الشباب إلى الهجرة أو البطالة أو اليأس، رغم أن قوة مصر التاريخية قامت على الكتلة البشرية والجيش والسوق والعمالة والعمق الاجتماعي.
ويضيف المنير أن خطاب السلطة يحول السياسة السكانية إلى لوم للفقراء وتحميلهم مسؤولية الأزمة، بينما يواصل النظام ورموزه إهدار المال العام في مشروعات استعراضية وديون ضخمة، ثم يطلب من الأسرة المصرية أن تدفع الثمن بتقليص الإنجاب.
وتطرح هذه الرؤية سؤالًا جوهريًا حول معنى انخفاض المواليد في دولة يبلغ عدد سكانها، وفق الساعة السكانية صباح الجمعة، 109,094,849 نسمة، منهم 51.4 بالمئة ذكور و48.6 بالمئة إناث، بينما يتوقع الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء وصول العدد إلى نحو 160 مليون نسمة بحلول 2072.
وتتزامن هذه التحولات مع استمرار الفوارق بين المحافظات، إذ تتصدر القاهرة الكثافة السكانية بـ10.39 مليون نسمة، تليها الجيزة بـ9.7 مليون، ثم الشرقية بـ8.06 مليون، بينما يسجل الصعيد أعلى معدلات مواليد في البلاد.
وتبلغ معدلات المواليد في أسيوط 23.8 لكل 1000، وفي سوهاج 23.7، وقنا 22.3، والمنيا 21.9، وبني سويف 20.7، مقابل أدنى معدلات في بورسعيد بـ11.8، ودمياط بـ14.3، والدقهلية والغربية بـ15، والإسكندرية بـ15.4.
ووفق منتدى البحوث الاقتصادية، سجلت مصر عام 1998 طفرة في فئة الشباب من 10 إلى 19 عامًا، ثم بلغت عام 2006 ذروة الفئة من 15 إلى 24 عامًا، وفي 2012 ذروة الفئة من 25 إلى 29 عامًا، وفي 2018 ذروة الفئة من 30 إلى 34 عامًا، مع انخفاض عدد السكان في الفئة من 20 إلى 29 عامًا.
وتحذر هذه البيانات من فقدان العائد الديموغرافي، وهو ما يشير إليه المنير حين يقول إن مصر كان يمكن أن تحول كتلتها الشبابية إلى قوة تصنيع وتكنولوجيا وزراعة وخدمات، لكنها حولتها إلى طوابير بطالة وهجرة ودروس خصوصية.
تمويل غربي وسياسات تنظيم الأسرة
أطلقت وزارة الصحة في 5 سبتمبر 2023 الاستراتيجية الوطنية للسكان والتنمية 2023-2030، وتضمنت ضمن محاورها تحفيز المتزوجات على عدم إنجاب أكثر من طفلين عبر منحة سنوية قيمتها 1000 جنيه، إلى جانب حملة اثنان يكفيان.
وتشير الأرقام الرسمية إلى زيادة استخدام وسائل تنظيم الأسرة من 66.4 بالمئة عام 2021 إلى 75 بالمئة في 2023، وهي زيادة تقدمها الحكومة كنجاح تنفيذي في ضبط الخصوبة، بينما يراها منتقدون توسعًا في إدارة الفقر بدل علاج أسبابه.
وفي يونيو 2023، أثار تصريح الطبيبة بمستشفى أبو حمص بمحافظة البحيرة وأمينة المرأة بحزب حماة الوطن بثينة جنيدي جدلًا واسعًا، بعدما تحدثت عن تركيب وسائل منع الحمل للنساء في المحافظة عقب الولادة بدعوى تنظيم النسل.
وتشارك مؤسسات دولية عدة في دعم ملف السكان بمصر، بينها صندوق الأمم المتحدة للسكان، ومنظمة الصحة العالمية، ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة يونيسف، وهيئة الأمم المتحدة للمرأة، عبر الدعم الفني والتمويل وبرامج الصحة الإنجابية وتنظيم الأسرة.
وتشير الأرقام إلى تمويل الاتحاد الأوروبي الاستراتيجية القومية للسكان في مصر بـ39 مليون يورو، مقسمة إلى مرحلة أولى بين 2018 و2023 بقيمة 27 مليون يورو، ومرحلة ثانية بين 2023 و2030 بقيمة 12 مليون يورو.
كما تدخل الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية والوكالة الإيطالية للتعاون الإنمائي في دعم خدمات تنظيم الأسرة والصحة الإنجابية، إلى جانب تحويل أجزاء من الديون الإيطالية والألمانية إلى مشروعات تمكين المرأة وتنمية الأسرة.
وفي ديسمبر 2023، اختتم مشروع دعم الاتحاد الأوروبي للاستراتيجية الوطنية للسكان في مصر بالتعاون مع صندوق الأمم المتحدة للسكان بعد 5 سنوات من العمل بمنحة الـ27 مليون يورو، وبمشاركة منظمات دولية بينها كير السويسرية، قبل الإعلان عن تمويل جديد حتى 2030.
وامتد التمويل إلى شركة باير الألمانية، التي تأسست عام 1863 بمدينة بارمن، إذ أعلنت في أبريل 2025 مع صندوق الأمم المتحدة للسكان تمديد شراكتهما لـ3 سنوات إضافية بين 2026 و2028، بمساهمة قدرها 100 ألف يورو، ليرتفع إجمالي تمويلها لمصر إلى 170 ألف يورو، مع تبرع بـ900 ألف يورو.
ويقول المنير إن الأمر لا يعني أن كل تنظيم للأسرة مؤامرة، لكنه يرى تقاطعًا واضحًا بين خطاب السلطة ومشروعات دولية ممولة تركز على خفض الخصوبة وتغيير أنماط الأسرة، معتبرًا أن الغرب يريد دولة مصرية مستقرة وظيفيًا وقابلة للإدارة لا دولة ناهضة مكتفية ذاتيًا وقادرة على المنافسة الإقليمية.
وفي الاتجاه نفسه، كتب الناشط المصري مؤمن أشرف عبر صفحته على فيسبوك أن تقليل نسبة الخصوبة من أحط السياسات والحملات الإعلامية في مصر، مؤكدًا أن الكثافة السكانية ليست مشكلة في بلد بحجم مصر ومواردها، بل مشكلة النظام والدولة، مستشهدًا بتجارب أوروبا وتركيا والهند والصين في تحفيز الإنجاب.
وتنتهي الأزمة عند خلاصة شديدة الوضوح: مصر لا تحتاج إلى تقليل المصريين، بل إلى نظام يحسن إدارتهم ويحترمهم ويستثمر فيهم، لأن خفض السكان دون تنمية وتعليم وتصنيع وعدالة توزيع لا يصنع نهضة، بل يضيف ملفًا جديدًا إلى سجلات الخطر على الأمن القومي.

