افتتح قائد الانقلاب العسكري عبد الفتاح السيسي في العاصمة الإدارية الجديدة شرقي القاهرة مقر القيادة الاستراتيجية المعروف باسم الأوكتاغون، ضمن احتفال عسكري واسع، ليضيف إلى عاصمة الحكم الجديدة صرحا ثامن الأضلاع يكرس مركزية المؤسسة العسكرية في مشهد الدولة.
ويأتي الافتتاح بينما يعيش ملايين المصريين تحت ضغوط اقتصادية قاسية، في مفارقة تكشف اتساع المسافة بين دولة تنفق على المقار السيادية العملاقة ومجتمع يواجه الغلاء وتراجع الخدمات وانكماش المجال العام.
اسم على خطى البنتاغون ورمز يتجاوز الهندسة
ويحمل اسم الأوكتاغون معنى الشكل ثماني الأضلاع، إذ يعود المصطلح إلى أصل يوناني قديم، قبل أن يتحول في الاستخدام الحديث إلى تسمية مرتبطة بالمباني والمنشآت التي تعتمد هذا التصميم الهندسي المغلق.
ومنذ الإعلان عن المقر، حضرت المقارنة مع البنتاغون الأمريكي بقوة، فالأخير يستمد اسمه من شكله خماسي الأضلاع، بينما اختارت مصر اسما مماثلا في الصياغة لمقر عسكري ضخم ذي ثمانية أضلاع.
غير أن التشابه لا يقف عند اللغة وحدها، بل يمتد إلى محاولة صناعة رمز بصري للسلطة العسكرية، بحيث يصبح المبنى نفسه علامة سياسية تسبق وظيفته الإدارية وتعلن حضور الجيش في قلب صورة الدولة.
وبينما يمثل البنتاغون مقرا لوزارة الدفاع الأمريكية داخل نظام مدني مؤسسي، يأتي الأوكتاغون في سياق مصري مختلف، توسعت فيه المؤسسة العسكرية داخل الإدارة والاقتصاد والسياسة إلى درجة جعلت المقارنة أكثر دلالة من مجرد تشابه هندسي.
ويرى الباحث يزيد صايغ أن عهد السيسي أعاد صياغة الدولة تحت وصاية عسكرية وسلطات رئاسية شديدة التركيز، وهي قراءة تجعل الأوكتاغون جزءا من بنية حكم أوسع لا مجرد مبنى جديد لقيادة القوات المسلحة.
ولهذا، فإن الاسم المستورد من قاموس المنشآت العسكرية العالمية يمنح المشروع هالة دولية مقصودة، لكنه يكشف أيضا شغف النظام بالرموز العملاقة التي تحول القوة إلى هندسة والهيمنة إلى واجهات حجرية شديدة الضخامة.
وبذلك، يصبح الأوكتاغون اسما لمشروع سياسي بقدر ما هو وصف هندسي، لأن ثمانية أضلاع من الخرسانة تختصر نظاما يرى السلطة في التحصين، والهيبة في الضخامة، والدولة في قدرتها على إبهار المواطن وإبعاده معا.
الزي العسكري في الواجهة والدولة خلف الجنرالات
وجاء افتتاح المقر في احتفال كثيف الرموز العسكرية، ظهر خلاله السيسي مرتديا الزي العسكري، وسط موكب رسمي وإجراءات أمنية وحضور قادة ومسؤولين، بما حوّل المناسبة من حدث إداري إلى عرض متكامل لصورة الحكم.
في الوقت نفسه، أعادت الملابس العسكرية للرئيس مشهدا ظل النظام حريصا على تثبيته منذ 2013، حيث يتقدم القائد السابق للجيش باعتباره مركز السلطة، بينما تتحرك مؤسسات الدولة داخل المجال الذي رسمته المؤسسة العسكرية.
كما أن الحفل لم يقدم المقر باعتباره منشأة فنية فقط، بل بوصفه قلبا للقيادة والسيطرة وإدارة الأزمات، وهي لغة تعزز صورة الدولة المحكومة من غرفة عمليات أكثر مما تعكس جمهورية تتقدم فيها المؤسسات المدنية.
علاوة على ذلك، يلفت يزيد صايغ إلى أن الجيش أصبح في عهد السيسي لاعبا رئيسيا في الإدارة والاقتصاد والاستثمار، حتى اكتسب وضعا يشبه حكومة ظل تدير مجالات تتجاوز الوظيفة العسكرية التقليدية بوضوح.
من جهتها، ترى الباحثة شانا مارشال أن الضباط تحولوا إلى نواة طبقة حاكمة جديدة تستفيد من موارد الدولة ومواقعها، وهو ما يجعل الصروح العسكرية الضخمة تعبيرا ماديا عن صعود هذه الطبقة وترسخ امتيازاتها.
بناء على ذلك، لا يمكن فصل المقر الجديد عن العاصمة الإدارية التي قاد الجيش جانبا واسعا من مشروعاتها، لأن المشهد كله يجمع الأرض والعمران والقيادة والأمن في مساحة واحدة صنعتها السلطة بعيدا عن القاهرة القديمة.
مع ذلك، تظل الكلفة السياسية أوسع من المباني نفسها، فكلما تضخمت المنشآت السيادية وتراجعت الرقابة المدنية، زادت صعوبة مساءلة السلطة عن أولويات الإنفاق وعن الحدود الفاصلة بين ضرورات الدفاع ورغبات النظام.
في المقابل، يعاني المصريون من ضغط اقتصادي طويل وتراجع القوة الشرائية، ما يجعل الاحتفاء بالمقار العملاقة مستفزا لقطاعات ترى أن الدولة تطلب منها التقشف بينما تواصل إنتاج رموز باهظة للهيبة والسيطرة.
هكذا، بدا الحفل رسالة إلى الداخل قبل الخارج، فالنظام لا يكتفي بامتلاك القوة بل يعرضها، ولا يكتفي بوجود الجيش داخل الدولة بل يعيد تقديم الدولة نفسها من خلال صورة الجيش وطقوسه ومفرداته.
عاصمة للحكم ودولة يعاد تشكيلها حول القيادة
ويتجاوز الأوكتاغون حدود مقر عسكري جديد، لأنه يقع داخل عاصمة أنشأها السيسي لتكون مركز الحكم والإدارة، بما يعيد رسم جغرافيا السلطة بعيدا عن القاهرة المكتظة التي شهدت ثورة يناير واحتجاجات كبرى.
من هذه الزاوية، تبدو العاصمة الجديدة مشروعا لإعادة ترتيب المسافة بين الحاكم والمحكوم، حيث تنتقل الوزارات والمقار السيادية إلى فضاء أكثر تنظيما وتحكما، وتصبح السلطة محاطة بطرق واسعة ومناطق أمنية ومبان ضخمة.
ويقول الباحث عمرو عادلي إن النظام المصري واجه مأزقا سلطويا يرتبط بغياب الإصلاح السياسي واستمرار الاختلالات الاقتصادية، وهي رؤية تكشف أن بناء مقار أقوى لا يعالج هشاشة المؤسسات ولا يفتح باب المساءلة.
في السياق ذاته، يؤكد يزيد صايغ أن الدولة تحت السيسي قوية عند القمة لكنها هشة مؤسسيا، وهو توصيف يجعل الأوكتاغون رمزا مثاليا لجسد ضخم في أعلاه بينما تبقى المؤسسات المدنية أضعف من مركز القيادة.
أما شانا مارشال، فتربط توسع النفوذ العسكري بالسيطرة على موارد الدولة والمشروعات الكبرى، ما يضع الأوكتاغون داخل مسار أطول انتقلت فيه المؤسسة العسكرية من لاعب مؤثر إلى قلب طبقة الحكم الجديدة.
ومن ثم، فإن المبنى ثماني الأضلاع لا يمثل مجرد تطور في البنية الدفاعية، بل يختصر جمهورية تتقدم فيها الثكنة على البرلمان، وغرفة العمليات على المجال العام، والهيبة المعمارية على فكرة الرقابة الشعبية.
فوق ذلك، يكشف اختيار اسم قريب من البنتاغون رغبة في صناعة رمز مواز، لكن الفارق أن النسخة المصرية تنشأ داخل نظام ضيق المجال السياسي، واسع القبضة الأمنية، شديد الاعتماد على الجيش في الإدارة والاقتصاد.
أخيرا، يكتمل المشهد بين اسم عالمي مستعار واحتفال عسكري ضخم وعاصمة جديدة مغلقة على مؤسسات الحكم، لتظهر صورة دولة أعادت تعريف نفسها حول القيادة والسيطرة أكثر مما أعادت بناء السياسة أو الخدمات.
في المحصلة، لا يشرح الأوكتاغون معنى ثمانية الأضلاع فقط، بل يشرح معنى حكم السيسي نفسه، سلطة تتحصن في الصحراء، تستعرض الزي العسكري، وتبني رموزا للهيبة بينما يظل المواطن بعيدا عن القرار والمساءلة.

