افتتح قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي في 4 يوليو 2026 مجمع الأوكتاجون بالعاصمة الإدارية الجديدة، مقدماً إياه مقراً للقيادة الاستراتيجية وإدارة الأزمات، بينما انتهى الحدث إلى إعادة فتح سؤال الكلفة والغاية ومن يخشى النظام فعلياً.
وفي المقابل، جاء الافتتاح وسط أزمة معيشية ودين خارجي يقترب من 164 مليار دولار، بما يجعل المبنى العسكري الضخم أكثر من منشأة دفاعية، ويحوّله إلى مرآة لأولويات سلطة تطلب من المصريين التقشف بينما توسع إنفاقها السيادي.
وبالتالي، تبدو الرسالة المعلنة هي تحديث القيادة والسيطرة ومواجهة الأخطار الإقليمية، لكن الرسالة السياسية الأعمق تكشف نظاماً يعيد بناء الدولة بعيداً عن الشارع، ويحصن مراكز القرار من مفاجآت كتلك التي صنعتها ثورة 25 يناير.
كما أن ربط السيسي خلال الافتتاح بين انهيار الجنيه وأحداث 2011 لم يكن تفصيلاً عابراً، بل محاولة جديدة لنقل مسؤولية الأزمة من سياساته الممتدة إلى لحظة الثورة، وإقناع المصريين بأن الحرية نفسها كانت فاتورة الخراب.
غير أن الوقائع الاقتصادية لا تسمح بهذا الاختزال، فصندوق النقد نفسه يطالب بتقليص سيطرة الدولة والجيش، وضبط الاستثمارات العامة، وتحسين المنافسة، وهي ملفات ترتبط مباشرة بنموذج الحكم الحالي لا بمتظاهري ميدان التحرير قبل 15 عاماً.
وعلى هذا الأساس، يصبح الأوكتاجون جزءاً من معادلة سياسية أوسع: مبانٍ هائلة، ومؤسسات شديدة المركزية، وطرق ومدن جديدة، وخطاب أمني دائم، مقابل حياة سياسية مغلقة ومساحات احتجاج تقلصت بفعل القمع والملاحقة والسيطرة على المجال العام.
وفي زيارته أمس لمقر الأوكتاجون هدد قائد الغنقلاب العسكري من أن أي محاولة للقيام بثورة جديدة وتعطيل مؤسسات الدولة سيتم ضربها بقوة بأحدث الأسلحة، في أوضح تصريح له يكشف نواياه وأهدافه من إقامة مقر القيادة الإستراتيجية المسمى الأوكتاجون وفي مقدمتها حماية حكمه وبقائه فيه من غضب الشعب وأي ثورة محتملة عليه، خاصة وهو يعلم حالة السخط الكبير لدى المصريين بسبب تدهور الوضع الإقتصادي وظروف المعيشة التي تزداد صعوبة يومًا بعد يوم.
من الخوف من الميدان إلى هندسة الحصن
في هذا السياق، يرى الباحث يزيد صايغ أن السيسي أعاد تشكيل الجمهورية عبر القمع والهيمنة على الخطاب العام وتوسيع رأسمالية الدولة، وهي قراءة تجعل الأوكتاجون امتداداً مادياً لنظام يريد تركيز السلطة لا مجرد تنسيق الجيوش.
ومن ثم، لا تبدو مصادفة أن تُنقل مراكز الحكم والقيادة إلى الصحراء شرقي القاهرة، بعيداً عن قلب المدينة الذي احتضن الثورة، فالمسافة هنا ليست جغرافية فقط، بل سياسية أيضاً، تفصل السلطة المحصنة عن المجتمع القادر على التجمع.
علاوة على ذلك، خلص الباحث شتيفان رول إلى أن غياب الاحتجاجات الشبابية ارتبط بالسيطرة السياسية والقمع الرقمي والهجرة، مع بقاء احتمال عودة الاحتجاج قائماً تحت ضغط اليأس الاجتماعي والديمغرافي المتزايد.
لذلك، يمكن قراءة المجمع الجديد باعتباره تأميناً ضد سيناريو داخلي بقدر ما هو استعداد لتهديد خارجي، خصوصاً أن النظام بنى خلال 13 عاماً منظومة حكم تعتبر التجمع المستقل والاحتجاج المفتوح خطراً على بقاء السلطة.
وبالمثل، فإن استدعاء إسرائيل بوصفها معيار القوة يسمح للسلطة بتسويق كل توسع عسكري باعتباره ضرورة وطنية، حتى عندما يغيب النقاش العام حول الكلفة والبدائل، أو حول مدى ملاءمة المنشآت الثابتة الضخمة لطبيعة الحرب الحديثة.
وفي الوقت نفسه، تكشف دراسات عسكرية حديثة أن الاعتماد على البنية الثابتة يزيد قابلية الاستهداف، بينما تمنح الأنظمة المتنقلة والموزعة مرونة أكبر، وهو ما يضع سؤالاً مشروعاً حول جدوى تركيز القيادة داخل منشأة عملاقة شديدة الوضوح.
وفوق ذلك، أثبتت حروب السنوات الأخيرة أن الطائرات المسيّرة والضربات الدقيقة والحرب الإلكترونية تستطيع تهديد أصول باهظة بكلفة أقل كثيراً، بما يجعل الحجم وحده مؤشراً دعائياً لا ضمانة حقيقية للتفوق أو البقاء.
بين استعراض القوة وفاتورة الاقتصاد
اقتصادياً، قال السيسي إن الدولار انتقل من نحو 6 جنيهات وقت أزمة 2011 إلى قرابة 50 جنيهاً، مستنتجاً أن المصريين ما زالوا يدفعون ثمن تلك الأحداث، لكنه تجاهل مسار السياسات اللاحقة ومسؤولية قرارات حكوماته.
ومع ذلك، تُظهر بيانات وزارة المالية أن دين قطاع الموازنة بلغ نحو 14.96 تريليون جنيه بنهاية يونيو 2025، فيما بلغ الدين الخارجي 163.7 مليار دولار بنهاية سبتمبر، وهي أرقام لا يمكن ردها ببساطة إلى الثورة.
وبناءً على ذلك، لا ينبغي تكرار رقم 440 مليار دولار باعتباره رصيداً مؤكداً للديون، لأن البيانات الرسمية لا تسنده، بينما الرقم الأقرب في خطاب السيسي كان تقديره لتكلفة تداعيات 2011 بنحو 450 مليار دولار.
ومن ناحية أخرى، يؤكد الباحث الاقتصادي تيموثي كالداس أن برامج الإنقاذ السابقة فشلت في أهداف أساسية عندما غابت الحوكمة وسُمح بإهدار الموارد لصالح نخب النظام، وهي زاوية تفسر لماذا لا تكفي القروض لتصحيح المسار.
إضافة إلى ذلك، سجل صندوق النقد استثمارات عامة بقيمة 924 مليار جنيه خلال السنة المالية 2024 و2025، وشمل تعريفه مشروعات العاصمة الإدارية وهيئات وشركات عسكرية، بما يؤكد أن الإنفاق السيادي عنصر حاضر داخل معادلة الأزمة.
في المقابل، يطلب الصندوق تقليص دور الدولة والجيش وتسوية ميدان المنافسة أمام القطاع الخاص، وهي توصيات تناقض الرواية التي تجعل يناير شماعة وحيدة، وتعيد المسؤولية إلى بنية اقتصاد تهيمن عليه المؤسسات العامة والكيانات المحمية.
ولهذا، يصبح السؤال ليس هل تحتاج مصر قيادة عسكرية حديثة، بل لماذا اختير هذا الحجم وهذه الكلفة وهذه المركزية في دولة مثقلة بخدمة الدين، ولماذا لا تُعرض الحسابات والعقود والجدوى أمام رقابة عامة حقيقية.
من تحصين النظام إلى محو ذاكرة يناير
سياسياً، لا ينفصل الأوكتاغون عن مشروع أوسع لإعادة ترتيب العاصمة ومراكز القوة والإعلام والاقتصاد تحت قبضة الرئاسة، بحيث تصبح الدولة أقل تعرضاً لضغط الشارع وأكثر قدرة على إدارة المجتمع من مواقع بعيدة ومحمية.
وعلى النقيض، كانت ثورة 25 يناير قائمة على كسر المسافة بين المواطن والسلطة، واحتلال الفضاء العام، وفرض المساءلة من الميدان، ولذلك يبدو محو صورتها من الذاكرة شرطاً نفسياً وسياسياً لاستمرار النظام الحالي.
ثم إن تحميل الثورة مسؤولية هبوط الجنيه يؤدي وظيفة دعائية مزدوجة: تبرئة السياسات اللاحقة من الفشل، وتخويف الأجيال الجديدة من فكرة التغيير نفسها، عبر مساواة الاحتجاج بالفوضى والحرية بالانهيار الاقتصادي.
الأهم من ذلك، أن الخوف من يناير لا يظهر في الخطاب وحده، بل في بنية الحكم التي وصفها يزيد صايغ بأنها تعتمد القمع والسيطرة الإعلامية والتعبئة القومية، وتمنع تشكل مراكز قوة مستقلة داخل النظام أو المجتمع.
وعندئذ، يصبح الحديث عن التفوق على إسرائيل غطاءً مثالياً لصرف الأنظار عن السؤال الأكثر إحراجاً: هل بُني الحصن لمواجهة عدو خارجي، أم لضمان بقاء منظومة حكم تخشى تكرار لحظة خرج فيها المصريون من دائرة الخوف.
وأخيراً، لا يثبت الأوكتاجون أن السيسي تجاوز عقدة الثورة، بل قد يثبت العكس؛ فالدولة التي تثق في شعبها لا تحتاج إلى تحميله ثمن احتجاجه، ولا إلى تحويل القوة العسكرية إلى ستار يحجب سؤال الشرعية والكلفة والمساءلة.

