لم تبدأ معاناة طلاب الثانوية العامة 2026 من ورقة الامتحان، بل بدأت قبل الوصول إليها. فمنذ اليوم الأول، تكررت شكاوى الطلاب وأولياء الأمور من التكدس أمام اللجان، وتأخر الدخول، وإجراءات تفتيش وصفها بعضهم بالمهينة والمتجاوزة للخصوصية، قبل أن تتوالى لاحقًا مشاهد البكاء والانهيار عقب امتحانات اشتكى طلاب من طولها وصعوبة بعض أجزائها وعدم كفاية الوقت للإجابة عنها.
 

وبينما تواصل وزارة التربية والتعليم الحديث عن الانضباط وانتظام اللجان، تكشف الشهادات المتتابعة من محافظات مختلفة صورة أكثر قسوة: طلاب يدخلون امتحانات مصيرية تحت ضغط التفتيش والتوتر، ثم يخرج بعضهم باكيًا أو منهارًا، وأولياء أمور يصرخون أمام اللجان مطالبين بإنقاذ أبنائهم من موسم امتحانات تحول، في نظر كثيرين، إلى استنزاف نفسي متواصل.

 


منذ انطلاق الامتحانات في 21 يونيو، لم تتوقف الشكاوى عند مادة واحدة أو لجنة بعينها. بدأت الأزمة بالتكدس والتفتيش وتأخر توزيع بعض الأوراق، ثم انفجرت مع امتحان اللغة العربية، وتصاعدت مع الكيمياء، وتجددت مع اللغة الإنجليزية، حتى أصبح المشهد المتكرر أمام عدد من اللجان هو ذاته: دموع، صراخ، انهيارات، وأهالٍ يرددون أن أبناءهم لم يعودوا يحتملون.
 


الإهانة تبدأ عند البوابات


في اليوم الأول للامتحانات، وبينما كان يفترض أن تنشغل الأسر بتهدئة أبنائها قبل دخول اللجان، فوجئ بعض الطلاب وأولياء الأمور بمشكلة أخرى تسبق ورقة الأسئلة نفسها.
شكاوى متزايدة تحدثت عن تأخر فتح بعض اللجان، وتأخر إجراءات التفتيش، وتجمع أعداد كبيرة من الطلاب أمام البوابات في وقت واحد. وتحول انتظار الدخول في بعض المواقع إلى زحام وتوتر قبل دقائق من امتحان يفترض أن يؤديه الطالب في أعلى درجات التركيز.

لكن الاعتراض الأكبر لم يكن على التفتيش في حد ذاته، بل على الطريقة التي جرى بها في بعض اللجان.

 

خرج طالب يشكو علنًا من وجود تلامس أثناء التفتيش، بينما تحدث أولياء أمور عن إجراءات قالوا إنها أحرجت أبناءهم وبناتهم أمام الآخرين، وزادت توترهم قبل الامتحان. وظهرت شهادات ترفض تحويل الطالب، لمجرد دخوله لجنة امتحان، إلى مشتبه به يُدفع ثمن محاولات مكافحة الغش من كرامته وهدوئه النفسي.


وقالت أسر إن بعض الطالبات تعرضن لإحراج شديد بسبب طريقة التفتيش، وإن الإجراءات كان يمكن تنفيذها بصورة أكثر احترامًا للخصوصية. وتكررت عبارة أن المشكلة ليست في منع الهاتف المحمول أو وسائل الغش، وإنما في أن تتحول العملية إلى مشهد يشعر فيه الطالب بالإهانة قبل أن يجلس أصلًا أمام ورقة الإجابة.

وبعد تصاعد الشكاوى، صدرت توجيهات بالتبكير في دخول الطلاب وبدء التفتيش قبل وقت كافٍ من بداية الامتحان. إلا أن هذه الإجراءات لم تمحُ أثر البداية، ولم تُسكت أسئلة الأهالي: لماذا يحتاج طالب في امتحان مصيري إلى خوض معركة عند البوابة قبل أن تبدأ معركته داخل اللجنة؟.


ولم تتوقف الشكاوى عند التفتيش. تحدث طلاب عن ضعف التهوية في بعض اللجان، وتأخر في بدء بعض الامتحانات، وتأخر توزيع أوراق في لجان أخرى. وفي كل مرة كانت الرواية الرسمية تؤكد أن الأمور مستقرة، بينما كانت الشكاوى القادمة من الأرض تقول إن الاستقرار لم يكن هو التجربة التي عاشها الجميع.


الامتحانات تفجر دموع الطلاب


مع بداية المواد المضافة للمجموع، انتقلت الأزمة من بوابات المدارس إلى داخل اللجان.


في امتحان اللغة العربية، خرج طلاب وطالبات يشكون من صعوبة بعض أسئلة النحو وطول الامتحان وضيق الوقت. وفي محافظات عدة، ظهرت مشاهد بكاء وانهيار عقب الخروج من اللجان، بينما حاول أولياء الأمور تهدئة أبنائهم الذين شعر بعضهم أن أول امتحان أساسي أطاح بجزء كبير من ثقتهم.


تكررت عبارات مثل: «النحو لخبطنا»، و«الامتحان طويل»، و«الوقت ما كفاش». لم يكن الاعتراض أن جميع الأسئلة مستحيلة، بل أن بعض الطلاب وجدوا أنفسهم أمام امتحان يحتاج إلى وقت أكبر للتفكير والمراجعة، في نظام لا يمنحهم سوى دقائق محسوبة بدقة.

ثم جاء امتحان الكيمياء ليشعل موجة أشد من الغضب.


وخرجت طالبات في حالات بكاء وانهيار، وتحدث طلاب عن أسئلة صعبة وجزئيات احتاجت إلى وقت أطول. وتركزت شكاوى على بعض المسائل والأسئلة المقالية، بينما صرخ أولياء أمور أمام اللجان: «عيالنا مظلومين».


لم تعد الصورة مجرد طالب غير راضٍ عن سؤال، بل أصبحت مشاهد جماعية لطلاب يخرجون محطمين نفسيًا من لجان يفترض أنها تقيس التحصيل العلمي، لا القدرة على احتمال الضغط.


وطالب أولياء أمور بمراعاة مستوى الصعوبة في التصحيح، خاصة بعد أن شعروا أن أبناءهم يخرجون من بعض المواد فاقدين الأمل في تعويض الدرجات. أما وزارة التعليم، فردت بالأرقام والنسب، وتحدثت عن أسئلة من النماذج الاسترشادية وتوزيع لمستويات الصعوبة.


لكن أزمة الطلاب لم تكن في الإحصاءات وحدها.


فالطالب الذي يخرج باكيًا لا يهدأ حين تخبره الوزارة أن نسبة من الأسئلة كانت متوسطة، والأم التي تنتظر ابنتها أمام اللجنة لا يطمئنها بيان رسمي بينما ترى ابنتها منهارة أمامها.
ومع امتحان اللغة الإنجليزية، عادت الشكاوى مجددًا. قال طلاب إن قطعة القراءة استنزفت وقتًا طويلًا، وإن بعض أسئلة الاختيار من متعدد وموضوع الكتابة كانت أصعب من المتوقع.


وفي عدد من المحافظات ظهرت مشاهد غضب وانهيار، بينما أكد طلاب آخرون أن الامتحان كان مقبولًا. لكن استمرار التباين لا يلغي حقيقة أن شكاوى الوقت والطول والصعوبة أصبحت ظاهرة متكررة في أكثر من مادة، وليست حادثة عابرة.


الوزارة ترد والطلاب ينهارون


منذ بداية الامتحانات، بدا المشهد وكأن هناك عالمين منفصلين.


في العالم الأول، بيانات رسمية تتحدث عن انتظام اللجان، واستقرار العملية الامتحانية، وعدم وجود مشكلات مؤثرة.


وفي العالم الثاني، طلاب يتكدسون أمام المدارس، وأسر تشتكي من التفتيش، وطلاب يقولون إن الوقت لم يكفِ، وطالبات يخرجن في نوبات بكاء، وأولياء أمور يصرخون بأن أبناءهم تعرضوا للظلم.


هذه الفجوة بين اللغة الرسمية وما يراه الناس أمام اللجان أصبحت جزءًا من الأزمة نفسها.

 


لا يعني ذلك أن كل لجنة شهدت انتهاكات، ولا أن كل طالب رأى جميع الامتحانات صعبة. لكن تكرار الشهادات من محافظات مختلفة، وفي أيام متعددة، يجعل تجاهلها أو اختزالها في «حالات فردية» أمرًا لا يقنع آلاف الأسر التي تعيش التجربة.


السؤال لم يعد فقط: هل كان امتحان الكيمياء صعبًا؟ أو هل كانت قطعة الإنجليزي طويلة؟


السؤال الأكبر هو: ماذا تفعل هذه المنظومة نفسيًا بطلاب في السابعة عشرة أو الثامنة عشرة من أعمارهم؟


طالب يبدأ يومه بالتفتيش، ويدخل اللجنة تحت ضغط أن مستقبله يتحدد في ساعات، ثم يواجه امتحانًا يراه طويلًا، ويخرج ليجد أسرته تنتظر مصيره عند البوابة. تتكرر الدائرة أيامًا وأسابيع، ثم يُطلب منه أن يظل هادئًا ومتزنًا وكأن ما يحدث اختبار عادي.


الثانوية العامة في مصر لم تعد مجرد مرحلة تعليمية. تحولت إلى موسم قلق واحتقان عائلي، وماراثون نفسي يدفع الطلاب ثمنه من أعصابهم.


وحين تتكرر مشاهد الصراخ والبكاء والانهيار عامًا بعد عام، فلا يكفي أن تعلن الوزارة أن اللجان «منتظمة». الانتظام الحقيقي لا يُقاس فقط بوصول أوراق الأسئلة في موعدها، وإنما أيضًا بكرامة الطالب عند البوابة، وعدالة الوقت داخل اللجنة، ووضوح الأسئلة، وحماية الحالة النفسية لجيل كامل.


ما حدث منذ أول أيام امتحانات 2026 يكشف أن المشكلة لم تعد في سؤال صعب أو لجنة سيئة التنظيم، بل في منظومة تتعامل مع الطالب باعتباره رقم جلوس، ثم تتساءل بعد ذلك: لماذا ينهار؟


وبين التفتيش الذي أثار غضب الأسر، والامتحانات التي فجرت الدموع، والبيانات التي تكرر أن كل شيء يسير بصورة طبيعية، يبقى آلاف الطلاب وأسرهم وحدهم أمام موسم يصفه كثيرون بأنه الأكثر قسوة في حياتهم.


والسؤال الذي تتجنبه البيانات الرسمية يظل قائمًا: كم طالبًا يجب أن يخرج باكيًا قبل أن تعترف المنظومة بأن شيئًا ما يسير بصورة خاطئة؟.