جدد أهالي مدينة فرشوط بمحافظة قنا مطالبهم بوضع تعريفة رسمية ومعلنة لركوب سيارات التوكتوك، بعد تكرار الشكاوى من اختلاف الأسعار ونشوب مشادات يومية، ما انتهى إلى دعوات عاجلة لتدخل المحافظة والتنمية المحلية.
ويكشف استمرار الأزمة عجزًا إداريًا فادحًا عن تنظيم وسيلة نقل يعتمد عليها المواطنون يوميًا، بينما تُترك السيدات وكبار السن ومحدودو الدخل في مواجهة سائق يحدد الأجرة وفق تقديره، بلا تسعيرة أو رقابة.
فوضى أجرة بلا تعريفة
وبحسب الأهالي، تختلف قيمة الرحلة داخل المدينة من سائق إلى آخر، حتى عند قطع المسافة نفسها، ما يجعل الركوب خاضعًا للمساومة والمزاج الشخصي بدل قواعد ثابتة تحمي الراكب والسائق معًا.
وبالتالي، تحولت الرحلات القصيرة إلى مصدر خلاف متكرر، حيث يفاجأ المواطن عند الوصول بأجرة تختلف عن توقعاته، ثم تبدأ المشادات والاتهامات، في مشهد يومي كان يمكن منعه بقرار إداري بسيط.
كما أن غياب التعريفة يفتح الباب أمام رفع الأسعار في ساعات الذروة أو الأجواء السيئة أو المناطق الطرفية، من دون معيار معلن يوضح ما إذا كانت الزيادة مشروعة أم مجرد استغلال مباشر.
ولزيادة خطورة الوضع، لا يملك المواطن وسيلة واضحة للاعتراض، لأن غالبية مركبات التوكتوك تعمل من دون أرقام تعريف ظاهرة، ما يصعب تسجيل الشكوى أو تحديد المركبة والسائق المخالف.
لذلك، تصبح الرقابة شبه مستحيلة عندما تغيب اللوحات والأرقام والسجلات، بينما تتحول الشكوى إلى رواية بلا دليل، ويواصل السائق عمله من دون خوف من مساءلة أو غرامة أو إيقاف.
ومن ثم، طالب بركات الضمراني مدير حماية حقوق الإنسان بتدخل محافظ قنا ووزير التنمية المحلية ورئيس الوحدة المحلية لفرشوط، من أجل إصدار قواعد محددة تنهي الفوضى وتضبط حركة المركبات.
غير أن تأخر هذه الجهات في التحرك يثير سؤالًا مشروعًا بشأن سبب ترك مدينة كاملة بلا تنظيم، رغم تكرار الشكاوى ووجود تجربة قريبة في دشنا يمكن تطبيقها وتطويرها داخل فرشوط.
المواطن الحلقة الأضعف
علاوة على ذلك، يدفع محدودو الدخل الثمن الأكبر، لأن فروقًا صغيرة في كل رحلة تتحول مع الاستخدام اليومي إلى عبء شهري إضافي، خصوصًا للعمال والطلاب والمرضى الذين يعتمدون على التوكتوك باستمرار.
وبناءً على ذلك، لا تبدو المسألة نزاعًا فرديًا على بضعة جنيهات، بل أزمة عدالة اجتماعية تمس حق المواطن في التنقل الآمن والمعلوم التكلفة داخل مدينة تفتقر إلى وسائل نقل عامة كافية.
وفي السياق نفسه، تتعرض السيدات لمواقف أكثر صعوبة عند الخلاف على الأجرة، بسبب الخوف من المشادة أو التعرض للإهانة، ما يدفع بعضهن إلى دفع المبلغ المطلوب تفاديًا للتصعيد.
وفوق ذلك، يواجه كبار السن المشكلة نفسها، إذ قد يعجزون عن النقاش أو تقدير المسافة أو الدفاع عن حقهم، بينما لا توجد جهة حاضرة في الشارع تضمن لهم خدمة محترمة وسعرًا ثابتًا.
وعليه، فإن تحديد التعريفة ليس عقابًا للسائقين، بل حماية لهم أيضًا من الاتهامات والمشاجرات، لأن السعر المعلن يحدد حقهم بوضوح ويمنع الركاب من فرض أجرة أقل من المقرر.
ومع ذلك، يجب أن تراعي التعريفة تكلفة الوقود والصيانة وقطع الغيار ودخل السائق، حتى لا تتحول إلى رقم غير واقعي يدفع العاملين إلى تجاهلها أو الخروج من الخدمة.
إضافة إلى ذلك، تحتاج الوحدة المحلية إلى تقسيم المدينة إلى نطاقات ومسافات واضحة، بدل وضع سعر واحد لجميع الرحلات، بما يحقق توازنًا عمليًا بين الرحلات القصيرة والطويلة والمناطق الطرفية.
ومن ناحية أخرى، ينبغي إعلان الأسعار في المواقف والشوارع الرئيسية وداخل المركبات، حتى يعرف الراكب الأجرة قبل التحرك، ولا يصبح الاتفاق الشفهي بابًا جديدًا للخلاف أو الابتزاز.
تنظيم مؤجل ومطلوب
على الجانب المقابل، تتطلب المعالجة حصر جميع مركبات التوكتوك العاملة في فرشوط، وربط كل مركبة برقم واضح وبيانات مالكها وسائقها، بما يسمح بتتبع المخالفات وحماية المواطنين من المركبات المجهولة.
ثم إن وضع أرقام تعريفية بارزة سيساعد الأسر والشرطة والوحدة المحلية على الوصول إلى السائق عند وقوع مخالفة أو حادث، بدل استمرار مركبات غير معروفة تتحرك بلا سجل واضح.
وبصورة أوسع، يجب تنظيم تراخيص السائقين والتأكد من أعمارهم وقدرتهم على القيادة، لأن ضبط الأجرة وحده لن ينهي الفوضى إذا ظل بعض المركبات يقودها قاصرون أو غير مؤهلين.
كذلك، طالب الضمراني بإلزام السائقين بالآداب العامة والمظهر المناسب، وهي دعوة ترتبط بطبيعة الخدمة العامة وضرورة احترام الركاب، لكنها تحتاج معايير واضحة لا تتحول إلى قرارات مزاجية.
وفي المقابل، ينبغي توفير آلية سهلة لتلقي الشكاوى عبر رقم معلن أو مكتب داخل الوحدة المحلية، مع ضمان سرعة التحقيق وعدم مطالبة المواطن بإجراءات معقدة تجعله يتراجع عن الشكوى.
أما تجربة مدينة دشنا، فتقدم نموذجًا يمكن البناء عليه، بعدما جرى تحديد أجرة معلنة لتنظيم الحركة والحد من النزاعات، وهو ما يثبت أن الأزمة قابلة للحل وليست قدرًا مفروضًا.
وبالتوازي، يمكن عقد اجتماع يضم الوحدة المحلية والمرور وممثلين عن السائقين والأهالي، للاتفاق على التعريفة ومراجعتها دوريًا، بدل إصدار قرار مفاجئ من دون مشاركة الأطراف المعنية.
وفي الوقت ذاته، يجب فرض عقوبات تدريجية تبدأ بالإنذار والغرامة، ثم إيقاف المركبة عند تكرار المخالفة، لأن التعريفة ستبقى حبرًا على ورق من دون أدوات تنفيذ ومتابعة حقيقية.
وأخيرًا، لا يحتاج أهالي فرشوط إلى وعود جديدة أو لجان بلا نتائج، بل قرار معلن يحدد الأجرة ويرقم المركبات ويحمي الركاب، وينهي سوقًا عشوائية تركتها الإدارة المحلية تتوسع على حساب المواطنين.
وفي المحصلة، تظل فوضى التوكتوك دليلًا على غياب أبسط أشكال الإدارة اليومية، فحين تعجز السلطات عن تحديد سعر رحلة داخل مدينة، يصبح المواطن وحده مطالبًا بالتفاوض على حقه في كل مرة.

