يفضح غضب سكان سرايا الجزيرة بالزمالك كلفة التوسع في تراخيص المراكب، إذ يشكون حجب النيل واقتحام الضوضاء منازلهم، بينما تتوزع الرقابة بين جهات متعددة، دون حماية من زحف الاستغلال التجاري.
وبحسب الشكاوى المنشورة، تتزايد المراكب والفلوكات الراسية أمام المنطقة السكنية، وتتصاعد أصوات السماعات مساء، فيما يتحمل الأهالي اختناقات المرور وتراجع قدرتهم على الانتفاع بواجهة نيلية يفترض أن تظل متنفسا للجميع.
أرباح تلتهم المتنفس العام
في التفاصيل، يربط السكان تدهور الممشى بالتوسع في منح تراخيص الرسو والتشغيل، معتبرين أن النشاط التجاري تجاوز قدرة المكان، وحول الاستمتاع بالنهر إلى معاناة بالشارع وعلى الأرصفة وأمام نوافذ المنازل.
كما أن الانتظار الخاطئ حول المراسي يضيف عبئا على شوارع الزمالك الضيقة، ويحذر السكان من تأثير التكدس على مرور سيارات الإسعاف والإطفاء، بما يتجاوز الانزعاج العابر إلى مخاوف تتعلق بالسلامة.
علاوة على ذلك، تستدعي شكاوى السماعات المرتفعة قياسات ميدانية معلنة، فإثبات تجاوز الحدود القانونية يحتاج رصدا فنيا، لكن غياب الأرقام المنشورة لا يبرر ترك السكان وحدهم أمام مصادر الإزعاج المتكرر.
وفي المقابل، لا تتضمن المادة المنشورة حصرا للمراكب المرخصة والمخالفة، أو التراخيص، وهو نقص يجعل إعلان هذه الوثائق ضرورة لتحديد المسؤولية، بدلا من إبقاء النقاش محصورا في تبادل الاتهامات العامة.
من منظور عمراني، شددت سهير حواس، أستاذة العمارة بجامعة القاهرة، في حوار سابق مع المصري اليوم، على حماية نسيج الزمالك والعلاقة بين المباني والفراغات ومسارات الحركة عند تنفيذ مشروعات التطوير.
وبناء على هذا المعيار، يكشف النزاع ضرورة تقييم أثر المراسي على الحي، لأن موافقة التشغيل وحدها لا تجيب عن أسئلة الرؤية والازدحام والضوضاء، ولا تثبت ملاءمة النشاط لطبيعة المنطقة السكنية.
لذلك، يصبح تقديم الاستغلال التجاري باعتباره تطويرا موضع مساءلة، حين يفقد السكان هدوءهم ويتراجع حضور النهر في حياتهم، بينما لا تظهر أمامهم دراسة منشورة تشرح المكاسب وكلفة المشروع على محيطه.
اختصاصات متداخلة ومحاسبة غائبة
إداريا، تتوزع الجهات المعنية بين حي غرب القاهرة، وقطاع حماية النيل بوزارة الري، وشرطة المسطحات المائية، وهيئة النقل النهري، وفق المنشور، ما يضع التنسيق والرقابة في صلب الأزمة التي يشكوها السكان.
غير أن تعدد الجهات لا يصلح إعفاء جماعيا من المحاسبة، فالسؤال يتعلق بمن وافق، ومن راقب شروط الموافقة، ومن تلقى الشكاوى، وما الإجراءات التي اتخذها لوقف الضرر أو التحقق منه.
وفي هذا السياق، حمل حمدي عرفة، خبير الإدارة المحلية، المحافظين مسؤولية متابعة المراسي والمراكب والتنسيق مع الجهات التنفيذية، في تصريحات نشرتها دار الهلال عام 2017، بحديث عن الرقابة على الملاحة.
واستنادا إلى طرحه، تبرز مسؤولية المحافظة عن جمع الجهات على إجراء موحد، دون تحويل المواطن إلى موزع للشكاوى بين المكاتب، مع ضرورة مراجعة الاختصاصات ووثائق كل مرسى قبل إسناد مخالفة بعينها.
بالتوازي، تعيد الأزمة التذكير باعتراضات مايو 2025، عندما فوجئ أهالي سرايا الجزيرة بأعمال كوبري مشاة ومرسى لمركب سياحية، فاستغاثوا بالمسؤولين خشية مضاعفة الزحام والتلوث في شارع سكني لا يحتمل المزيد.
وعقب تلك الاستغاثات، أزيلت أعمدة الكوبري والمرسى بحسب الرواية المنشورة، وهي سابقة تكشف قدرة الاعتراض على تغيير التنفيذ، لكنها لا تثبت وحدها وجود معالجة دائمة لأسباب النزاع حول استغلال الواجهة.
ومن ثم، تطرح عودة الشكاوى سؤالا عن حصيلة التدخل السابق، وما إذا كانت الجهات اكتفت بإزالة إنشاءات محددة دون إقرار ضوابط معلنة تمنع تكرار الضغط نفسه على الشارع بأشكال أخرى.
على الجانب الآخر، لا تكفي رواية الأهالي لتحديد الوضع القانوني للوحدات، لكن الرد الجاد يستلزم نشر نتائج الفحص وأسماء الجهات المانحة للموافقات، بدلا من ترك السكان أمام أنشطة يجهلون حدودها.
السكان خارج القرار
أما اجتماعيا، فتتصل القضية بمن يملك تحديد استخدام الواجهة النيلية، إذ يشكو الأهالي صدور الموافقات دون استطلاع رأيهم، رغم تحملهم آثار التشغيل والانتظار والضوضاء، وهي أعباء لا تنتهي بانتهاء الرحلة.
وفي قراءة ذات صلة، أكدت جليلة القاضي، أستاذة التخطيط العمراني، في حوار سابق مع منطقتي، ضرورة إشراك السكان لإنجاح التطوير وتكامله، وهو مبدأ يضع المشاركة ضمن عملية التخطيط منذ بدايتها.
وعلى هذا الأساس، يمكن قراءة استبعاد الأهالي بوصفه خللا في إدارة المكان، لا مجرد قصور بالتواصل، لأن معرفتهم بحركة الشارع ومشكلاته عنصر لازم لاختبار جدوى المشروعات قبل فرض نتائجها عليهم.
وللحد من التوسع، يطالب السكان بوقف تراخيص الرسو الجديدة وإزالة الوحدات المخالفة، مع حظر السماعات على المراكب، وهي مطالب تستهدف استعادة الهدوء ووقف تمدد الأنشطة على حساب الانتفاع بضفة النهر.
كذلك، يقترح الأهالي ألا تتجاوز مساحات الرسو 20% من طول الممشى، وهذه نسبة مطلبية تحتاج دراسة واعتمادا، وليست حدا قانونيا ثابتا يمكن نسبته للتشريعات دون سند واضح يثبت إقراره رسميا.
ولضمان التنفيذ، يتطلب التعامل مع الشكاوى حصرا معلنا للمراسي، وفحص شروط التشغيل، وتنظيم انتظار السيارات، وقياس الضوضاء وقت الذروة، مع تحديد جهة تتلقى البلاغات وتعلن نتائجها ومواعيد معالجة المخالفات المثبتة.
فضلا عن ذلك، ينبغي إتاحة الدراسات المرورية والبيئية للسكان قبل التوسع، لأن إخفاء المعلومات يترك المجال للشائعات ويقوض الثقة، بينما تكشف الوثائق ما إذا كانت المصلحة العامة حاضرة في القرار.
وأخيرا، تضع سرايا الجزيرة محافظة القاهرة والجهات أمام اختبار، إما ضبط استغلال النيل وحماية السكان بإجراءات قابلة للمراجعة، أو استمرار واقع يجني فيه المشغلون العوائد ويتحمل الأهالي الضوضاء والزحام دوما.

