يدخل التوتر المصري الإثيوبي مرحلة أكثر تعقيداً مع اتساع التعاون بين أديس أبابا وإسرائيل، ليواجه قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي وحكوماته سؤالاً ثقيلاً حول حصيلة سنوات من التفاوض والوعود، بينما تظل ضمانات الأمن المائي معلقة.
وتكشف الشراكة المتنامية حدود الرهان على التطمينات الدبلوماسية، بعدما تداخل تشغيل سد النهضة مع تنافس النفوذ في القرن الأفريقي والبحر الأحمر، وأصبحت القاهرة مطالبة بتفسير المسافة بين تصريحات القوة ونتائج سياساتها.
إعلان المبادئ ومسؤولية الرهان الخاسر
لم تبدأ أزمة النيل مع التقارب الإسرائيلي الإثيوبي، لكنها تعود اليوم لتفضح مأزق إدارة سياسية تعاملت مع توقيع إعلان المبادئ باعتباره اختراقاً، قبل تأمين اتفاق تفصيلي يحكم الملء والتشغيل وتسوية الخلافات.
ففي 23 مارس 2015، وقع السيسي مع قيادتي السودان وإثيوبيا الوثيقة التي تضمنت مبادئ للتعاون وعدم الإضرار، لكنها تركت تفاصيل حاسمة لاتفاقات لاحقة، ولم تنه الخلاف حول كيفية تطبيق تلك الالتزامات.
وفي تقييم منشور في أبريل 2015، انتقد بدر حسن شافعي، أستاذ الدراسات الأفريقية وخبير تسوية الصراعات، استعجال السيسي توقيع الوثيقة، معتبراً أن غموضها وانخفاض سقفها مقارنة بالمطالب المصرية ينذران بأزمات لاحقة.
ورأى شافعي أن المكاسب السياسية المؤقتة لا تعوض غياب الضمانات الكافية، وأن التفاوض يحتاج أدوات ضغط فعلية؛ وهو نقد مبكر يضع مسؤولية القرار السياسي في قلب النقاش حول إدارة الأزمة.
وبعد سنوات، يظل السؤال المشروع موجهاً إلى الرئاسة والحكومة: لماذا جرى تقديم الاتفاق للجمهور باعتباره مدخلاً للاطمئنان، بينما كانت القواعد التنفيذية التي تحدد التعامل مع سنوات الجفاف والخلافات المستقبلية غير محسومة؟
لا يعني ذلك أن إعلان المبادئ أنشأ الأزمة، أو أن إلغاءه وحده سيحلها؛ لكنه يعني أن توقيعه كان قراراً سياسياً يستوجب التقييم، بعيداً عن تحويل صاحبه إلى طرف محصن من المساءلة.
وتتمسك إثيوبيا بأن السد مشروع لتوليد الكهرباء والتنمية، بينما تطالب مصر بضمانات ملزمة؛ غير أن استمرار تكرار الموقفين يكشف أن السنوات المنقضية لم تنتج التسوية التي وعد بها المسار التفاوضي.
وهنا تبدو كلفة الإدارة الحكومية في إهدار الوقت السياسي: فكل تقدم في المشروع كان يغير شروط التفاوض، بينما بقي الخطاب المصري يدور حول التمسك بالحقوق، دون إعلان نتائج توازي حجم التحدي.
إسرائيل تتمدد والقاهرة تراجع خسائرها
يضيف الدعم الإسرائيلي لإثيوبيا ضغطاً جديداً على الحسابات المصرية، خصوصاً مع إعلان السفير أبراهام نغوسي رغبة بلاده في مساعدة أديس أبابا على التحول إلى قوة اقتصادية رائدة داخل القارة الأفريقية.
وبحسب التصريحات الواردة في المادة الأصلية، يشمل التعاون الاستثمار والتكنولوجيا والزراعة والعلاقات الحكومية والتنسيق الدولي؛ وهي مجالات تمنح الشراكة وزناً يتجاوز الزيارات البروتوكولية، وتستدعي قراءة مصرية تتعامل مع المصالح وأدوات التأثير.
لكن اتساع هذه العلاقات لا يثبت تلقائياً وجود خطة إسرائيلية للتحكم في مياه مصر، كما لا يكفي لإثبات توجيه إسرائيل للقرار الإثيوبي؛ فالتمييز بين الوقائع والتقديرات ضروري لفهم التهديد دون تهويل.
والأخطر سياسياً أن تتحول المخاوف من إسرائيل إلى ستار يحجب المسؤولية المحلية؛ إذ لا تعفي تحركات الأطراف الخارجية الحكومة المصرية من تفسير اختياراتها، أو تبرر تقديم التعثر باعتباره نتيجة مؤامرة فقط.
وفي تحذير سابق خلال سبتمبر 2015، ربط هاني رسلان، الخبير الراحل في شؤون السودان وحوض النيل، استفادة إثيوبيا من دعم قوى دولية وإقليمية بقصور الأداء المصري في التعامل مع الملف.
وانتقد رسلان آنذاك الاطمئنان إلى المهلة الواردة لإتمام الدراسات، موضحاً أن غياب موعد محدد لبدئها يفتح باب المماطلة؛ وهو اعتراض يوضح أن المشكلة كانت أيضاً في تقدير الضمانات وآليات تنفيذها.
ولا يمثل استدعاء رأيه تعليقاً منه على تطورات اليوم، وإنما تذكيراً بأن التحذيرات من ضعف الإدارة كانت موجودة مبكراً، وأن السلطة لا تستطيع التعامل مع كل تعقيد لاحق باعتباره مفاجأة.
والاستنتاج السياسي هنا أن مواجهة الشراكات الإثيوبية تتطلب حضوراً مصرياً اقتصادياً ودبلوماسياً طويل النفس، تتحدد قيمته بنتائج قابلة للقياس، لا ببيانات تتحدث عن نفوذ متعاظم بينما يظل الملف الأساسي بلا تسوية.
البحر الأحمر يكشف ثمن التعثر
تتسع الأزمة حين تدخل طموحات إثيوبيا البحرية على خط الخلاف، فتجد القاهرة نفسها أمام ملفات مترابطة تشمل المياه والموانئ والأمن الإقليمي، وسط تنافس متزايد على مواقع النفوذ في القرن الأفريقي.
وتسعى أديس أبابا إلى ترتيبات للوصول إلى البحر، لكن تقييم تلك التحركات يتطلب التمييز بين استخدام الموانئ تجارياً، وأي وجود عسكري محتمل، مع فحص الاتفاقات الفعلية واحترام سيادة دول المنطقة.
أما الاكتفاء بإعلان الخطوط الحمراء، دون توضيح المقصود بها وكيفية حمايتها، فيترك الرأي العام أمام خطاب مفتوح على التأويل، ويصعب معه تقييم مدى نجاح الحكومة في منع المخاطر التي تحذر منها.
وفي نقد قانوني منشور في ديسمبر 2015، اعتبر أحمد المفتي، خبير القانون الدولي والعضو المستقيل من اللجنة الدولية لسد النهضة، أن النهج المصري السوداني منح الأولوية للمناقشات الفنية قبل تثبيت الضمانات القانونية.
ورأى المفتي أن إعلان المبادئ قوّى الموقف التفاوضي الإثيوبي دون تأمين الحقوق المائية بالمستوى المطلوب؛ وهو تقييم نقدي للسياسات المتبعة، وليس حكماً قضائياً نهائياً بشأن الوثيقة أو آثارها القانونية على الأطراف.
وتبرز أهمية هذا الاعتراض في سؤال منهجي ما زال ملحاً: كيف تدخل الدولة ترتيبات طويلة الأجل قبل حسم ضماناتها، ثم تطلب من المواطنين اعتبار استمرار المطالبة بهذه الضمانات دليلاً كافياً على النجاح؟
ومن النيل إلى البحر الأحمر، تظل الحكومة مطالبة بإعلان أهداف محددة، وعرض ما تحقق منها، وتفسير أسباب التعثر، بدلاً من ترك الجمهور بين تطمينات واسعة وتحذيرات متصاعدة لا تصاحبها مراجعة معلنة.
ولا تعني المحاسبة المطالبة بمغامرة عسكرية، بل مراجعة أدوات التفاوض والتحالفات والضغط الاقتصادي، وإتاحة نقاش جاد للخبراء؛ فإدارة الخطر تتطلب تقدير الكلفة والبدائل، وليس استبدال المبالغة في الاطمئنان بالمبالغة في التهديد.
كما أن ترشيد المياه وتطوير إدارتها داخلياً لا يمنحان المسؤولين إعفاءً من مساءلة السياسة الخارجية؛ فواجب المواطن في الحفاظ على الموارد يقابله واجب الحكومة في حماية المصالح وتقديم حساب واضح عن قراراتها.
وفي النهاية، لا تكمن حدة الأزمة في أن إثيوبيا تبحث عن شركاء، بل في أن المصريين ما زالوا ينتظرون ضمانات ملموسة، بينما تطلب السلطة الثقة مجدداً دون مراجعة علنية لحصيلة رهاناتها السابقة.

