يتفاقم الجوع في السودان مع تراجع تمويل برنامج الأغذية العالمي، بينما تدفع الحرب المستمرة مزيداً من السكان إلى النزوح، وتضع المنظمات الإنسانية أمام خيارات قاسية لتوزيع مساعدات محدودة على ملايين المحتاجين في أنحاء البلاد.
يكشف نقص الموارد عن مرحلة أشد تعقيداً في الاستجابة الإنسانية، إذ لم يعد الوصول إلى المناطق المتضررة كافياً لإنقاذ سكانها، بعدما أصبحت الأموال المتاحة عاجزة عن تغطية الغذاء والإيواء والاحتياجات الأساسية للأسر المنكوبة.
نقص التمويل يقيد عمليات الإغاثة
قال المدير التنفيذي بالإنابة لبرنامج الأغذية العالمي، كارل سكاو، إن التمويل المخصص للسودان تراجع بنحو النصف هذا العام، رغم اتساع الاحتياجات في بلد يشهد أكبر أزمة جوع في العالم بفعل الحرب وتداعياتها.
وأوضح أن الوصول إلى المحتاجين كان يمثل العقبة الأكبر أمام العاملين الإنسانيين سابقاً، لكن البرنامج بات يمتلك إمكانية الوصول إلى مناطق لا يستطيع استغلالها بالكامل، بسبب نقص التمويل اللازم لتشغيل المساعدات وتوزيعها.
وتقل الفجوة التمويلية المطلوبة لاستمرار العمليات الحالية بقليل عن ثلاثمئة مليون دولار، وفق سكاو، ما يوضح حجم الضغوط التي تواجه البرنامج في الحفاظ على مستوى مساعداته، حتى دون توسيعها لتلبية الاحتياجات المتزايدة.
وحصل البرنامج على ستمئة وخمسة وأربعين مليون دولار خلال العام الماضي، بينما لم يتجاوز التمويل مئتين وستة ملايين دولار بعد مرور نحو ثلاثة أرباع العام الحالي، وسط تراجع الدعم المقدم للعمليات الإنسانية.
وتعكس هذه الأرقام تقلص الموارد المتاحة، لكنها تتعلق بفترتين زمنيتين مختلفتين، إحداهما عام كامل والأخرى جزء من العام، بينما يبقى أثر العجز واضحاً في تقليص الحصص الغذائية وتضييق نطاق المستفيدين من المساعدات.
وأشار سكاو إلى أن الأوضاع كانت أفضل قبل عام بسبب توافر الموارد، موضحاً أن المساعدات مستمرة حالياً بوتيرة متناقصة، وهو ما يفاقم صعوبة الاعتماد عليها لتأمين احتياجات الأسر التي فقدت مصادر دخلها.
حصص محدودة واحتياجات تتسع يومياً
في منطقة طويلة بشمال دارفور، التي تؤوي نحو مليون شخص في مساكن مؤقتة، يستطيع البرنامج الوصول شهرياً إلى السكان، لكنه لا يقدم سوى نصف الحصة الغذائية المطلوبة، نتيجة القيود التي يفرضها التمويل.
وتكفي المساعدات المقدمة هناك لتوفير الغذاء لمدة أسبوعين فقط، ما يترك الأسر أمام فجوة غذائية لبقية الشهر، فيما تساءل سكاو عن كيفية تمكن السكان فعلياً من البقاء خلال الأسبوعين الآخرين دون دعم.
وفي مدينة الأبيض بوسط السودان، حيث لجأ نحو مليون شخص مع استمرار توافد النازحين منذ اندلاع الحرب في أبريل ألفين وثلاثة وعشرين، يقتصر الدعم على الوافدين خلال الأشهر القليلة الماضية، بسبب محدودية الموارد.
ويواجه نحو عشرين مليون شخص خطر الجوع، لكن خفض الميزانية دفع البرنامج إلى تركيز جهوده على خمسة ملايين من الأكثر احتياجاً، بعدما أصبحت موارده عاجزة عن الاستجابة لجميع من يحتاجون إلى الغذاء.
وتمكن البرنامج مؤخراً من توسيع نطاق مساعداته ليصل إلى أربعة ملايين شخص من الفئة المستهدفة، غير أن الوصول إليهم لا يعني بالضرورة تلبية كامل احتياجاتهم، في ظل استمرار تقليص الحصص وصعوبة التمويل.
وبدأ البرنامج تقديم مساعدات في مدينة الفاشر، التي كان يقطنها مليون شخص، بينما أشار سكاو إلى محدودية مؤشرات عودة الحياة إليها، بعد هجوم لقوات الدعم السريع حمل، وفق محققين، سمات إبادة جماعية.
النزوح يضاعف أعباء الاستجابة الإنسانية
تسببت الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في دمار واسع، ونزوح ما يصل إلى أربعة عشر مليون شخص، إلى جانب تدمير المحاصيل وتداعي الاقتصاد، بما عمق اعتماد السكان على المساعدات الإنسانية.
ولا تقتصر الأزمة على الغذاء، إذ حذرت المنظمة الدولية للهجرة من احتمال نفاد إمدادات الإغاثة الطارئة المخصصة لمئات الآلاف من النازحين خلال أسابيع، ما لم يتدخل المانحون بتوفير تمويل عاجل لاستمرار الاستجابة.
وتوقعت المنظمة نفاد مواد الإيواء ومستلزمات الصرف الصحي والمواد المنزلية الطارئة بحلول نهاية سبتمبر الجاري، مشيرة إلى أن منظومة المساعدات نفسها لن تتمكن من مواصلة العمل بعد ديسمبر دون توفير أموال إضافية.
ويأتي ذلك بينما تخفض جهات مانحة كبرى مساعداتها، الأمر الذي يضع منظمات متعددة أمام ضغوط متزامنة، ويهدد بتراجع الخدمات الأساسية في وقت تتزايد فيه أعداد الأسر التي تحتاج إلى مأوى وغذاء وحماية.
وقال متحدث الصليب الأحمر في السودان إن أكثر من ثلاثة وثلاثين مليون شخص يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، مؤكداً أن النازحين داخل البلاد يعيشون ظروفاً مأساوية، مع استمرار القتال وتدهور الأوضاع المعيشية والإنسانية.
وأضاف أن أكثر من أحد عشر ألف شخص ما زالوا مفقودين جراء الحرب، فيما تواصل المنظمة دعم الأسر النازحة والعمل على إعادة التواصل بين أفراد العائلات التي فرقتها المعارك وموجات النزوح المتلاحقة.
وتجمع الأزمة بين اتساع الجوع وتراجع قدرة المنظمات على الاستجابة، فيما تتجاوز احتياجات المتضررين الغذاء إلى الإيواء ولم شمل الأسر، لتبقى استمرارية المساعدات مرتبطة بتوفير الموارد اللازمة لمواجهة تداعيات حرب تستنزف السكان.

