تتصادم الشعارات الرسمية المرفوعة خلال الندوة التثقيفية رقم 44 للقوات المسلحة المصرية حول قدسية الوثيقة الدستورية مع واقع تشريعي يشهد تجميداً متعمداً للقوانين المكملة منذ إقرار دستور عام 2014 وتعديلاته في عام 2019.
وعلاوة على ذلك، تثير تصريحات قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي بشأن عدم المساس بالدستور تساؤلات جوهرية، إذ يظل احترام النصوص حبراً على ورق ما دامت السلطة التنفيذية تعطل تفعيل مواد الرقابة والحقوق العامة.
تغييب المجالس المحلية وتكريس المركزية
ومن ناحية أخرى، تبرز أزمة تعطيل المادتين 179 و 180 كأحد أبرز مظاهر إهدار الاستحقاقات الدستورية، حيث تستمر البلاد بلا مجالس محلية منتخبة تتولى مراقبة الأجهزة التنفيذية ومتابعة المرافق والخدمات اليومية للمواطنين.
وبالإضافة إلى هذا التجميد، يفرغ غياب المحليات النص الدستوري من مضمونه الذي يلزم بتخصيص 25% من المقاعد للشباب دون 35 عاماً، و 25% للمرأة، وبما لا يقل عن 50% للعمال والفلاحين مع تمثيل المسيحيين وذوي الإعاقة.
وفي هذا السياق، تتحرك داخل مجلسي النواب والشيوخ مطالبات برلمانية تقودها أميرة صابر وحسام الخشت لوضع جدول زمني معلن للانتخابات، لاسيما بعد تهميش مقترحات النواب لصالح مشروعات الحكومة التي تعيد تدوير نصوص قديمة تعود لعام 2016.
ولكن برغم بدء جلسات الاستماع البرلمانية، أوضح محمد عطية الفيومي في شهر أبريل الماضي أن مشروع الحكومة يتجاهل متطلبات المرحلة الحالية، بينما يربط نواب حزب العدل بين إصدار هذه التشريعات وتهيئة المناخ لانتقال سلس للسلطة.
ومن جانبه، يؤكد الدكتور عمرو هاشم ربيع، نائب مدير مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، أن الإبقاء على المحليات دون انتخابات طوال هذه السنوات يهدف مباشرة إلى احتكار القرار التنفيذي ومنع تشكل أي كوادر رقابية شعبية بالمحافظات.
وفضلاً عن ذلك، يضيف الخبير السياسي أن ربط تحريك القوانين المكملة للدستور بصدور إشارات من رأس النظام العسكري عبدالفتاح السيسي يثبت هيمنة السلطة التنفيذية على البرلمان، ويكرس غياب الإرادة الحقيقية لتطبيق أحكام الدستور كاملة دون انتقائية.
حجب المعلومات ومصادرة الشفافية العامة
وعلى صعيد متصل، يواجه الاستحقاق المنصوص عليه في المادة 68 مصيراً مماثلاً من التعطيل الممنهج، حيث تمتنع الأغلبية البرلمانية عن إقرار قانون ينظم حرية تداول المعلومات والبيانات والوثائق الرسمية رغم مرور أكثر من 12 عاماً.
ونتيجة لهذا الامتناع، تغيب الضوابط التشريعية التي تلزم مؤسسات الدولة بإتاحة البيانات بشفافية للمواطنين والباحثين، كما تتعطل العقوبات القانونية المفترض توقيعها ضد المسؤولين المتورطين في حجب الوثائق الرسمية عمداً عن الرأي العام.
وبالتوازي مع تلك الممارسات، تتعثر مساعي نواب الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي، ومن بينهم فريدي البياضي، لدفع مشروعات القوانين المقدمة منهم إلى دائرة المناقشة الجادة، مما يبقي الملفات التشريعية رهينة التوجيهات الرئاسية المباشرة.
وتعليقاً على هذا الإغلاق، يقول المحامي الحقوقي نجاد البرعي، مدير المجموعة المتحدة للاستشارات القانونية، إن إصرار أجهزة الدولة على تجميد قانون تداول المعلومات يعكس رغبة رسمية في تحصين السياسات المالية والإدارية ضد المساءلة الشعبية.
وبالمثل، يوضح الخبير القانوني أن تعطيل المادة 68 يتناقض جذرياً مع أحاديث رأس النظام العسكري عبدالفتاح السيسي حول صون الدستور، لأن حجب الإحصاءات والوثائق الرسمية يهدم الأساس الأول لدولة القانون ويحول النصوص الدستورية إلى ديكور سياسي.
تجميد مفوضية مكافحة التمييز المجتمعي
ومن جهة ثالثة، يستمر التجاهل الرسمي لإنشاء مفوضية مكافحة التمييز المنصوص عليها في المادة 53 منذ عام 2014، وهو ما يعطل الآليات المؤسسية اللازمة لمواجهة الممارسات التمييزية وضمان تكافؤ الفرص بين جميع المواطنين أمام القانون.
واستكمالاً لهذا المسار، تظل المشروعات التي طرحها نواب المعارضة حبيسة الأدراج البرلمانية دون جدول زمني للإقرار، بينما تكتفي اللجان التشريعية بمنح الأولوية القصوى للقوانين التي تخدم قبضة السلطة التنفيذية وتلبي أجندتها العاجلة.
وفي المقابل، تبرهن حالة المراوحة التشريعية على أن احترام الوثيقة الدستورية لا يتحقق بالاكتفاء بعدم تعديل نصوصها، بل يستوجب إنهاء حالة الانتقائية السياسية التي تفعل مواد السلطة وتجمد مواد الحقوق والحريات العامة.
وفي هذا الإطار، يرى الدكتور حسن نافعة، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، أن امتناع السلطة عن تأسيس المفوضية المستقلة لمكافحة التمييز يكشف عزوفاً بنيوياً عن إنشاء أي هيئات دستورية تتمتع باستقلالية حقيقية بعيداً عن السيطرة الأمنية.
وختاماً، يشدد الأكاديمي المصري على أن الفجوة المتسعة بين خطاب رأس النظام العسكري عبدالفتاح السيسي والواقع التشريعي المعطل تبرهن على أن النظام يتعامل مع الدستور كأداة لتثبيت الحكم وليس كعقد اجتماعي ملزم لجميع السلطات.

