تتصاعد أزمة غياب التلاميذ لتلقي بظلالها الثقيلة على ملايين الأسر المصرية مع حلول فصل الشتاء وانتشار الفيروسات التنفسية، بينما تتشبث وزارة التربية والتعليم باشتراط حضور 70% من الأيام الدراسية، وسط تعقيدات حكومية تعرقل استخراج الإجازات المرضية وتضع صحة الأطفال في مهب الريح.

 

وتقتحم هذه المعضلة أروقة البرلمان عبر تحركات رقابية تطالب بإرساء ضوابط عادلة للتقييمات المدرسية للعام الدراسي 2026/2027، بالتزامن مع تصاعد الغضب الشعبي من القرار الوزاري رقم 151 لسنة 2026، الذي يجبر التلاميذ المرضى على الاختيار المرير بين صحتهم أو مستقبلهم الدراسي.

 

 

قرارات عقابية تهدد مستقبل التلاميذ

 

وفي هذا السياق، تفرض وزارة التربية والتعليم قيودا صارمة تشترط عدم نزول نسبة حضور تلاميذ المرحلة الابتدائية عن 70% خلال الفصلين الدراسيين، متجاهلة تماما موجات البرد القارس وتفشي العدوى الموسمية بين الصغار خلال شهري نوفمبر وديسمبر من كل عام.

 

وعلاوة على ذلك، تهدد الوزارة بحرمان التلميذ الذي يعجز عن تحقيق نسبة 70% من الانتقال إلى الصف الدراسي الأعلى، إلا بعد إجباره على استيفاء مدد الحضور واجتياز برنامج علاجي إجباري في نهاية العام تحت إشراف الإدارات التعليمية.

 

ومن جانبه، يوضح الدكتور كمال مغيث، الباحث بالمركز القومي للبحوث التربوية، أن إدارة المنظومة التعليمية بعقلية العقاب الجماعي وتجاهل الظروف الصحية للتلاميذ يدمر الهدف التربوي، ويحول المدارس في عهد قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي إلى ساحات للجباية والتعسف الإداري.

 

وبالإضافة إلى ما سبق، يشدد مغيث على أن ربط التقييمات اليومية بالحضور القسري دون توفير بيئة مدرسية آمنة وصحية يمثلقامرة غير محسوبة العواقب، لا سيما في ظل تكدس الفصول وغياب الرعاية الطبية الأولية داخل المؤسسات التعليمية الحكومية.

 

ونتيجة لذلك، يعيش أولياء الأمور حالة من الأرق المتواصل خوفا من ضياع درجات التقييمات المستمرة، مما يدفع الكثير من الأسر إلى إرسال أطفالهم للمدارس وهم يعانون من الحمى والسعال، تفاديا للوقوع تحت مقصلة الرسوب الإداري.

 

وفضلا عن ذلك، تتجاهل السياسات الوزارية الفوارق الجغرافية والمناخية وتفاوت كثافات الفصول التي تتراوح بين 5 تلاميذ في شمال سيناء و45 تلميذا في الجيزة، لتطبق معيارا جامدا يعاقب المريض بدلا من توفير بدائل تعليمية مرنة تضمن سلامته.

 

وبناء على هذه المعطيات، تتحول التقييمات المدرسية من أداة لقياس مستوى الاستيعاب والتحصيل العلمي إلى سيف مسلط على رقاب الأسر، التي تجد نفسها محاصرة بين لوائح وزارية صماء وعجز حكومي عن إدارة الأزمات الصحية الموسمية.

 

 

بيروقراطية التأمين الصحي تحاصر المرضى

 

ومن ناحية أخرى، تتفجر أزمة موازية داخل عيادات التأمين الصحي التي تحتكر منح الإجازات المرضية المعتمدة، حيث يصطدم أولياء الأمور بطوابير طويلة وإجراءات بيروقراطية معقدة تمنع حصول الطفل المريض على حقه الطبيعي في الراحة المنزلية.

 

وفي هذا الصدد، تتحرك النائبة آمال عبد الحميد، عضو لجنة الخطة والموازنة بمجلس النواب، لتقديم طلب إحاطة عاجل يواجه الحكومة بعجز آلياتها الحالية عن التعامل مع الغياب المرضي، ومطالبة بضوابط عادلة تحمي التلاميذ من تعسف الإجراءات.

 

وإلى جانب ذلك، تؤكد التحركات البرلمانية أن جوهر الأزمة يكمن في عجز المنظومة الصحية عن استيعاب أعداد التلاميذ المصابين بنزلات البرد خلال أشهر يناير وفبراير ومارس، مما يجعل الحصول على عذر طبي معتمد مهمة شبه مستحيلة للأسر.

 

ومن جهته، يؤكد الدكتور محمد حسن خليل، منسق لجنة الدفاع عن الحق في الصحة، أن احتكار هيئة التأمين الصحي المتهالكة لإصدار الإجازات المرضية يعكس انهيار التنسيق المؤسسي، ويكشف زيف شعارات تطوير الرعاية الصحية التي تروجها السلطة الحالية.

 

واستكمالا لهذا الطرح، يشير خليل إلى أن إجبار طفل يعاني من عدوى تنفسية على الانتظار لساعات داخل عيادات مزدحمة لانتزاع ورقة رسمية، يضاعف من تدهور حالته الصحية ويسهم في نشر الأوبئة على نطاق واسع بين المترددين.

 

وعلى صعيد متصل، تطالب المذكرات البرلمانية بضرورة كسر احتكار التأمين الصحي، وفتح الباب أمام المستشفيات الحكومية والمراكز الطبية المعتمدة لمنح الإجازات المرضية، لتخفيف العبء عن كاهل المواطنين وتبسيط إجراءات إثبات العذر الطبي للتلاميذ.

 

ورغم تلك المطالبات، تصر الجهات التنفيذية على التمسك بلوائح عفا عليها الزمن، تضع الأسرة المصرية أمام معادلة صفرية قاسية، فإما التضحية بصحة الطفل وإرساله للمدرسة حاملا للعدوى، وإما التضحية بدرجاته ومستقبله الدراسي.

 

وبالتزامن مع هذا التعنت، تتصاعد شكاوى الأمهات من رفض إدارات المدارس للشهادات الطبية الصادرة عن المستشفيات العامة أو العيادات الخارجية، وتمسكها بختم التأمين الصحي الذي يتطلب رحلة عذاب لا يتحملها جسد طفل منهك من المرض.

 

 

فصول دراسية تتحول لبؤر عدوى

 

وعلى المنوال ذاته، يؤدي إجبار التلاميذ المرضى على الحضور المدرسي خوفا من خصم درجات التقييمات إلى تحويل الفصول الدراسية إلى حاضنات مغلقة للفيروسات، حيث تنتقل العدوى التنفسية بسرعة فائقة بين عشرات الأطفال الجالسين في مساحات ضيقة.

 

وفي سياق متصل، يفقد الطفل المريض قدرته الطبيعية على التركيز والاستيعاب والتحصيل الدراسي داخل الفصل، مما يجعل حضوره الجسدي مجرد استيفاء شكلي لدفاتر الغياب، دون أي عائد تعليمي حقيقي يذكر سوى إرهاق جسده ونقل المرض لزملائه.

 

ومن هذا المنطلق، يوضح الدكتور علاء غنام، خبير السياسات الصحية، أن غياب الرؤية الوقائية لدى وزارتي التعليم والصحة يحول المدارس إلى بؤر وبائية نشطة، نتيجة تغليب اللوائح العقابية على معايير الطب الوقائي وحماية الصحة العامة للمجتمع.

 

وتأسيسا على ذلك، يضيف غنام أن تراجع الإنفاق الحكومي على الصحة والتعليم في موازنة عام 2026، أدى إلى غياب الزائرات الصحيات ونقص التهوية الجيدة في الفصول، مما يجعل قرار إلزام التلاميذ بحضور 70% بمثابة كارثة صحية مكتملة الأركان.

 

وبالمثل، تفتقر المدارس الحكومية إلى أبسط مقومات العزل الصحي أو الإسعافات الأولية للتعامل مع الحالات الطارئة خلال اليوم الدراسي، ليجد المعلم نفسه عاجزا أمام تلميذ ترتفع درجة حرارته، ولا يملك سوى إبقائه في الفصل حتى انتهاء المواعيد الرسمية.

 

ومع تفاقم هذه الأوضاع، تبرز الحاجة الملحة لإقرار قواعد معلنة وموحدة تتيح إعادة التقييمات التي يفوتها التلميذ بسبب المرض، لضمان حقه الأصيل في تقييم عادل يراعي ظروفه الصحية القهرية دون الإخلال بانتظام العملية التعليمية.

 

إلا أن غياب الإرادة السياسية لمعالجة هذه الفجوات الإجرائية يبقي الأزمة مفتوحة على كافة الاحتمالات، في ظل إصرار الحكومة على إدارة ملف التعليم بمنطق الجزر المنعزلة، دون أدنى تنسيق بين قرارات الوزراء والواقع المعيشي والصحي للمواطنين.

 

وخلاصة القول، فإن رهن مستقبل التلاميذ بنسبة حضور 70% في ظل منظومة تأمين صحي عاجزة، يثبت أن صحة الطفل المصري باتت الثمن الفعلي الذي تدفعه الأسر للحفاظ على درجات التقييمات المدرسية، وسط صمت حكومي يفاقم معاناة الملايين.