تنتفض ثماني مؤسسات صحافية مصرية وعربية في وجه آلة الدعاية الرسمية بإطلاق غرفة أخبار مشتركة لتدقيق مزاعم السلطة، انتصاراً لستة صحافيين من منصة "متصدقش" يقبعون خلف القضبان منذ 29 سبتمبر الماضي.

 

 

 

وتتزامن هذه المبادرة الميدانية التي تمتد لستة أيام تحت شعار "لحد ما يرجعوا… التحقق مستمر" مع انعقاد ما يسمى "منتدى مصر 2026"، الذي دعا إليه قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي بين 19 و24 أكتوبر الجاري.

 

 

كسر الاحتكار الرسمي للمعلومات وتعرية التزييف

 

وبادرت منصات "صحيح مصر" و"مدى مصر" و"المنصة" المصرية، إلى جانب "ميغافون" و"درج" و"صفر" اللبنانية، و"نواة" التونسية، و"الجمهورية" السورية، إلى تشكيل هذا التكتل المهني لسد الفراغ الذي خلفه تغييب فريق "متصدقش".

 

علاوة على ذلك، تعهدت المؤسسات الثماني في بيانها المشترك بشغل مقاعد الزملاء المعتقلين، ومواصلة مهمتهم الأساسية في تفنيد الروايات الحكومية المضللة ومشاركة الحقائق الموثقة مع الجمهور طوال فترة انعقاد المؤتمر الحكومي.

 

وفي هذا السياق، تسعى السلطة عبر مؤتمراتها الاستعراضية إلى فرض سردية أحادية حول "إنجازات" وهمية، متجاهلة الأزمات الاقتصادية والمعيشية الطاحنة التي تثقل كاهل المواطنين جراء السياسات المالية المتعاقبة.

 

ومن ثم، يمثل إطلاق غرفة الأخبار المشتركة صفعة مهنية لجهود احتكار الحقيقة، إذ تضع البيانات الرسمية تحت مجهر الفحص الدقيق، وتحرم الأجهزة الدعائية من تمرير أرقامها دون مراجعة مستقلة.

 

كما وجهت المؤسسات المشاركة دعوة مفتوحة لكافة الصحف والمواقع والصحافيين في المنطقة العربية للانضمام إلى الفعالية، وتكثيف إنتاج المواد الصحافية التي تراجع جلسات المؤتمر وتفكك خطابها الدعائي.

 

فضلاً عن ذلك، حث البيان المشترك جموع الصحافيين والنشطاء على تفعيل التضامن الرقمي عبر مشاركة محتوى الصفحة المخصصة للفعالية على منصتي "فيسبوك" و"إكس" لضمان وصول الحقائق إلى أوسع نطاق.

 

وفي هذا الصدد، يرى أستاذ الإعلام السياسي بجامعة القاهرة الدكتور محمود خليل أن لجوء المؤسسات المستقلة للتكتل العابر للحدود يعكس فشل القبضة الأمنية في تدجين الفضاء العام أو فرض الرواية الرسمية.

 

ويضيف خليل أن محاولات السلطة لتسويق مشروعاتها عبر مؤتمرات صاخبة تصطدم اليوم بوعي مهني جماعي، يمتلك أدوات التحقق الرقمي القادرة على هدم البنيان الدعائي الرسمي بالحجة والوثيقة والبرهان.

 

وبناءً على ذلك، تتحول كل جلسة من جلسات مؤتمر السلطة في شهر أكتوبر الجاري إلى ساحة مواجهة مفتوحة بين الترويج الحكومي الممول وبين صحافة الاستقصاء الحرة التي ترفض التعمية.

 

 

ترهيب أصحاب الكلمة والانتقام من المدققين

 

وعلى صعيد متصل، جاءت هذه الهبة الصحافية رداً على الجريمة الأمنية التي وقعت يومي 28 و29 سبتمبر الماضي، حين داهمت قوات الأمن منازل ستة من صحافيي منصة "متصدقش" واختطفتهم.

 

وتشمل قائمة الصحافيين المعتقلين كلاً من محمد أشرف، وإسلام بركات، وعبد الله قدري، ومحمد محمود، ومحمد عادل، وعمر هلال، الذين دفعوا ثمن مهنيتهم العالية في مراجعة البيانات الحكومية.

 

وبعد ذلك بخمسة أيام من الإخفاء والاحتجاز غير القانوني بموجب قانون "الإرهاب" سيئ السمعة، ظهر الصحافيون الستة أمام نيابة أمن الدولة العليا في حالة جسدية ونفسية بالغة السوء.

 

وخلال تلك الجلسة، وثق المعتقلون تعرضهم لانتهاكات وحشية وصنوف من التعذيب الممنهج، شملت التغمية المستمرة، وتقييد اليدين من الخلف، والتجريد الكامل من الملابس، والضرب المبرح، والصعق بالكهرباء.

 

ورغم هذه البلاغات الصادمة، تقاعست النيابة عن فتح تحقيق جدي لمحاسبة الجلادين، بل تواطأت مع الأجهزة الأمنية بتجديد حبس الصحافيين 15 يوماً إضافية في 13 أكتوبر الجاري.

 

وإثر ذلك، لُفقت للصحافيين الستة على ذمة القضية رقم 8083 لسنة 2026 حصر أمن الدولة العليا، التهم المعلبة الجاهزة وهي الانضمام إلى "جماعة إرهابية" وتمويلها، و"نشر أخبار كاذبة".

 

وفي هذا الإطار، يؤكد الباحث القانوني والحقوقي المدير التنفيذي للمفوضية المصرية للحقوق والحريات محمد لطفي أن استخدام تشريعات الإرهاب ضد مدققي المعلومات يمثل انحرافاً فجاً بالسلطة القضائية وتحويلاً للقانون إلى أداة انتقام سياسي.

 

ويوضح لطفي أن تغاضي نيابة أمن الدولة عن وقائع التعذيب بالكهرباء والتجريد من الملابس يرسخ عقيدة الإفلات من العقاب، ويثبت أن الهدف الحقيقي هو ترويع كل من يجرؤ على مساءلة السلطة.

 

وعليه، فإن استمرار حبس فريق "متصدقش" منذ أواخر سبتمبر الماضي يعري زيف الشعارات الحكومية حول حرية الرأي، ويكرس واقع الدولة البوليسية التي تخشى المعلومة الموثقة أكثر من أي شيء آخر.

 

 

تضامن عابر للحدود يهزم مقصلة الرقابة

 

ومن جهة أخرى، أثبتت المبادرة التضامنية أن التنكيل الأمني بالصحافيين المصريين لم يعد شأناً داخلياً يمكن التستر عليه، بل تحول إلى قضية إقليمية تستنفر غرف الأخبار في بيروت وتونس ودمشق.

 

ولذلك، فإن اختيار الفترة من 19 إلى 24 أكتوبر لإطلاق غرفة الأخبار يوجه رسالة مباشرة لقائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي بأن اعتقال الصحافيين لن يمنحه حصانة ضد التدقيق والمساءلة.

 

وبالإضافة إلى ذلك، نجحت الحملة منذ ساعاتها الأولى في تحويل أنظار الرأي العام من البهرجة الإعلامية للمؤتمر الحكومي إلى الزنازين المظلمة التي يُحتجز فيها شباب صحافيون بسبب إخلاصهم لمهنتهم.

 

وهكذا، انقلبت المخططات الأمنية التي استهدفت إسكات صوت "متصدقش" في سبتمبر الماضي إلى تظاهرة صحافية عربية، تضاعف من حجم التدقيق في كل رقم أو ادعاء يصدر عن المنصات الرسمية.

 

وفي سياق متصل، تبرز أهمية التكاتف بين المنصات المستقلة كدرع واقٍ يحمي المهنة من الاندثار تحت وطأة القمع الممنهج، ويؤسس لنموذج عمل تشاركي يتجاوز الحجب والملاحقات القضائية.

 

ومن جانبه، يشدد الخبير في السياسات العامة والاقتصاد السياسي الدكتور عمرو عدلي على أن استهداف منصات تدقيق المعلومات ينبع من رعب السلطة من كشف التناقض الصارخ بين أرقامها الرسمية والواقع الاقتصادي المنهار.

 

ويبين عدلي أن الحكومات التي تفتقر للشرعية الإنجازية الحقيقية تعتمد كلياً على تضخيم المشروعات الشكلية، مما يجعل عمل مدققي الحقائق تهديداً وجودياً لروايتها الرسمية أمام المواطنين والمؤسسات الدولية على حد سواء.